■ مضت حرب أكتوبر/تشرين الأول 73 وانتهت نشوة الانتصار والاحتفال، وبقي الصراع السياسي بين العرب وإسرائيل محتدماً لسنوات، وتحتمت مراجعة الحسابات والتأكيد على الثوابت الوطنية كركيزة أساسية لحماية النصر، وتُرجمت دلالات الثوابت في المقاطعة الشعبية لدولة العدوان، ورفض العقل الجمعي للمثقفين المصريين والعرب لكل أشكال التعاون الثقافي والفني والدبلوماسي مع إسرائيل وأمريكا، وقد جاء عطف الأخيرة ودخولها حيز الأزمة من باب الرفض الشامل للدولة المعادية وكل حلفائها، لقطع الطريق أمام المهادنات ومحاولات التهدئة التي كانت قائمة، بعد انتهاء الحرب وتجرع الطرف المهزوم مرارة الهزيمة.
وبعد مرور الوقت وإبرام اتفاقية كامب ديفيد، حدث التصادم الشعبي بين الرئيس السادات والجموع العربية الرافضة للمصالحة، ما شكل أزمة حقيقية لا تزال آثارها باقية إلى الآن، فقد انشق الصف العربي، كما حدث تصدع شديد في العلاقة بين المثقف المصري والسُلطة، وكذلك انسحبت الأزمة الحادة على الوسط الثقافي فخلقت هوة بين المثقفين المؤيدين للاتفاقية، وكانوا حينئذ قلة والمثقفين الرافضين لها، وهؤلاء شكلوا الغالبية العظمى المؤثرة في الحركة الإبداعية والشارع السياسي، وبطبيعة الحال أصبح المؤيدون هم المقربين من السُلطة والسُلطان والرافضون هم أعداء الوطن، وظلت المعادلة على هذا التكوين الكيميائي السياسي فترات طويلة امتدت لما بعد موت السادات ومجيء مبارك إلى سدة الحُكم.
حركت السينما المصرية مشاعر الجماهير العربية مجدداً بأفلام مهمة اختلفت نسبياً عن الأفلام الحربية المرتبطة ارتباطاً مباشراً بحرب أكتوبر.
وفي هذه الأثناء نشطت الحركة الثقافية والإبداعية، وأسفر نشاطها عن أعمال فنية عُنيت بنقد مشروع السلام المصري الإسرائيلي الأمريكي وتعددت على وجه التحديد في المجال السينمائي أفلام الجاسوسية لتذكير الجماهير بتفاصـــيل العلاقة الضــــدية بين مصــــر وإسرائيل، في ضـــــوء حروب التخابر الباردة بين الطرفين المعاديين، فكانــت النماذج الشهيرة، «الصعود إلى الهاوية» و«إعدام ميت» و»بئر الخيانة»، ثم عززت الدراما التلفزيونية الاتجاه نفسه بمسلسلات ذات إنتاج ضخم مثل، «دموع في عيون وقحة» و»رأفت الهجان» و»التعلب» و»السقوط في بئر سبع» و»وادي فيران» وغيرها في تلميح إلى عدم انتهاء الحرب واستمرار مبدأ الرفض لكل ما سبق من اتفاقيات جــــرى عقدها وتوثيقها على غير رغبة الشعب المصري والشعوب العربية صاحبة القضية، وقد تم الربط بين قضية عدم الاعتراف بالمصالحة والقضايا السياسية العالقة، كالقضية الفلسطينية كمحور رئيسي محرك للأزمة ودافع للتمسك بالموقف السلبي تجاه كامب ديفــــيد والتطبيع الثقافي، كما لم تغفل الشعوب ولا النخب المثقفة قضية الجولان، كواحدة من القضايا المهمة في طور النقد السياسي للسكون والركود والإهمال، كحالات راهنة للوضع العام على الأصعدة المختلفة.
وفي الإطار نفسه حركت السينما المصرية مشاعر الجماهير العربية مجدداً بأفلام مهمة اختلفت نسبياً عن الأفلام الحربية المرتبطة ارتباطاً مباشراً بحرب أكتوبر، فطرحت موضوعات جادة ذات صلة بالصراع التاريخي، فجاءت التفاصيل متضمنة في أفلام كبرى مثل، «ناجي العلي» وهو إنتاج مصري عربي مشترك، و»كتيبة الإعدام» و»أحلام صغيرة» لصلاح السعدني وميرفت أمين، و»فتاة من إسرائيل» لمحمود ياسين ورغدة، و»القبطان» للمخرج سيد سعيد ومحمود عبد العزيز، و»صعيدي في الجامعة الأمريكية» لمحمد هنيدي، و»أصحاب ولا بيزنس» لمصطفى قمر، و»أولاد العم» لشريف منير ومنى زكي وكريم عبد العزيز، ويعد الأخير التجربة الأحدث في هذا الملف، حيث كانت هناك فترة غير قصيرة ابتعدت خلالها السينما المصرية عن القضايا السياسية وسادت فيها موجة الأفلام الكوميدية فحدث نوع من التخدير المؤقت للجمهور والسينما على حد سواء، ولكن سرعان ما كانت الصحوة لتعود قضية الصراع العربي الإسرائيلي مجدداً لتطفو على السطح كترجمة فنية وإبداعية للعلاقة الشائكة بين مصر وجارتها المقلقة، وهذا ما أوضحته السينما التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة في تجارب عديدة، ربما كانت أكثر صدقاً وأقل مراوغة والتباساً من السينما الروائية الطويلة التي أفقدها الحذر الكثير من دورها ووظيفتها في هذا المقام فباتت وديعة مستأنسة!
٭ كاتب مصري