لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش: أصبح امتداد طوله 12 ميلاً على الحدود العراقية – السورية مركزاً للمعركة بين إيران والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بعدما سيطرت ميليشيات موالية لإيران على المناطق المحاذية للحدود العراقية.
ويقول ريتشارد سبنسر، مراسل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “تايمز”: إن وجودها يعلم نقطة انطلاق فيما يطلق عليه “الهلال الشيعي”، الذي يمتد من طهران عبر العراق وسوريا إلى الحدود اللبنانية مع إسرائيل حيث مقاتلو حزب الله.
وأكد الكاتب أن وجود هذه الجماعات كان وراء قرار الرئيس ترامب إعادة التفكير بالوجود الأمريكي وسحب الجنود بعد هزيمة تنظيم “الدولة”، وبدلاً من التخلي عن المناطق لطهران يبدو أن واشنطن ماضية في الحفاظ على أعداد من قوات العمليات الخاصة في سوريا والعراق، ورداً على الخطط الأمريكية أصدرت طهران سلسلة من التهديدات بحيث وضعت المنطقة على علبة كبريت.
ويخشى البعض من عودة الفوضى التي تبعت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 عندما قتلت ميليشيات تابعة لطهران مئاتٍ من الجنود الأمريكيين والبريطانيين.
وتبدو المواجهة في أحسن حالاتها في المنطقة الممتدة من القائم على الجانب العراقي إلى مدينة البوكمال في حدود سوريا مع العراق، حيث تسيطر على الجانب الغربي من المعبر بين البلدين ميليشيات تابعة للحشد الشعبي.
وبحسب الصور الفضائية التي التقطتها شركة إسرائيلية فإن هناك قاعدة عسكرية يعتقد أنها تابعة لميليشيا موالية لإيران على الجانب السوري من الحدود، ونقل عن محلل عراقي قوله: إن في القاعدة حوالي 8000 مقاتل عراقي وأفغاني ودول أخرى.
وتدير ميليشيا من الحشد الشعبي نقطة التفتيش على الحدود مع بلدة القائم، ونتيجة لهذا تقول القوات الأمريكية إنها ستبقى في منطقة سعتها سعة الصحراء الواقعة جنوب غربي البوكمال حيث تلتقي الحدود الأردنية والسورية والعراقية حيث لم ينتبه أحد للمنطقة حتى سيطرة 1.000 من جنود القوات الخاصة الأمريكية والفرنسية والنرويجية مع 4.00 مقاتل سابق من الجيش السوري الحر، بالإضافة إلى 2.000 مقاتل سني عربي سوري، وأطلقت إدارة ترامب على المنطقة المهمة لقباً ساخراً “إمارة التنف الكروية”.
تحول موقف ترامب
ويعلق سبنسر أن التحول في موقف ترامب الداعي للعزلة والعزوف عن المغامرات الخارجية الذي تبناه أثناء الحملة الرئاسية إلى المشاركة العسكرية في النزاعات جاء نتيجة لمطالب من مسؤولين في إدارته مثل مايك بومبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، حيث قالوا: إن العزلة في سوريا لا تتواءم مع أهداف الإدارة التي تريد مواجهة التوسع الإيراني بالمنطقة.
ويعتقد المسؤولون أن إيران تقوم بخلق “هلال شيعي” من طهران إلى البحر المتوسط، ونقل عن دبلوماسي في المنطقة قوله: إن “ترامب يعارض البقاء في سوريا ولكن على ما يبدو فإن الحالة المستقرة كما يطلقون عليها قد حصلت على ما تريد”، و”لا يبدو أن هناك انسحاباً قريباً للقوات”.
ويقول سبنسر: إن قرار الولايات المتحدة البقاء أغضب الإيرانيين الذين ردوا بإصدار تهديدات، فلو أرادت الميليشيات استغلال الوضع فهي ستقوم بضرب القوات الأمريكية في العراق أو سوريا.
وقال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري هذا الصيف: “نحن قريبون منكم أكثر مما تتخيلون” و “لو بدأتم حرباً فسننهيها وكما تعلمون فستدمر هذه الحرب كل ما تملكون”.
ويشهد العراق حالة أمنية مستقرة منذ هزيمة تنظيم الدولة وجيشاً نظامياً مرتبطاً ببريطانيا والولايات المتحدة. لكن الإستقلال الذي تتمتع به الميليشيات واضح في مقراتها ببغداد وعلى طول الطريق الصحراوي المؤدي إلى الحدود، حيث يسيطر الجيش على الطريق الذي أعيد فتحه بعد هزيمة تنظيم الدولة لكن المرحلة الاخيرة ومن بداية القائم تسيطرعليها ميليشيات الحشد الشعبي.
ونقل عن الخبير العراقي هشام الهاشمي قوله إن الحشد الشعبي يسيطر على 12 ميلاً الممتدة حتى الحدود، وفي القاعدة 8000 مقاتل بمن فيهم العراقيون، وتعرضت في حزيران (يونيو) إلى هجوم من جهة غير معروفة، حيث تحاول كل من إسرائيل وأمريكا عرقلة تقدم هذه الميليشيات.
انتعاش
وبالإضافة للجهود العسكرية والبقاء في سوريا فقد شهدت الدبلوماسية الأمريكية حالة من الانتعاش في العراق. فقد خاض المبعوث الامريكي بريت ماكغيرك، المبعوث الأمريكي لدول التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية معركة حامية لتأمين رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تثمن واشنطن دوره بموازنة مصالحها في العراق إلى جانب المصالح الإيرانية رغم أنه جاء بالمرتبة الثالثة في انتخابات أيار (مايو).
وفي المقابل يحاول سليماني بناء تحالف شيعي في مركزه هادي العامري، زعيم كتلة الفتح التي جاءت بالمرتبة الثانية في الإنتخابات والذي يقود منظمة بدر التي تعد من أكبر مكونات الحشد الشعبي، وهي معركة لن ينتصر فيها أي طرف كما يقول سبنسر، مشيراً إلى أن إيران متفوقة ميدانياً حيث تقوم مع الميليشيات الموالية لها ببناء قواعد عسكرية من حدودها عبر العراق.
لكن الأمريكيين لديهم ورقة نفوذ وهي وقف الدعم المالي الحيوي للعراق حالة وصل السياسيون الموالون لإيران إلى السلطة في بغداد.
وقال الدبلوماسي: “كانت أمريكا واضحة في حديثها مع العراقيين طبيعة الحكومة العراقية القادمة والقرارات التي يتخذها وزراء ينظر إليهم على أنهم أتباع لإيران ستكون لها تداعيات فيما يتعلق بمستوى الدعم الأمريكي”.
ومع أن العقوبات الامريكية على إيران تحد من قدرة الأخيرة على دعم حلفائها إلا أنها لم تتخل بعد عن الساحة. وفي مدينة القائم التي يحاول سكانها إعادة بناء حياتهم بعد سنوات من سيطرة تنظيم الدولة يتمنون لو يتركون لحالهم.
وقال رئيس البلدية أحمد الجديان “نرغب برحيل الحشد الشعبي في أقرب وقت” مضيفاً “يقول الحشد الشعبي إنه السلطة العليا، فيما تقول الحكومة إنها السلطة العليا ونحن عالقون في الوسط، وتحول العراق إلى ساحة تحل فيه بقية الدول مشاكلها”.
مرحلة جديدة من المواجهة بينهما من مضيق هرمز إلى الفضاء الإلكتروني
وتحت عنوان “التهديد الإيراني” قالت “تايمز” إن إيران تبحث عن دعم الدول الاوروبية في المواجهة مع الولايات المتحدة. وبدأت افتتاحيتها بالإشارة لما كتبه الروائي والفيلسوف الروسي ليو تولستوي عن أعظم محاربين، اللذين قالا إنهما الصبر والزمن “وإيران ليس لديها أي منهما”، ونتيجة لهذا فالحرب الباردة بين واشنطن وإيران اليائسة تزداد سخونة.
وتقول إن طبول حرب محتملة وخطيرة تقرع على أكثر من جبهة مع اقتراب موعد الحظر الشديد على تصدير النفط . وتشير إلى نقطة المواجهة التي تتركز حول 12 ميلا تمتد ما بين الحدود السورية والعراقية، والتي تحولت إلى ساحة للتنافس بين الميليشيات، التي تدعمها إيران وتلك التي تدعمها الولايات المتحدة.
