علي حرب وصراع الحضارات… علاقة ملتبسة بين الاسلام والغرب

حجم الخط
0

سعدون يخلف٭

ينتمي علي حرب الأكاديمي اللبناني إلى المدرسة العقلانية، التي أرادت أن تعطي العقل مساحة أكبر، ساعيةً في الوقت ذاته إلى التقليل من سطوة الفكر الديني، لذا جاءت معظم مساهمات حرب الفكرية في قالب نقدي للدين، ناظراً إلى هذا الأخير، على أنه السبب الرئيسي في عجز العرب الحضاري وتخلفهم، وعلى الرّغم من مدحه للعقل إلا أنه لم يتخذ نتائجه
كـ»تصورات نهائية « بمعنى أن ما يصل إليه، في النهاية هو الحقيقة التي لا جدال فيها، معتبراً هذه الرؤية أصولية فكرية، لا فرق بينها وبين الأصولية الدينية، لأجل ذلك قاد معركة ضد ما سماه « ملاك الله والاوطان «، بالموازاة مع ذلك، وجه سهام نقده إلى النخبة وأفكارها، بحيث دعاها إلى التخلّص من نرجسيتها وأوهامها، على أن إيمانه بالإنسان وتوقه إلى الحقيقة، جعله ينتقد تطرّف الإنسانوية، التي أفرغت حياة الإنسان من المعنى.
من هذه النقطة الأخيرة تحديداً، كان اهتمام حرب بأطروحة صدام الحضارات، التي أخرجها صموئيل هنتنغتون إلى العلن، بمجرد انتهاء الحرب الباردة، وخروج أمريكا منتصرة، في صراعها مع الاتحاد السوفييتي، إذ يرى هنتنغتون في تحليله الأخير أن العالم بعد انتفاء الأيديولوجية كمبرر للصراع، سيتخذ من الثقافة والدين والإثنية دوافع أخرى للحروب والمواجهة.
لقد حاول حرب في قراءته، المتأنية والمتميزة، للأطروحة أن يقترب من الغرب بمدح إيجابياته، في الوقت نفسه، أراد أن يبتعد عن العرب والمسلمين بالاعتراف بسلبياتهم، كما حاول، والحال هذه، أن يزيل اللبس الحاصل، وسوء الفهم القائم، في ما يخص مفهومي الثقافة والحضارة، والفرق بينهما.

هل الإسلام هو المقصود من الصدام؟

على الرّغم من أن هنتنغتون وسّع دائرة الحضارات التي ستواجه الغرب في المستقبل، على غرار الحضارة الإسلامية، الكونفوشوسية، الهندية، وغيرها، غير أن المفكر علي حرب لم يهضم أن يكون الصدام مع كل هذه الحضارات، لأن الواقع بأحداثه ووقائعه، يناقض هذا الطرح، فاصحاً، في الوقت ذاته، عن المفهوم الحقيقي للصراع، إذ يقول:» لا يخفى أن الصراع بين الإسلام والغرب هو المقصود من عبارة الصدام «، ومن أراد على ذلك دليلا، فإن «الصراع نعيشه اليوم، على الأقل على مستوى الفكر، محطاته وفصوله، بقدر ما نَحْجُب بداهاته»، ولعل ذلك راجع، في الأساس، إلى «التعارضات الجوهرية والحاسمة التي تزرع في العقول»، ما يؤدي في الأخير إلى استحضار سردية الأنا إزاء الآخر، بسلبياتها وإيجابياتها، أو بعبارة حرب، «جرثومة التضاد بين الأشياء والذوات أو بين الثقافات والحضارات». من ثم، فإن النتيجة التي يخلص إليها حرب تتحدد في ثلاثة أسئلة هي كالآتي:
1 ـ هل نحن نعرف الآخر أم نخترع له ما نشاء من الصور؟
2 ـ هل نحن حقاً إزاء صدام بين الإسلام والغرب، أم أن هناك تداخلا بينهما لا فكاك منه؟
3 ـ هل نحن إزاء صدام حضارات أم تفاعل ثقافات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بتصحيح المفاهيم، وتصويب النظرة السلبية، التي من شأنها، على الأقل، تقريب وجهات النظر، وبناء جسور التفاهم والتوافق، فالكثير من المشاكل التي يعانيها العالم اليوم هي نتيجة سوء الفهم، وجهل بالآخر، فعندما نعرّف بأنفسنا، ونحاول معرفة الآخر معرفة حقيقية، لا تلك الصورة المتخيلة في عوالمنا الخاصة، نكون قد اجتزنا خطوة في الطريق الصحيح، بالإضافة إلى ذلك، يجب تحديد علاقتنا بالغرب، إذ أن علاقتنا به، فيها شيء من الارتياب والشك، أو هي علاقة، على حدِّ قول حرب « تتراوح بين الإنكار والانبهار أو بين الخوف والإعجاب أو بين التقدير والتقليد».

صراع بين الثقافات

بناءً على ما تقدم، ينفي حرب أن يكون المقصود من الصدام بين الحضارات هو الصراع بين الأديان، كما رافع بذلك هنتنغتون، عندما اعتبر الدين من مقومات الحضارة، يرجع ذلك، حسب حرب، إلى سوء الفهم واللبس، الناتج عن «عدم التمييز بين الحضارة والثقافة»، ذلك أن الحضارة «تتعلق بأسباب العيش، ووسائله وأساليبه»، في حين أن الثقافة تتعلق «بنظام المعنى وعناوين الوجود»، ووفقاً لهذه المفاهيم، يصير الحديث عن صراع الحضارات لا معنى له، أو هو أكذوبة مضللة، وفضيحة مدوية، لأنه لا أحد سيقف موقف الضد من منتجات الحضارة الغربية، من اختراعات، ووسائل، تعمل على رفع الغبن عن الإنسان، وتساعده على تحسين سبل عيشه، بالتالي، فإن الصدام الحقيقي، كما يرى حرب، هو الصراع بين الثقافات، أي بين ثقافة العالم الإسلامي والعالم الغربي، وفي نظره أن هذا الصراع ليس مقتصراً على هذين العالمين فقط، بل هو ممتدّ إلى الثقافة الواحدة، كالثقافة الغربية مثلا، التي تعيش على وقع صدامات، متخذة من التعدد اللغوي، والتنوع الثقافي، مسوّغاً لذلك.

ينفي حرب أن يكون المقصود من الصدام بين الحضارات هو الصراع بين الأديان،  يرجع ذلك،  إلى سوء الفهم واللبس، الناتج عن «عدم التمييز بين الحضارة والثقافة».

الإسلام والغرب

ينطلق حرب من قاعدة تفسيرية لبيان واقع العلاقة بين الإسلام والغرب، علاقة تتحكم فيها الثنائية المانوية، التي تقسم العالم إلى إيمان وكفر أو مدنية وبربرية أو.. وبهذا فإن العلاقة بينهما، هي علاقة تختزلها النظرة السلبية، التي تنظر إلى الآخر، باعتباره ضداً أو عدواً، أي «النظر إلى الإسلام بوصفه ضداً للغرب بالمطلق، هو كالتعامل مع الغرب بوصفه معادياً للإسلام بالمطلق»، هذه النظرة بقدر ما تعبّر عن الواقع الحقيقي، لكن بشكل تبسيطي وتضليلي، هي نظرة، في الوقت نفسه، تحجب العلاقات المعقدة والملتبسة بين الإسلام والغرب.
وعليه، فإن العلاقة بين الإسلام والغرب هي «علاقة تحدٍّ وصراع»، ويعود ذلك، حسب حرب، إلى سببين اثنين: الأول، استراتيجي، بحيث كان توسّع أحدهما جغرافياً على حساب الآخر، أمّا الثاني، فهو عقائدي، فالإسلام والمسيحية هما في الحقيقة «فرعان للأصل التوحيدي نفسه، يتنافسان على احتكار الإيمان، والمشروعية الدينية»، وكما هو معلوم، من أحداث التاريخ، فإن الخلاف بين الأشقاء هو الأكثر حدّة، والحروب بينهم هي أكثرها شراسة.
قد يكون النموذج التفسيري الذي يقدمه حرب هنا، مقدمة لإزالة اللبس الكامن في العلاقة بين الإسلام والغرب، ومدخلا مهمّاً لتصويب نظرتنا إلى الغرب، بالتالي، نظرته إلينا، مستغلين، في الوقت ذاته، تلك الأصوات الغربية المنشقة، والمعارضة لسياسية الغرب، ومشاريعه الإمبريالية، فالغرب، حسب حرب، «ليس عالماً مغلقاً لا انقسام فيه، ولا هو جبهة متراصة ضد الإسلام»، هذه الأصوات تحاول في كل مرة تصحيح نظرة الغربيين إلى الإسلام، باعتباره ديناً من الأديان، «قد يؤول ويترجم، على سبيل الإيجاب أو السلب، تسامحاً أو انغلاقاً، تعارفاً أو اقتتالا».

الترياق ضد الصدام

من خلال هذه القراءة الواعية والناقدة للذات والآخر، وهي قراءة، بالمناسبة، تحاول أن تكشف الوجه المستور للعلاقة بين الإسلام والغرب، متجاوزة الرؤية المانوية الاختزالية، إذ يقف كل طرف موقف مراجعة للذات، بمراجعة أفكاره، وإعادة النظر في ثوابته وخياراته، يعقبه مباشرة اعترافه بحاجته إلى الآخر، من ثمّ، يسعى كل منهما إلى تصحيح نظرته إلى نظيره المختلف، فلا يصبح الإسلام في نظر الغرب مصدراً للخوف، بقدر ما هو مصدر للثروة، ولا يغدو الغرب من وجهة نظر المسلمين دار حرب، تقاد ضده الغزوات، بل من يزوّده بآخر الاختراعات، ويوفّر له وسائل العيش، أو بتعبير حرب «لا يعود الإسلام مصدر الخطر والخوف، بل من يتهمه الغربيون بالإرهاب لتغطية عنفهم الرمزي، وإرهابهم العسكري»، كما أن الغرب، في المقابل «لا يعود هو الجحيم، بل من نقلده، ونحتاج إليه».
على ضوء هذه النتيجة، فإن مشكلة الغرب ليست الإسلام، كما أن مشكلة الإسلام ليست الغرب، كما يعتقد العديد من المفكرين والباحثين، ذلك أن المشكلة أعمق، إذ كل طرف يرى عجزه وخلله في الطرف الآخر، فالإسلام يكتشف ضعفه وعجزه من خلال تطور الغرب ورقيّه، في مقابل ذلك، يُذكِّر الإسلامُ الغربَ بقيمه، التي عمل على مرّ تاريخه على طمسها وهدمها، وكذا الغرب، على الرّغم من قوته وسطوته، غير أنه يعيش في خواء «المعنى»، الذي يجده في تعاليم الإسلام، كما أن هذا الأخير غالباً ما يذكر الغرب بماضيه الإجرامي، وباستغلاله لثروات شعوبه، وعليه فـ»إن الإسلام هو مشكلة الغرب مع نفسه، كما أن الغرب هو مشكلة الإسلام مع نفسه».
ولكي يكون النقد الذاتي ذا فاعلية، لا بدّ على المسلمين أن يتحولوا من وضعهم البائس إلى الوضع الخلاق، أو ما أطلق عليه حرب بـ«التحول الخلاق»، معنى ذلك ضرورة الانخراط في صنع الحضارة، والمشاركة في إنتاج الأفكار، وبذلك يغدون فاعلين لا مفعولا بهم.
إذن، معرفة الآخر المعرفة الحقيقية، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والنظرة الاستعلائية العنصرية، بالإضافة إلى تحديد المشكلة الحقيقية، والنقد الذاتي، من شأن ذلك كله أن يمهد الطريق أمام عالم يسوده التعايش لا الصدام، والتوافق لا التناحر، والود لا الخصومة.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية