القاهرة ـ «القدس العربي»: «أوعوا تسيبوا الميدان، شيلتوا حرامي ولسه باقي العصابة». هذه العبارة التي تداولها مؤخراً الكثيرون على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، والتي قالها الفنان جميل راتب (18 أغسطس/آب 1926 – 19 سبتمبر/أيلول 2018)، وهو في ميدان التحرير، يوم خلع مبارك، هذه العبارة التي يعرف الجميع الآن مدى صدقها، ومدى الخطأ الذي تسبب في عدم اتباعها وتصديقها. ربما كانت ثورة 25 يناير/كانون الثاني فرصة للتعرّف أكثر على جميل راتب، بخلاف بعض المقربين منه، فرغم ملامحه وتربيته الأرستقراطية، فأفراد هذه الفئة دائماً ما تم النظر إليهم بعين الشك والريبة، منذ انقلاب يوليو/تموز 1952، تبدو في أكثر المواقف صعوبة الأكثر وعياً وثقافة واستشرافاً للمستقبل، بخلاف العامة وأكثرهم الباحثون عن موقع قدم يداري نقصهم وعقدهم وتطلعاتهم الشخصية.
ولا تنفصل حياة راتب واختياراته عن مواقفه، فلم يسع إلى شهرة، أو فرض تسويق نفسه، كما يفعل الكثيرون، ومن خلال عدة أدوار أداها في السينما المصرية وكذلك بعض الأعمال التلفزيونية، أثبت موهبته وقدرته على أداء متميز وخاص به من شخصية لأخرى. ومن خلال أعماله المتعددة يمكن أن نذكر منها مثالاً.. «الصعود إلى الهاوية»، «شفيقة ومتولي»، «ولا عزاء للسيدات»، «على من نطلق الرصاص»، «خائفة من شيء ما»، «حب في الزنزانة»، «الكيف»، «الوداع يا بونابرت»، «البريء»، «البداية»، «طيور الظلام»، «عفاريت الإسفلت». أما في الدراما التلفزيونية، فنذكر.. «أحلام الفتى الطائر»، «رحلة المليون»، «الراية البيضاء»، «ضمير أبلة حكمت»، «ويوميات ونيس». وغيرها الكثير.
البداية
تم إنتاج فيلم «البداية» عام 1986. وكان الفيلم الذي كتبه لينين الرملي ــ الذي تغّير موقفه بعد ذلك وبارك مشروع التوريث ــ وأخرجه صلاح أبو سيف. كان الفيلم هجائية ساخرة للسلطة والاستبداد، والنهاية المحتومة للسلطوي بالمصادفة ــ كما حال جميع السلطويين عندنا ــ وعن فكرة مجموعة من الأفراد عليهم ترتيب حال وجودهم ــ سقطت طائرة بهم في الصحراء ــ ليصبح الأمر بديلاً عن المجتمع، وفئاته المختلفة.. فنان، راقصة، بطل رياضي، ورجل أعمال، والأخير هو الوحيد الذي لا نعرف عنه شيئاً، شخصية غامضة مجهولة تدّعي دوماً الأهمية، حيث حقيبته التي يحافظ عليها بشدة، ويحمل مسدساً.
لا تنفصل حياة راتب واختياراته عن مواقفه، فلم يسع إلى شهرة، أو فرض تسويق نفسه، كما يفعل الكثيرون، ومن خلال عدة أدوار، أثبت موهبته وقدرته على أداء متميز وخاص به من شخصية لأخرى.
الموقف من الثورة
أدى الفنان جميل راتب دور رجل الأعمال، الذي تحوّل بعد ذلك إلى حاكم الواحة/الدولة، والمتحكم في تطبيق، بل واختراع قوانينها، من ثواب وعقاب، والأهم تأمين نفسه وسلطته في جميع الأحوال، مستغلاً في ذلك قاصري العقول، والمتمثل في البطل الرياضي، والمؤهل بالفطرة بأن يكون رجل أمن الواحة. لكن العدو الأول للسيد رئيس الواحة هو الفنان، الذي قام بعمل تمثال من العجوة ــ محصول الواحة وأهم ما فيها ــ للزعيم، بدون أن ينسى أن يجعل الزعيم يُخبئ سكيناً خلف ظهره، وقد أفهمه الفنان ــ قام بالدور أحمد زكي ــ أنه رمز للحيطة والحذر والدهاء، لكنه في الحقيقة رمز للغدر والخيانة. وبعد علاقات وأحداث متشابكة، وإنشاء قناة إعلامية ــ خيالية ــ تمجد الزعيم، وقد أطلق على الواحة اسم (نبيهاليا)، والمشتق من اسمه (نبيه). وينتهي الأمر بإنقاذ الجميع عن طريق طائرة إنقاذ، بينما يظل الزعيم وحده في الصحراء والواحة المحترقة من حوله. ومن المفارقات أن الفيلم عُرض في مهرجان فيفاي في سويسرا عام 1987، وفاز بجائزة «عصا شارلي شابلن الذهبية». وقد حاول صلاح أبو سيف تمرير رسالة الفيلم إلى السلطة السياسية وقتها، بأن أهدى الجائزة لحسني مبارك، لكن الأخير لم ينتبه، ليتخلص منه الجميع بالفعل بعد 24 عاما، بقيام ثورة الشعب في الخامس والعشرين من يناير 2011.
شارك الفنان جميل راتب في الثورة المصرية منذ بداياتها، فنزل إلى الميدان وانضم إلى الشباب الثائر، بدون أن تمنعه سنواته التي جاوزت الثمانين. ذلك من خلال وعي ورؤية لم تتغير طوال أحداث الثورة وتبعاتها، حيث القضاء على رأس النظام لا تمثل القضاء على النظام نفسه، الأكثر قوة وتمكنا وقدرة على التلون حفاظاً على نفسه في المقام الأول. كانت مغادرة الميدان، والجلوس إلى مفاوضات مزعومة، حيث بعض الثوار لم يكن يصدق نفسه وهو جالس أمام هذا المسؤول أو ذاك يتحاور معه، أو أن يصبح ضيفاً في الفضائيات. هكذا تم تفتيت الحالمين، بل وتصفيتهم والقبض عليهم بعد ذلك، هذا التشتت والضياع، كان جميل راتب يحذر منه، فلا عاصم سوى الجموع. هذا الموقف الذي عاشه جميل راتب، جاء بلا صخب وادعاء، وتمثل ثوري زائف، ولعل الوجه الأقرب المقابل له هو محمد صبحي الصاخب دوماً بالمعارضة، والمُسبّح دوماً بحمد أي نظام في الحقيقة. رحم الله جميل راتب فناناً وإنساناً، عرف قيمته وقيمة البلد الذي ينتمي إليه.