وتضيف أن مضيق هرمز هو النقطة الثانية المرشحة للمواجهة. فالبحرية الإيرانية وتحت قيادة جديدة قد تجد طرقا لعرقلة نقل نفط الخليج إلى الغرب، وقامت إيران بمناورة بحرية بالمضيق في آب (أغسطس).
وتحذر الصحيفة من أن القواعد الأمريكية في العراق باتت عرضة للخطر، فقد تعرضت مجمعات أمريكية في البصرة وبغداد الشهر الماضي لضربات صاروخية.
وعلقت أيضاً على أن الهجمات بالصواريخ على مواقع لتنظيم الدولة في سوريا ليست مجرد عملية مكافحة إرهاب، فهي إشارة لإسرائيل وأمريكا أن طهران لا تزال جاهزة لهجمات من الجو، ويحذر الخبراء الأمريكيون من إمكانية شن إيران حرباً إلكترونية (سايبرية).
ممر إستراتيجي
وترى الصحيفة أن الهدف الإستراتيجي الذي تعمل إيران على تحقيقه هو بناء ممر بري يمتد من أراضيها عبر العراق وسوريا إلى لبنان، وتعمل أمريكا على منع إيران من السيطرة ولهذا تراجع الرئيس ترامب عن قراره الأول الداعي للإستعجال والخروج من سوريا.
وتعهد مبعوث الخارجية الأمريكي الجديد إلى سوريا بجعل الحياة أكثر بؤساً لجثة النظام المعلقة” و”اترك الروس والإيرانيين للخروج من هذه الفوضى”. وقال مستشار الأمن القومي جون بولتون إن القوات الأمريكية ستظل في سوريا طالما بقيت القوات الإيرانية فيها.
وتضيف الصحيفة أن كلا البلدين يسيران نحو التصادم في ظل تصميم واحدة على بناء نسخة حديثة من الإمبراطورية الفارسية وأخرى تريد نزع أنياب الملالي. وبالنسبة لطهران فالعقوبات الأمريكية على النفط هي بمثابة حرب مالية، وقامت سبع ناقلات إيرانية على الأقل بتغيير بياناتها حتى لا تتمكن الولايات المتحدة من تحديد الوجهة المقصودة.
والهدف واضح وهو إدارة عملية مستورة للتحايل على السيطرة الأمريكية والتلويح بالحرب وتوسيع مساحة الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، ولم يخف الدبلوماسيون الإيرانيون فرحتهم عندما انضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى كل من الصين وروسيا للبحث عن طرق للتحايل على العقوبات الأمريكية، ولو حاولت إيران ضرب الولايات المتحدة بأي طريقة فعلى الاوروبيين التفكير مرة ثانية.
وترى الصحيفة، أن على الغرب أن لا يسمح لإيران بتقسيمه بل يجب عليه التعاون معاً والعمل على دق إسفين في المحور الذي يربط إيران وروسيا.
خلاف إيراني – روسي
وتستشف الصحيفة خلافاً بينهما ففي العام الماضي، وعد الرئيس السوري إيران بمنحها حقوق التنقيب عن الفوسفات في منطقة تدمر، ولكنه منح الآن رخصة لروسيا حتى عام 2068 وليس لطهران، وحاول الإيرانيون الحصول على أراض مهمة تقع بين داريا في ريف دمشق ومقام السيدة زينب، وتم إحباط المحاولة أيضاً.
ومنذ عام 2011 مددت إيران قروضاً بقيمة 7 مليارات دولار ولكنها استبعدت من كل مشروع إعادة إعمار. وقالت إن أي شخص يعتقد ان الحرب السورية في طريقها للنهاية عليه التفكير مرة أخرى، فهناك مرحلة جديدة من الحرب تحاول فيها الولايات المتحدة أو من خلال حلفائها ردع إيران عن القيام بعمليات تخريب في المنطقة. وترى الصحيفة أن أمريكا محقة بالبقاء والثبات في مكانها.