لندن ـ ‘القدس العربي’ ـ من هيام حسان: أقر متحدثون ومشاركون في ندوة بلندن أن ‘النقاب’ بات يشكل معضلة يواجهها المسلمون في الغرب رغم عدم اتفاقهم على وجهة نظر واحدة تشخص واقع هذه المعضلة ومسبباتها التي برزت الى السطح خلال السنوات الأخيرة. وانقسم المشاركون في الندوة التي نظمتها مؤسسة ‘آوتريتش سوسيتي’ مساء الأربعاء في مجلس اللوردات في ويستمينستر ما بين مؤيد ومعارض لارتداء النقاب كما لم يتفقوا على تحديد ماهية الخلاف مع الغرب في شأنه ففيما فضل البعض اعتباره مسألة سياسية بحتة، نزع البعض الآخر الى وضعه في سياق صراع الأديان ليس الا. وافتتحت الندوة أعمالها بتوضيح من عالم الدين الشيعي الدكتور فضل الميلاني حول موقف الاسلام من النقاب فجزم بأن النصوص القرآنية توجب على المرأة ارتداء الحجاب أما النقاب فيرى البعض أنه ضرورة للمرأة اذا كانت تضع مساحيق تجميل على وجهها فيلزم عندها اخفاء زينتها بالنقاب. واستعرض د. الميلاني بعض محطات الجدل التي أثارها أمر ارتداء النقاب في دول الغرب وحتى في عدد من الدول العربية، مشدداً على أن أي جدل يجب أن يستند الى منطق الاسلام في فرض الحجاب على المرأة والذي يمكن تلخيصه بوجوب حجب المرأة زينتها عن العموم وعدم كشفها لغير المحارم. ورفض فكرة أن النقاب أو الحجاب تعد قضية سياسية متسائلاً: وماذا عندما لا ترتدي المرأة الغربية الحجاب، أيكون ذلك لأسباب دينية أم سياسية؟ وأومأ برأسه ايجاباً عندما رد بعض الحاضرين بتأييدهم السبب الديني. من جهتها دافعت الأكاديمية والناشطة الفلسطينية المعروفة غادة الكرمي في كلمتها في الندوة عن أن النقاب بات قضية سياسية يستخدمها الغرب وبعض أنظمة الحكم العربية لفرض سيطرتهم على الاسلام والنساء المسلمات من خلال اسباغ أيديولوجياتهم السياسية عليه دون وجه حق. وقالت ان فكرة تنقيب المرأة وتحجيبها هي قضية سياسية في الأساس أما الدين فأمر ثانوي في هذه المسألة، معربة عن اعتقادها بأن القرآن جاء على ذكر الحجاب في ثلاث آيات قرآنية لا غير ليس بينها نص واحد واضح يوجب على المرأة المسلمة بالعموم أن تلتزم بالحجاب، كما أن نوع هذا الحجاب والشروط الواجبة له لم يتم تفصيلها ما فتح الباب لتفسيرات واجتهادات متباينة. ولفتت الى أن البعض يخلط ما بين الدين والتقاليد، ففيما ترتدي النساء النقاب أو الحجاب في بعض المناطق لا يكون ذلك بالضرورة عائدا لأسباب دينية ولكن لأن العادات والتقاليد تستلزم ذلك. وفند الدكتور الميلاني اعتقادها بأن القرآن لا ينص بوضوح كامل على أمر وجوب ارتداء المسلمات للحجاب، وقال ان ما لم يتم النص عليه في القرآن أمكن استقاؤه من الأحاديث النبوية الشريفة التي تعد مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع الاسلامي الى جانب القرآن ولكن الأكاديمية التي تعمل في مركز الدراسات العربية والاسلامية في جامعة اكستر أصرت على أن القرآن هو المصدر الرئيسي للتشريع في الاسلام. وأعربت عن اعتقادها بأن بعض النساء المسلمات في دول الغرب ينزعن الى المبالغة في اظهار انتمائهن للاسلام من خلال تعمد ارتداء النقاب، مرجعة جانبا من الأسباب في ذلك الى ردة فعلهن تجاه العري الزائد والاستخدام المهين للمرأة في وسائل الاعلام الغربية، ولكنها شددت على أن أي محاولة لتمييز النفس عن المجموع ليست من الاسلام في شيء لأن الاسلام قام على أسس المساواة والاخاء. واختتمت بتأكيد وجهة نظرها حول الاستخدام السياسي لمسألة حجاب المرأة بالاشارة الى عدد من المكونات السياسية التي تلعب في الساحة الدولية في الوقت الراهن وبينها اسرائيل والصهيونية حيث يحاول كل مكون استخدام مسألة حجاب المرأة المسلمة على النحو الذي يخدم مصالحه. أما الاعلامية البريطانية التي تعمل في تلفزيون برس تي في الايراني التمويل ايفون ريدلي فقالت ان وجهة نظرها في خصوص الحجاب والنقاب تستند الى أساس نسوي، أما عمرها الاسلامي على حد تعبيرها فلا يتجاوز السنوات الست ولا يؤهلها للجدل في هذا الأمر مع أهل الاختصاص وغيرهم. وكانت ريدلي قد ارتدت الحجاب بعد أن عادت من أفغانستان حيث كانت تعمل كمراسلة حربية وتعرضت للاختطاف على يد عناصر طالبان هناك. وتعد حالياً من أبرز الوجوه الناشطة في الدفاع عن القضية الفلسطينية والمسائل التي تخص الاسلام والمسلمين في بريطانيا. واستناداً الى وجهة نظرها النسوية، أهابت ريدلي بالساسة الغربيين الذين أثاروا مسألة النقاب في السنوات الأخيرة أمثال وزير خارجية بريطانيا الأسبق جاك سترو والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بأن يبتعدوا عن خزانة ملابس النساء المسلمات ويحتفظوا بآرائهم لأنفسهم على حد تعبيرها. وقالت ان هؤلاء الساسة حري بهم أن يعالجوا مشاكل العنف الذي تتعرض له النساء في بلدانهم، حيث يفوق عدد من يقتلن على أيدي شركائهن في فرنسا مثلاً أعداد المنقبات في هذا البلد، معتبرة أن الأقلية من النساء اللواتي يقدمن على ارتداء النقاب في الغرب يفعلن ذلك رغبةً في التقرب من الله وأنه لا يجوز لأي شخص أن يقدم لهن النصح حول لباسهن ووسيلتهن للتقرب من الله. وفي ختام الندوة، بدا أن الحاضرين قد خرج كل منهم على الرأي الذي دخل به. وأشارت احدى المتداخلات قبيل انتهاء الندوة الى أن النقاش في مسائل النقاب والحجاب في الغرب لم يتغير منذ نحو عشرين عاماً عندما طردت وأختها من المدرسة بسبب ارتدائهما للحجاب، خاصةً بالذكر ما تعلق بالاعتقاد السائد أن من ترتدي النقاب تكون مرغمةً عليه من قبل شريكها أو أسرتها وأنها لا ترتديه عن قناعة نابعة منها.