■ في مشهد يمكن توقعه في إطار السلوك غير المتوقع للشعب المصري، زاد العزوف عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية لدرجة أربكت حسابات الكثير من الشخصيات التي دعمت وحشدت للمشير السيسي بكل الصور خلال الفترة الماضية. ووصل غياب الناخبين عن التوجه إلى اللجان الانتخابية إلى تداول مقاطع فيديو يحتفل فيها المشرفون داخل بعض اللجان بوصول ناخب إلى لجنتهم المنسية كحال غيرها من لجان المحروسة، ولم ينقص المشهد إلا المباخر وقراءة الفنجان والذهاب إلى الناخب في منزله. ورغم ان المتابع للحشد الإعلامي وخطاب السيسي والمؤيدين له كان يتصور وجود طوابير طويلة من الجماهير تمتد لساعات، كما حدث في العديد من الانتخابات التي تلت ثورة يناير/كانون الثاني، فان المواطن كان له رأي آخر، فغاب وترك التساؤلات والدهشة تسيطران على المشهد.
قد تظل النتيجة كما هي في محصلتها النهائية، فالتوقع هو فوز السيسي، ولكن ليس من المتصور ان تكون النتيجة كما أراد، فالانتخابات لم تشهد مشاركة الرقم الذي حدده في أحاديثه الأخيرة بشكل واضح وهو 40 مليون ناخب. فالسيسي الذي أرد ان تكون الانتخابات تفويضا آخر يضاف لسجل التفويضات التي حصل عليها، والتي تبدو جزءا أساسيا من تصوره الذي يغيب عنه البرنامج والالزام، ويحل محله التفويض والحشد، يجد نفسه في مواجهة غياب الجماهير والعزوف الذي حطم صورة التفويض الشعبي، بغض النظر عن تخريجات الإعلام المؤيد له، فالصورة أقوى من محاولات التجميل الدائرة.
وما سبق لا يعني بالضرورة اتفاق الجماهير على سبب محدد لعدم المشاركة، أو أن العزوف نتاج لدعوة طرف محدد في المشهد المصري، فهناك درجة كبيرة من التنوع بين الأسباب والرؤى التي أسفرت في النهاية عن تلك اللحظة، التي نحاول أن نقترب منها بدون القدرة على حصرها بشكل علمي نهائي. فهناك من يقاطع بشكل مقصود، سواء لرفضه فكرة الخروج عن الحاكم المنتخب وإسقاط رغبه الجماهير التي عبرت عنها الانتخابات السابقة على يوليو/تموز 2013، أو لقبول فكرة إسقاط مرسي بدون قبول المسار الذي شهدته الأحداث تاليا، بما فيها من بند واحد وهو محاربة الإرهاب، بدون القدرة على ضبط الأمن أو حماية رجال الجيش والشرطة أنفسهم من الاعتداءات المستمرة. وإلى جانب تلك المجموعة المقاطعة عمدا لكل ما حدث وما يحدث، فهناك المقاطع الذي لا يشعر بقيمة المشاركة، سواء لمعرفته بالنتيجة سلفا، خاصة في ظل كل ما يحيط المشهد من حديث مستمر عن السيسي بوصفه الرئيس القادم لا محالة، وهناك من يرى أن الانتخابات المعروفة سلفا قريبة من عهود ما قبل الثورة بما يرتبط بها من تساؤلات حول النزاهة والمصداقية، وهناك من يرى أن صوته لن يغير الأوضاع للأحسن ولن يعبر عن مصالحه في وطن قائم على العدالة بما يجعل الغياب مبررا في تلك الحالات.
إلى جانب هذا، هناك من يقاطع بشكل مستمر، من يغيب عن المشاركة قبل وبعد الثورة، أو من غاب عنها قبل الثورة وعاد إليها بعدها ثم قاطعها كرفض لما تطورت إليه الأوضاع.. تلك المجموعة التي يطلق عليها اسماء كثيرة في المشهد المصري، بما فيها تعبير حزب الكنبة الشهير – مع التحفظ عليه – تشارك في ما يحدث بقوة من خلال رفض المشاركة، وما دامت تلك المجموعة خارج المشهد المصري فهي تدين بشكل مباشر كل النظم السياسية السابقة والقائمة التي ستأتي ما دامت لا تعبر عنها. تلك المجموعة بمثابة معيار للحكم على أداء أي نظام وقدرته على جذبهم للمشاركة عندما يشعرون بان ما يحدث يخص حياتهم، ويؤثر فيها، وان مشاركتهم يمكن ان تغير الواقع.
وهناك مجموعة مقاطعة بحكم الصدمة، تلك الصدمة التي تعمقت مع حديث المرشح الأسطورة الذي تم بناء هالة ضخمة له وهو في مكانه خلف الستار، حيث الظهور القليل والحديث المحسوب، الذي جاء دوما في صورة بيانات صوتية، أو بيانات معدة سلفا. خروج المرشح الرئاسي من خلف الستار كشف الكثير عنه، كما كشف الكثير عمن قابله وتحدث معه. وكان من السهل مقارنة أحاديث نفس الوجوه في حضرته بأحاديثهم مع شخصيات أخرى في سياقات مختلفة وإظهار تناقضات تلك الشخصيات بما أضعف من صورة بعض مؤيديه.. تركت المساحة للسيسي ليقول ما يرغب فيه، ورغم حديثه عن الفلاتر التي تمنعه من الكلام أحيانا، وتجعله دقيقا في ما يقول، خرجت معظم اللقاءات في صورة مشوهة للبطل الأسطوري المرسوم، وأظهرت جوانب أخرى لتلك الشخصية. ورغم كل ما قيل عن إعداد اللقاءات والاسئلة بشكل مسبق، وان اللقاءات لم تكن مباشرة، وتجنبه المناظرة مع منافسه، فقد عبرت تلك اللقاءات عن شخصية متسلطة، ترى العالم برؤية واحدة، وتخلط ما هو سياسي بما هو ديني، في طريقة تجعل المسؤولية والمحاسبة قضية عامة لا يخضع لها بمفرده ولا يحاسب عليها. إلى جانب الكثير من التساؤلات حول الرؤى المطروحة وتماسكها من جانب، وقدرتها على مواجهة أزمات مصر بشكل فعلي من جانب آخر. وربما لم يرغب المواطن في الاستيقاظ الساعة الخامسة صباحا، ولم يجد ردا على حديث المشير المستفز انه ليس لديه شيء ليعطيه للمواطن فاختار المواطن ان يمنع ما يملكه وهو صوته..
وتضاف لكل ما سبق مجموعات أخرى قد يكون إحجامها نتاجا للظروف المحيطة أو الأوضاع الهيكلية الخاصة بالانتخابات، فهناك اعتبارات كالصحة، أو درجة حرارة الجو، أو موقع اللجنة الانتخابية.. وهي عوامل تأثيرها محتمل، ولكن لا يمكن لها أن تكون العوامل المحددة للمشاركة من عدمها عند الحديث عن المشاركة من عدمها لجموع الشعب المصري في لحظة مصيرية كما يتفق الجميع. ولكن ما تفعله الدولة الرسمية ووسائل الإعلام المؤيدة هو التركيز على تلك العوامل الأخيرة، لدرجة ان يأتي قرار لجنة الانتخابات بمد يوم إضافي على أساس ان اليوم الثاني – والأخير وفقا للوضع الطبيعي- شهد في نهايته مشاركة أكبر من الناخبين بعد انحسار موجة ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما برر لهم المد ليوم ثالث. بالطبع لم يحدثنا أحد عن النظم الديمقراطية وما تفعله في حالات البرودة والحرارة الشديدة، أو عندما تأتي المشاركة أقل من رؤية المرشح الأبرز، بالطبع ان وجد مرشح أبرز ووجد رقم محدد يرغب في الوصول إليه في النظم الديمقراطية، بما فيها اليابان والغرب الذي يعرفه السيسي ويشير إليه كثيرا، مستنكرا الشعب المصري مرات متعددة مباشرة وضمنية، ولكن لا أحد يقف أمامها كثيرا نتيجة لحسابات المرحلة.
وكما تساءل أحد اساتذة الجامعات المصرية، هل يمكن في نفس السياق الديمقراطي ان يتم منح الطالب ساعات إضافية بعد انتهاء وقت الامتحان للإجابة والحصول على الدرجة التي يرغب فيها، ومن هذا التعليق الساخر وغيره، نجد أنفسنا في مد على طريقة تحسين المجموع في الثانوية العامة، ليس لاستيعاب طوابير الناخبين، ولكن للبحث عن طرق لزيادة نسبة المشاركة. وعلى السيسي ان يحدث الغرب عن الديمقراطية المصرية وما يمكن أن تفعله من سلوكيات لا تستطيع تلك الديمقراطيات ان تقوم بها، رغم كل تلك السنوات الطويلة من الممارسة الديمقراطية فيها.
اربك الغياب حسابات الدولة، بما تمثله من تحالفات مؤيدة للسيسي وانتخابه على طريقة الحشد التفويضي الضخم، وتحول الاستعداد للعرس الديمقراطي والطوابير المليونية إلى صراخ ونحيب علني من الإعلام المؤيد. وتم استخدام الخطاب الديني والوطني بقوة في المشهد، فالمشاركة في الانتخابات في الخطاب الرسمي وطنية وجزء من الدين السليم. خطاب فشل في حشد الجماهير فتحول إلى نقيضه، حيث بدأ الهجوم على المواطنين واتهامهم في وطنيتهم ودينهم، مع استخدام عبارات أخرى تسقط السياق المجتمعي المتعلق بالنوع على المشاركة. ومع استمرار حالة الغياب رغم الاجازة التي تم منحها للشعب للمشاركة، بدأ استخدام العصا والجزرة، فمن لا يشارك مهدد بالنيابة العامة وتفعيل الغرامة التي لم يتم تفعليها في الانتخابات السابقة. كما بدأ الحديث عن هدايا في بعض اللجان في محافظات خارج القاهرة على طريق سحب العمرة والحج. مع استحضار الدين للمشهد وبقوة رغم كل الرفض والتنديد الذي شهدناه خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، فوجدنا أحاديث مباشرة تحث الناس على المشاركة، وميكروفونات مساجد تؤكد ان انتخاب السيسي هو الوسيلة للوقوف في وجه أمريكا ولا تعرف من يحدد دور المسجد هنا ولماذا تقبل تلك الممارسات الآن بعد ان رفضت لفترة طويلة إلا ان كان القبول والرفض انتقائيا.
سيأتى السيسي إلى كرسي الرئاسة وفقا للمؤشرات المتاحة، ولكن تلك الساعات التي شهدت غياب المواطنين عن اللجان وجهت أكبر صفعة للنظام القائم والقادم ولكل حاكم، كما وجهت رسالة لن تغادر الذاكرة، وهي ان محاولات خلق الفرعون في مرحلة ما بعد الثورة لها حدود، وان خطاب الاستعلاء لا يشتري القلوب. كما اثبتت ان الإعلام بالفعل سلاح مهم قادر على تركيز المشهد على صور الرقص والدعم واحتضان صور مرشح بعينه، ولكنه في اللحظة نفسها قادر على إخفاء أجزاء مهمة من الحقيقة لا تلبث أن تظهر للسطح كجبل الثلج. وسيكون على السيسي أن يدرك الرسالة، ويدرك الفقد الذي حدث في التأييد من يوليو حتى الآن وأسبابه، وأن يدرك ان المواطن فاعل وليس متلقيا، كما يتصور ويصور له من حوله.
أعاد الغياب بعض الرشد للمشهد وأثبت ان المواطن ليس رقما يحشد من أجل أحد، خاصة عندما لا يرى المواطن ما يخصه أو يخص الوطن في ما يحدث. وكما غير المواطن المشهد المصري يوما بخروجه، من شأنه أن يغير الكثير بصمته. وكما رددت اللجان أغنية «بشرة خير» بدون جماهير، ربما يكون الغياب بشرة خير للمستقبل.
٭كاتبة مصرية
عبير ياسين