الصور التي عَفى عليها الزمان

المعاني كالثياب تكون جديدة وقد تبلى وتتلاشى وتظهر أخرى جديدة؛ ليس من سبب معقد وراء بلاها واندثارها إذ يرد الأمر ببساطة إلى أن الأفكار تتجدد فتعبّر عنها المعاني الجديدة. وهذا يعني بشيء من التدقيق أن تجدد الأفكار الطبيعي إنما وراءه تجدد رؤانا للكون؛ ذلك أننا وإن كنا لا نرى الأشياء آنيا ومن وجهة نظر واحدة فنحن لا نراها زمانيا من وجهة نظر ثابتة.
يوجد ضرب من المعاني تشترك فيه جماعة لغوية – ثقافية لفترة معينة ثم يزول شيئا فشيئا بأن تتركه فئة منها وتهجره حين تجد أنه لا يعبر عن رؤيتها أو لا يناسبها فتختار معانيَ أُخرَ تناسب تلك الرؤى الجديدة. هكذا يتجدد المعنى بتجدد الرؤى ولربما تصارع استعمالان لوصف معنى واحد أحدهما يعبر عن تصور جديد له ويظل الثاني يعبر عن ذلك الكون القديم؛ ولربما أدخل ذلك الناسَ في ضرب من اختلاف الرؤى قد يقرأ أحيانا على أنه صراع بين قديم وحديث أو صراع بين جيلين لا يشتركان في الرؤى.
ألطف المعاني التي يمكن أن تظهر فيها هذه الخلافات في الرؤى معاني الشعراء ولا سيما في ضرب منها هو ما يطلق عليه بشيء من التعميم اسم «الصور الفنية» ويقصد بها تلك المعاني الموشاة بالتشابيه والاستعارات والمزركشة بألوان البيان الأخرى التي يعدها الناس ألطف ما في الشعر من المعاني ويعتقدون، وهم يتذوقونها، أن عذوبتها من عدول عن نهج مألوف في توليف الكلام؛ والحق أن وراء الكلام رؤى قد يستطيبها جيلٌ ولكن جيلا آخر يتركها لأنها لا تناسب رؤيته المتغيرة للكون وليس التغير تطورا بالضرورة.
في كتب النقد القديمة وعي بالتغير في طرق المعاني ووقوف على الاختلافات الدقيقة في وصف المعنى الواحد؛ وفيها انتصار لطريقة في التصوير قديمة أو حديثة يبررونها غالبا بالتناسب بين المعاني الموصوفة والصور التي تشكلها. هذه علل تُقنع بمنطق معين ولكنها لا تقنع بمنطق آخر: هي تقنع بمنطق أن الأشياء لا بد أن تجاريَها متعلقاتُها وأن قَرْنَها بما لا يَعْلَق بها ضرْب من تقريب مَا لا تَشَاكُل بين مواده. وهذا إن تُرجم إلى ميدان الصورة عد جمعا فجا بين ألوان لا تتقارب أو بين أشكال لا تلتقي يترجم في المشهد إلى ضرب من خدْش النظر وهجوم مسلح على عَيْن عَزْلاء. غير أن هذا لا يقنع بمنطق آخر: أن من اختار ألوانا أخرى يريد إبرازَ هذا اللاتناسب؛ وأن الصورة التي رسمها بالألوان والأشكال التي قد لا تريح من اعتاد هدوءَ الألوان ورتابة الأشكال هي الصورة التي يراها أكثر تعبيرا عما أدركه وقتها.

الشاعر يبني صورَه لإرضاء سَامع معين وللعب على نفسه؛ غير أن في الأمر بناء شعريا للكون.

قال امرؤ القيس في معلقته (الأنباري، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات) يصف بَنان حسنائه رقة ودقة وهو يتناول شيئا (وتَعْطو بِرَخْصٍ غَيْرِ شَشْنٍ كأنه // أسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَاويكُ إِسْحِلِ). شرح الأنباري البيت فذكر أنه تشبيه للبنان بشيئين هما الأُسْروع وهي تعني في النص «دود حمر الرؤوس بيض الأجساد تكون في الرمل» (لسان العرب: 8/153 ) ولا تعني هنا يرقة الفراشة؛ وكذلك غصون شجر الإسْحِل الدقيقة التي يُستاك بها. ويبدو أن اللاحقين من الشراح والنقاد كانوا عالة على هذا التفسير.
اعتبر ابن رشيق أن من تشابيه الشعراء القدامى ما رغب عنه الشعراء المحدثون وأورد بيت امرئ القيس هذا فقال: «وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعا لها وإن كانت بديعة في ذاتها مثل قول امرئ القيس وتعطو إلخ. البيت؛ فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة وهي دودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا وإياها عنى ذو الرمة بقوله: (خَراعيب أمثالٌ كأن بَنَانَها// بناتُ النقا تَخْفى مرارا وتظْهَرُ) فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد أصابه الحناء وربما كان رأسها أسود» (العمدة، 1/299-300). تشبيه البنان بهذه الدويبة يعكس رؤية جمالية للكون تنقل تجربة جمالية حميمة بتجربة أخرى عادية لا علاقة لها بها. فالدويبة التي تسري في الرمل وتغوص فيه تثير في الرائي ضربا من التفاعل مع المشهد. إن المشهد الكلي هو غير تفاصيله الجزئية.
وأنْ يشبه ذو الرمة البنان ببنات النقا وهي سحلية من الزواحف المرقطة التي تغوص في الرمال؛ ويشبهه امرؤ القيس بالدويبة الأقل منها فذلك فيه تشارك في تصور مرجعية الجمال الطبيعية؛ إذ تحيل الصورتان لا على نوع من الزواحف ذات الجلد الخشن، بل على زواحف ذات جلد رقيق لها قدرة على الاختفاء بحركة تموجية سريعة. نقطة القوة في الصورة ليست في تشابه الإصبع مع الحيوانين، بل في حركة الغياب التموجية والاختفاء الكلي.
إنه تصور يعكس نفسية من يخشى أن يغيب الجمال وينطمر؛ أو هي نفسية من يريد لو يغيب الجمال وينغمس لا واحدا بل مثنى. الإصبع أو طرفه المحلى بالحناء مركز النظر؛ هو ما يشير أو ينادي؛ هو الآمر الناهي هو الطرف الذي إن أمسكته أمسكت الكل. هذا وصف اختصاري يختصر الجسد في إصبع ويختصر الإصبع في رأسه. للإصبع رأس أسود مخضب بالحناء مثلما للجسد سعر ليلي أسود، البياض والسواد لونان لا يتصارعان إلا في الخارج الثقافي هنا يتآلفان.هذا إدراك أكثر ما يكون صورة تصنعها التشابيه هو تصور نقلته صورة بقطع النظر عن مادتها البلاغية.
لكن هذه الصورة هي في رأي ابن رشيق الحضري بدوية لا تؤنس يقول: «إلا أن نفس الحضري المولد إذا سمعت.. قول عبد الله بن المعتز: (أشَرْنَ على خَوْفٍ بأغصانِ فضةٍ// مُقَومَةٍ أثْمارُهن عَقِيقُ) كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس وإن كان تشبيهه أشد إصابة» (العمدة، 1/300). الإشكال الكامن في التأويل أنه مبني على التلقي؛ يرى أن الشاعر يبني صورَه لإرضاء سَامع معين وللعب على نفسه؛ غير أن في الأمر بناء شعريا للكون.
فلقد رأى ابن المعتز البنان في صورة اعتقدها صاحب «العمدة» حضرية وهي طبيعية في الأصل غير أنها أخرجت مخرجا غير طبيعي إذ رأى الأصابع أغصانا في شجرة اليد وهذه رؤية تستعير صورة الشجرة بجذعها وفروعها لكنها تخرجها من سياقها الطبيعي إلى سياق المعادن الثمينة والأحجار الكريمة. الأصل طبيعي ثم اصْطناعي وفي هذا رؤية للطبيعة تخرجها من الوجود العادي ليصنعها ويصقلها وههنا يكمن الوعي الأرستقراطي بالكون: الطبيعة المصنعة في مقابل الطبيعة السليقية الطبيعة المجتلبة بفاخر المعادن لا الطبيعة الحية حيث هي.
إن الرؤية إلى الأشياء هي التي تتحكم في تصوراتنا لما حولنا ولذلك لا يمنع من أنْ يصف امرؤ القيس الإصبع بما وصف به ابن المعتز أو العكس فالعناصر موجودة لكن التفاعل معها إدراكيا هو محل الخلاف. فليس في الأمر تطور بل رؤية فذة قد تُتَقاسم، وتظل وليدة تصور أصحابها لها بقطع النظر عن السابقية واللاحقية.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية