احتفالاً بمرور نصف قرن على إنقاذ معبدي «أبو سمبل»: «العجيبة الثامنة»… الروح المصرية ومعجزاتها

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في اليوم الثاني والعشرين من شهري فبراير/شباط وأكتوبر/تشرين الأول من كل عام تشرق الشمس ويعبر نورها باب المعبد الكبير في أبي سنبل، ثم يمر في طريقه عبر بهو الأعمدة، حتى يصل هذا الضوء إلى قدس الأقداس، ليتعامد على وجه رمسيس الثاني فرعون مصر. هذه الظاهرة التي تثبت قدرات المصري القديم، ومدى تمكّن خياله الخصب من تحقيق الطقس الديني والخلود السياسي، وجعله بمثابة المعجزة. هذا المعبد الذي تم اكتشافه في عام 1817 من خلال المستكشف الإيطالي جيوفاني باتيستا بلزوني (1778 ــ 1823)، الذي تم إنقاذه من الغرق عام 1968.

لم تكن عملية إنقاذ المعبد أقل إعجازاً من نحته داخل الجبل، عملية الإنقاذ التي تمثلت في نقل المعبد بالكامل لمنطقة أخرى أكثر أمناً، والتي تكاتف العالم لإنقاذ هذا الأثر الذي يعد ملكاً للإنسانية. وبمناسبة نصف قرن على نقل المعبدين، وهي العملية المعروفة بـ«إنقاذ آثار النوبة» أقيمت احتفالية شهدتها قاعة سينما الهناجر في دار الأوبرا في القاهرة، حيث ألقى الباحث والمعماري حمدي السطوحي محاضرة عن مراحل وطرق إنقاذ هذا الأثر، إضافة إلى عرض فيلم وثائقي بعنوان «العجيبة الثامنة» يؤرخ لأجواء نقل المعبدين، بداية من مكانهما القديم، وصولاً إلى وجودهما الآن.

معبدا أبو سمبل

أقام رمسيس الثاني معبده داخل أحد جبال الجنوب، تخليداً لانتصاره على الحيثيين في موقعة قادش، حيث سجّل تفاصيل المعركة فوق جدران المعبد. أقيم المعبد حوالي عام 1250 قبل الميلاد. تتكون واجهة المعبد من أربعة تماثيل كبيرة تمثل الملك بارتفاع 20 متراً وبابا يفضى إلى حجرات طولها 180 قدما، كما توجد ستة تماثيل فى المدخل، أربعة منها لرمسيس الثاني واثنان لزوجته نفرتاري. نحتت كلها في الجبل، واستمر البناء كما يشير علماء التاريخ حوالي 20 عاماً كاملة. ينقسم المعبد إلى قسمين ــ معبدين ــ أولهما المعبد الكبير الذي خصص لعبادة إله الشمس، أما المعبد الصغير فقد أقامه الملك رمسيس الثاني تكريما لزوجته نفرتاري، وقد تزينت واجهة ذلك المعبد بستة تماثيل ضخمة، وقد جرى تكريس المعبد لعبادة الربة حتحور.

البحث عن معجزة

نتيجة تنفيذ مشروع السد العالي، وتجمّع المياة في بحيرة ناصر، أصبح الخطر يهدد آثار أبي سمبل، وقد أصبح محكوماً عليها بالغرق، نتيجة المياه التي أخذت في الارتفاع. ويذكر الباحث حمدي السطوحي أنه في أواخر عام 1958 فوجئ ثروت عكاشة ــ وزير الثقافة وقتها ــ بزيارة السفير الأمريكي بصحبة مدير متحف المتروبوليتان في نيويورك، الذي بادر عكاشة قائلاً: «جئت أشتري واحداً أو اثنين من معابد النوبة المحكوم عليها بالغرق بعد بناء السد العالي، وهنا اندهش عكاشة، وسارع بالقول معاتباً لهما: «كان جديراً بمتحف المتروبوليتان أن يبادر بالعون العلمي لإنقاذ هذا التراث الإنساني، بدلاً من التفكير في شرائه». بعدها تحرّك عكاشة وأرسلت مصر خطاباً لليونيسكو في عام 1959، ثم إعلان باريس الشهير لليونيسكو في مارس/آذار 1960 الذي دعت فيه العالم لمساندة مصر في إنقاذ التراث الإنساني من الغرق، وفي عام 1961 وجه الإيطالي فيتورينو فيرونيزي، المدير العام لمنظمة اليونيسكو آنذاك، بإطلاق حملة عالمية لإنقاذ المعبدين الشهيرين من الغرق في مياه النيل. يذكر أن التكلفة وصلت إلى حوالي 40 مليون دولار، دفعت مصر الثلث والشعب الأمريكي ــ لا الحكومة ــ الثلث، بينما كان الثلث الأخير تبرعات من شعوب عدة دول. كان الإشراف لمهندسين ألمان، وعدة شركات أوروبية، بينما كانت الأيدى العاملة مصرية بالكامل، وقد شارك ما يقارب من 2000 عامل ومهندس مصري.

حكت اللوحات الفترة المفقودة منذ آلاف السنين. ثم تحوّل الفيلم إلى عمليات تقطيع ونقل المعبدين فعلياً

عملية الإنقاذ

تم اقتراح عدد من البدائل المختلفة لعملية الإنقاذ الخاصة بمعبدي أبو سمبل.. أولها إقامة سد حول منطقة المعبدين لضمان عدم وصول مياة البحيرة إليهما، وكانت تكلفة هذه الفكرة، كانت مصر وقتها تستكمل مشروع السد العالي، كفيلة برفضها. أما البديل الثاني فكان الإبقاء على المعبدين وتركهما لتغمرهما المياه تماماً، وإقامة بانوراما زجاجية فوقهما يمكن مشاهدتهما عبرها، وتم رفض هذه الفكرة، لأن المعبد والجبل المنحوت فيه من الحجر الرملي، وبوجود المياه كان سينهار خلال سنوات قليلة. فما كان إلا عملية نقل المعبد، ولكن كيف؟ أشار البعض بأن يكون النقل قطعة واحدة، بطريقة هيدروليكية عبر 250 رافعة تتحرك معاً، وبالطبع كانت هناك احتمالية انهيار أي جزء عند حدوث أدنى خطأ. فكان اقتراح نقل المعبدين بعد تقطيعهما إلى أجزاء وإعادة تركيبهما في مكان آخر أكثر أمناً، وهي الفكرة التي تم الاتفاق عليها بعد شهور من دراستها.

عملية النقل

تمت عملية نقل المعبدين ــ وزن الأحجار التي تم نقلها من الجبل الأصلي تقريباً ثلث مليون طن، أما وزن أحجار المعبد فتساوي ربع مليون طن ــ من خلال أربع مراحل.. إقامة سد مؤقت لحماية المنطقة من مياة البحيرة التي يرتفع منسوبها مع الوقت، وبهذا السد تم اكتساب 13 شهراً إضافية. كذلك تغطية واجهة المعبدين بالرمال قبل البدء في تقطيع الجبل وإزالته، وهذا لضمان عدم انهيار العناصر المختلفة للمعبد من أعمدة وتماثيل نتيجة الاهتزازات. ثم البدء في تقطيع قطع المعبدين ونقلها، فتجميعها في المكان الجديد بعد تشكيل الحيز الذي يشغله المعبد عن طريق بلاطات خرسانية ضخمة، وأخيراً البدء في تنفيذ القبة الضخمة المشكّلة للجبل الاصطناعي.

المصريون

«إن هذه الأيدى العاملة النادرة نفسها التي بنت هذه المعابد ونحتت هذه التماثيل تعود اليوم مرّة ثانية لتعيد ترميمها وصيانتها، الوجوه السمراء نفسها والأيدي نفسها تقطع الحجر». (أحد خبراء الترميم الألمان). قام العمال المصريون، ومن خلال منشار يدوي ــ كان يُسمى باسم صاحبه ــ بتقطيع المعبد إلى خمسة آلاف قطعة، بلغ وزن الواحدة منها حوالى 250 ألف طن من الأحجار المكونة للمعبد، بخلاف ما يقارب 300 ألف طن من صخور الجبل التي سيعاد تركيبها فوق المعبد ليصبح في شكله الأساسي. فالمعبد أعيد تجميعه من الداخل ثم تركيب التماثيل بطريقة لا تعتمد على استخدام أي لواصق يمكن أن تظهر آثار القطع عبر تقنية التداخل. فالرأس مثلا صنع له مجرى خاص من الحجر يتم تعشيقه فيه عبر بروز حجري تم الاحتفاظ به أثناء التقطيع، بينما باقي الأحجار تم وضعها بترتيبها القديم نفسه ليكتمل بناء المعبد تماما كهيكل، وبقي فقط أن يتم احتواؤه في الجبل كما كان، وهنا ظهرت فكرة الاعتماد على بناء قبة خراسانية تغطي المعبد كاملا ليتم وضع أحجار الجبل فوقها، لإعطاء الشكل السابق ــ الشكل الأساسي للمعبد ــ مع ضمان حمايته من أي أحمال خارجية.

توثيق

فى أوائل الستينيات دعت وزارة الثقافة المصرية عدداً من المفكرين والمبدعين لزيارة أخيرة لمعبد أبو سمبل في موقعه الأصلي قبل نقله إلى مكانه الجديد لتجنب خطر مياه بحيرة ناصر التي تكونت خلف السد العالي في أسوان، كانت الرحلة عبر مركب في النيل من القاهرة إلى أسوان، والإقامة لمدة شهر لمعايشة تجربة بناء السد العالي، وتسجيل معالم قرى النوبة وفنونها الموسيقية وحكاياتها الفلكلورية قبل إغراقها وغيابها تحت مياه بحيرة السد إلى الأبد. وكان من ضمن هؤلاء الموسيقار عزيز الشوان والفنان حسين بيكار، فقام عزيز الشوان بتأليف قطعة موسيقية باسم «أبو سمبل» وهي عبارة عن ثماني صور سيمفونية، يستوحي كل منها جانباً من جوانب المعبد والتاريخ المرتبط به، إحدى الصور تشير إلى معركة قادش باتخاذ الموسيقى طابعاً حربياً، وصورة أخرى راقصة معبرة عن زواج رمسيس ونفرتاري. كذلك سيقوم بيكار وعلى مدار ثلاث سنوات بتوثيق وتسجيل تاريخ معبدي أبي سمبل في العصر القديم، ثم خطوات إنقاذه، من خلال 80 لوحة وآلاف الاسكتشات.

العجيبة الثامنة

عن فكرة لثروت عكاشة ــ تكليف بمعنى أدق ــ وسيناريو لجون فيني وحسين بيكار، وإخراج جون فيني جاء فيلم «العجيبة الثامنة» ليجسد عملية نقل المعبدين وإعادة البناء مرّة أخرى. كان أسلوب الفيلم يجمع بين اللوحات التي أعدّها بيكار ــ تخيلها ــ عن طريقة بناء المعبدين في عهد رمسيس، ومن هنا أصبحت كاميرا حول فيني تتجول عبر لوحات بيكار في إطار زمن الملك الإله، مع رابط التعليق الصوتي الذي يسرد الحكاية منذ بدايتها، انتصار الملك والتفكير في بناء المعبد، ثم تفكيره في بناء معبد آخر لزوجته، كذلك فكرة نحت المعبدين بالكامل داخل الجبل. استعرضت لوحات بيكار بيوت العمال والمهندسين، إضافة إلى طريقة العمل ومراحله. حكت اللوحات الفترة المفقودة منذ آلاف السنين. ثم تحوّل الفيلم إلى عمليات تقطيع ونقل المعبدين فعلياً، ويبدو أن العامل المصري لم يتغيّر، وقد تم تقطيع الأحجار يدوياً ــ من خلال منشار يدوي ــ فلم تدخل آلة إلى المعبد من الداخل مثلاً. هذا هو الخيط الوحيد والباقي بين الزمنين المتباعدين (العامل/المهندس) المصري. وبخلاف عشق المصري القديم للرمز والطقس المقدس، فرحلة الملك إلى قدس الأقداس في المعبد، ما هي إلا سعيه لمعرفة سر الحياة من الآلهة ــ هذا الحجرة التي يدخلها بمفرده ــ وما السر إلا ميعاد الفيضان (المياه/النيل) حياة الشعب، وما تعامد الشمس على وجه الملك في اليومين المحددين، إلا تواقيت لمواسم حصاد، بخلاف الفكرة السياحية الشائعة بأن تعامد الشمس يأتي في يومي ميلاد الملك وتتويجه على عرش مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية