ذات صباح كان كل شيء على ما يُرام، البحر هادئ والشمس ساطعة والرمال كالحناء والأطفال هناك على الشاطئ يلعبون ويلهون في أمان واطمئنان، لا شيء يُعكر صفو الحياة في غزة، المدينة الباسلة بعد توقف الحرب واستتباب الأمن.
لم يتبق في الذاكرة بعد عامين من الصمود والمواجهة والاستشهاد غير صورة إنسانية تنضح بالحنين والشوق إلى تلك البيوت التي صارت حُطاماً، وألم يعتصر القلوب على فلذات الأكباد الذين غابوا عن المشهد وارتقوا إلى جنة الخُلد.
ترى هل تتوقف السينما الفلسطينية عن تسجيل اليوميات أم تُراها تمضي في استكمال ما بدأته منذ عامين، حيث اقتربت من الأحداث وتابعت عن كثب كل ما جرى في الحواري والأزقة والدروب، كشاهد عيان معني بالتوثيق وإثبات ما يُمكنها إثباته من صور البطولة والفداء للشباب والرجال والنساء والأطفال لتظل القضية حيه نابضة في القلب والوجدان، محفورة في ذاكرة الكون، بعيدة عن طور النسيان.
فيلم «الناجي الوحيد» نموذج مُختلف من سينما تبحث عن المخبوء وما خلفته الحرب من قصص وحكايات لم يُدركها المراقبون من الساسة والرؤساء، ولم يعلم بها غير أبناء غزة وحدهم الذين عاشوا وواجهوا وتألموا وفقدوا كل غال وعزيز، وما زالوا يصرون على الحياة لأن عليها ما يستحق التمسك بها، الأرض والتراب والدم والذكريات.
من نقطة قوية بدأ المخرج وكاتب السيناريو سعود مهنا الحكاية المروية على لسان الفتاة الصغيرة فاطمة التي ظلت تبحث عن زميلتها في المدرسة بين الخيام والركام في رحلة مضنية وشاقة، فهي تمتلك يقيناً قاطعاً بأن صديقتها وزميلتها وتؤم روحها لم تمت، نعم لم تمت فخيالها يزاولها وعباراتها تطن في أذنيها وضحكاتها تصدح في المكان مُعلنة الفرح، مُتحدية الموت.. نعم إنها تُحب الحياة.
تستمر فاطمة في البحث ولا تمل من السؤال والتقصي، ومحاولة الاستدلال على ما يُشير إلى وجود الصديقة، غير أنها تهتدي بعد عناء إلى مكان الأب المكلوم، ذلك الناجي الوحيد من الموت، نعم هو والد صديقتها تراه جالساً على شاطئ البحر مُستأنساً بأمواجه متأملاً فيه، حينها فقط تعرف أن صديقتها رحلت ولم يتبق منها غير رائحة العطر مُضخمة في عرق أبيها.
ويلتقي المُصابان، الأب أبو أحمد والفتاة الصغيرة، ابنة الخمسة عشر ربيعاً، يتناجيان ويجتران الأحزان تارة والأفراح تارة أخرى، فكلاهما يسعى للتخفيف عن الآخر، إذ لابد من تغيير نبرة اليأس والمُضي قُدماً نحو مُستقبل أفضل، فكرة يعتمد عليها سعود مهنا بشكل أساسي في تجاوز محنة الحرب ونسيان الآلام والأوجاع كي يتمكن المكويين بنار الفراق من استكمال المسيرة.
شيء من أدوات الإقناع بالمبدأ والفكرة يتوافر في الصورة السينمائية والحوار وخلفيات المشهد، البحر هنا يعتبر رمزاً قوياً لعدم ثبات الحالة المأسوية، فهو المُتجدد باستمرار، الهائج مرة والهادئ مرات، وهو الموحي بالبقاء والنقاء والاستمرار والتحدي، كما أنه باعث على الشاعرية والإبداع.
كذلك لم تخل صور المُخيمات من المعاني الدلالية، فمن يصمد أمام موجات الحر والبرد والرعد ويقوى على الحياة داخل مُخيم لا يُمكن أن يُهزم، طالما امتلك يقيناً بأنه لا محالة سيعود يوماً لبيته وأرضه ومتجره، آمناً مُطمئناً.
وعلى منوال الأمل والتفاؤل تُستكمل الحكاية في فيلم «الناجي الوحيد»، وتأخذ أبعاداً أكثر إنسانية وتأثيراً، فأبو أبو أحمد ليس هو الوحيد من فقد كل أفراد عائلته، بل هناك من يُشاطره الحُزن ويُماثله في حالة الفقد، إنها فاطمة أقرب الأقربين إلى قلبه، فقدت هي الأخرى كل ذويها، لذا باتت تركض في ثبات وجلد عن شبيهها في الحياة وأبو زميلتها وصديقتها، علها تستطيع إطفاء نيران الشوق بداخلها لأمها وأبيها وأشقائها وصديقاتها وجيرانها.
لم يُغلق المخرج وكاتب السيناريو سعود مهنا القوس على البطلين عند هذا الحد، لكنه استمر في تصدير الإيحاءات بأن القصة لم تنته بعد فخلف كل شهيد، شهيد، ووراء كل معنى، معنى آخر أكبر منه، ومع كل مشهد تستطلع الكاميرا حالة البحر، كأنها العين التي تراقبه لترى كيف أصبح وكيف أمسى، ومع كل لقطة إنسانية لفتاة أو طفل أو امرأة داخل المخيمات أو خارجها تتداعى المشاعر الفياضة باحترام صمود الغزاويين وتأييدهم، بل والانبهار بقدراتهم الفائقة على التحدي والثبات والتمسك بالأرض إلى حد الاستشهاد والفداء.
تلك هي معطيات الحالة السينمائية الوثائقية الاستثنائية، التي أراد المخرج إثباتها من خلال فيلم «الناجي الوحيد» عبر أداء الأبطال والمُمثلين الموهوبين، إياد دندن وفاطمة الحسومي وبيسان أبو هداف وأبو بكر أبو حليب وهالة إياد وإيمان زيدان وطافش شُراب وآخرين.
هؤلاء امتلكوا موهبة التجسيد وأمعنوا في التقمص والمعايشة، فصاروا مُقنعين بأدائهم الحيوي وإحساسهم المُفعم بالصدق إلى حد الإبهار.