رأس المال السينمائي يُشعل الحرب بين المهرجانات المصرية

عادة ما يُركز المُتابعون لفعاليات المهرجانات المصرية على النشاطات الفنية المُتضمنة، كعدد الأفلام المُشاركة وجنسياتها وأحداثها، كذلك يأخذ شكل حفل الافتتاح والمدعوين والمُكرمين والأماكن المُبهرة المُقامة فيها المراسم نصيباً وافراً من الاهتمام الإعلامي المُبالغ فيه، حيث يأتي كل ذلك على حساب العنصر الأهم وهو، مستقبل كل هذه المهرجانات مُجتمعة، دور المهرجان ووظيفته ودواعيه والرسالة الثقافية والمعرفية التي يؤكد عليها.
ويُضاف إلى هذه البنود المهمة بنداً رئيسياً يتمثل في الغطاء المالي والاقتصادي، الذي يضمن لأي مهرجان البقاء والاستمرار، سواء كان محلياً أو دولياً أو عالمياً، وبالطبع يأتي التمويل على رأس الأولويات في هذا الخصوص، وللتمويل وجهان، إما أن يكون تمويلاً حكومياً تدعم به الدولة المهرجانات الرسمية كمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أو مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية، وغالباً ما يكون الدعم لوجستياً، فالحكومة مُتمثلة في وزارة الثقافة لا تستطيع توفير ميزانيات ضخمة تكفي كل الاحتياجات، لكن يُمكنها تقديم خدمات ضرورية تُساهم في تقليل العبء المالي على الجهة المنظمة للمهرجان، كخدمات الإقامة والضيافة والنقل وبنود الترفيه اللازمة للوفود الزائرة، وهذا جزء لا يُستهان به من التكلفة. أما الدعم المالي المُباشر، فهذا يتوقف على اجتهاد رئيس المهرجان والهيئة الاستشارية المنوط بها حل الأزمات، أو على الأقل المشاركة في حلها، وتتمثل الاجتهادات في البحث عن رُعاة رسميين وطنيين مؤمنين بالفن والثقافة والإبداع كقوة حقيقية بإمكانها إحداث تغييرات حقيقية إيجابية في المشهد الثقافي، التي بدورها تنعكس على المجتمع فيصير أكثر استقراراً واستيعاباً للطاقات الإبداعية الشابة، التي هي درع الحماية الحقيقي للمجتمع في المستقبل القريب والبعيد.
ولا يعني مفهوم البحث عن راعٍ رسمي للمهرجان، أن يتم تسليمه لهذا الراعي والتفريط في ثوابته وهويته والعبث بمضمونه، بمعنى أن يتخلى رئيس المهرجان عن دوره ويترك دفة الإدارة للممول، بل أن يتم التعاون في سد ثغرات العجز المالي، وفق المصلحة العامة وليس المصلحة الشخصية، ولا مانع من أن يستفيد الراعي الرسمي من الجانب الدعائي لنشاطه الخاص أياً كان، تجارياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، فهذا مردود طبيعي ومكسب منطقي لأي مُستثمر.

لوغو مهرجان القاهرة السينمائي الدولي

لقد تحفظ الفنان حسين فهمي على مبدأ الدعم المالي لإنقاذ مهرجان القاهرة السينمائي، الذي يترأسه مُقابل السيطرة والهيمنة والتحكم في التفاصيل الفنية وغير الفنية كافة، لأنه رأى في ذلك عملية سافرة للبيع والتأجير وليس الدعم.
وعلى الرغم من سخاء العرض إلا أن الرفض كان قاطعاً مانعاً، ولم تتم الاستجابة للمُساومة والإغراء بأي شكل من الأشكال. وهذه مسؤولية تحملها النجم حسين فهمي بكل شجاعة، من دون أن تكون لديه بدائل فورية إبان رفضه لفكرة التمويل المقرونة بالاستغلال، بزعم توفير الميزانية الكافية لإقامة الدورة السادسة والأربعين المُقرر إقامتها في الفترة من 12 إلى 21 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل والمُشارك فيها 130 فيلماً من 50 دولة والمُتضمن فيها برنامج خاص بالأفلام المُرممة حديثاً والحاملة للشعار الإنساني من خلال رؤية فنيه تهتم بواقع الإنسان داخل الحكاية السينمائية.
وبالإشارة إلى المهرجانات الأخرى يُلاحظ بشكل لافت تفوق مهرجان الجونة، من حيث الشكل وحجم الدعاية وعدد النجوم والإمكانيات المُساعدة على النجاح، حيث جاءت دورته الثامنة مؤكده لاستقراره وقدرته على المنافسة القوية للمهرجانات المُقامة في المنطقة، لاسيما في ظل احتفائه بالنجوم العالميين ونجمات السينما المصرية والعربية، يسرا وإلهام شاهين وهالة صدقي ومنه شلبي والنجمة السورية لولا سوليا، التي خطفت الأنظار وهي تخطر بخطى واثقة على السجادة الحمراء بفستانها الكلاسيكي الأنيق. مهرجان أسوان لسينما المرأة أيضاً أحد المهرجانات الناجحة، التي تبلور أثرها السياحي في إحداث طفرة سياحية كبيرة، جراء حُسن التنظيم والتأني والتدقيق في اختيار الأفلام المناسبة والمُستهدفة لدعم قضايا المرأة، وهو المدعوم من وزارتي الثقافة والسياحة والمجلس القومي للمرأة، والمعني بإقامة ورش عمل للشباب لتدريبهم وتزويدهم بمهارات خاصة في مجال صناعة السينما.
هناك أيضاً مهرجان سينمائي حديث الانطلاق هو مهرجان بورسعيد السينمائي، الذي انطلقت دورته الأولى في سبتمبر/أيلول 2025 تحت شعار سينما تُضيء، وحملت اسم الفنان البورسعيدي الراحل محمود ياسين.
ولم تختلف رسالة ووظيفة المهرجان المذكور كثيراً عن مهرجان الإسماعيلية، فهو يهتم بعرض الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية والوثائقية، ويُقيم ورش عمل متخصصة وندوات للمناقشة والحوار شأنه شأن بقية الكرنفالات الأخرى.
وتبقى المهرجانات الرئيسية المعروفة كمهرجان المركز الكاثوليكي ومهرجان الإسكندرية ومهرجان جمعية الفيلم نشاطات مهمة، لكنها تفتقد أيضاً للدعم المالي، أو على الأقل الدعائي، ما يسبب نوعاً من القلق للقائمين عليها خوفاً من تراجعها وفقدانها لعناصر التأثير الجماهيري والثقافي تدريجياً ومن ثم موتها إكلينيكياً.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية