المخرج الكبير محمد عبد العزيز، أحد المُبدعين الذين اتخذوا من الكوميديا إطاراً فنياً ساخراً لمُناقشة القضايا الاجتماعية المُتصلة اتصالاً مُباشراً بهموم المواطن المصري ومُشكلاته الحياتية.
مسيرة طويلة قطعها صاحب وجهة النظر في هذا الصدد، فهو الذي بدأ مُبكراً في عالم السينما، واعتبره النُقاد وصُناع السينما خليفة المخرج الراحل فطين عبد الوهاب للتشابه الواضح بينهما في توظيف الكوميديا كعنصر فاعل ضمن مكونات المشهد السينمائي التراجيدي، وهي قُدرة لم تتوافر للكثيرين ممن طرحوا رؤى إنسانية ذات صله بالهم العام والقضايا ذات الأبعاد المُختلفة.
بدأ المخرج الكبير مشواره الفني كمساعد في أفلام شهيرة كان من أهمها «القاهرة 30» و«أبي فوق الشجرة» و«ثرثرة فوق النيل»، بعدها شرع في تقديم أولى تجاربه في فيلم «صور ممنوعة» عام 1972، ثم توالت الأفكار والتجارب الكوميدية الخفيفة ذات المضامين الهادفة مثل «عالم عيال»، و«عيال وألف بوسة وبوسة».
كان لعادل الإمام نصيب وفير ومتميز من الأفلام التي أخرجها محمد عبد العزيز، ربما أبرزها فيلم «المحفظة معايا» و«البعض يذهب للمأذون مرتين» و«قاتل ماقتلش حد» و«خلي بالك من جيرانك» و«على باب الوزير».
وقد أضاف المخرج المعروف الكثير من المزايا لعادل إمام كممثل، أولها اتساع دائرة جماهيريته التي تزايدت بشكل ملحوظ في هذه الأثناء فجعلت من الفنان الكوميدي نجماً يُشار إليه بالبنان.
ولسينما محمد عبد العزيز خصوصية واضحة، إذ تركز أفلامه على الانحرافات الاجتماعية وتتبنى الأسلوب الساخر في مُعالجتها على نحو يُثير الإعجاب بالأداء الخفيف القادر على حل جُل المُشكلات بأبسط الطُرق، فالكوميديا عند عبد العزيز ليست مجرد تسلية ولا إفيهات للضحك والتندر والتنمر كما هو واقعها في الوقت الحالي، وإنما هي علاج يصلح للتداوي والتخلص من الأمراض الاجتماعية المُستعصية.
في فيلم «على باب الوزير»، استطاع المخرج الكبير لفت النظر بقوة للآثار السلبية التي خلفها الانفتاح الاقتصادي، حيث تراجعت قيمة العلم والفكر والثقافة بعد أن تم رفع شعار الفهلوة والمكسب السريع، وبمرور الوقت وضع الموظف الحكومي المُعين بشهادة عُليا أو متوسطة في مقارنة غير عادلة مع الطُفيليين والمُرتزقة، حيث صار المال والكسب السريع هما مقياس النجاح، ومن ثم هُزمت القيم والأخلاق أمام الشعارات المادية التي حولت كل الأشياء إلى أرقام حسابية وبنكنوت!
فخريج كلية الطب أصبح عاطلاً، بينما أصحاب المهن الأدنى صاروا مليونيرات ومن علية القوم، بعد التصنيف الاجتماعي الجديد الفاقد لكل المعايير الأساسية الدافعة للتحقق والترقي.
كذلك ألمح محمد عبد العزيز في فيلم «المعلمة سماح» بطولة مديحه كامل وعزت العلايلي إلى جشع التُجار وجبروتهم في ظل غياب الرقابة التموينية وتحرير الأسعار بالمُطلق، ما أدى إلى زيادة مُعدلات الانحراف والتلاعب وتفشي الجرائم وتعميم مبدأ النهب والسلب وضياع الحقوق الاجتماعية بالجُملة.
وعلى مستوى الدراما التلفزيونية، اعتمد محمد عبد العزيز على ذات التضمينات الداعمة لفكرة العدالة الاجتماعية والناقدة لكافة أشكال الخروج على القانون الوضعي والإنساني، فقد عمد المخرج إلى تبني رؤى مُختلفة للدفاع عن هذه القيمة، قيمة الدفاع عن حق الفرد والجماعة في حياة كريمة خاليه من الاستغلال، وهاجم في هذا السياق الطُرق والأساليب الملتوية للوصول للأهداف عن طريق التسلق وانتهاز الفرص واحتكار الموارد، وذلك من خلال مُسلسلات مثل «يوم عسل ويوم بصل» و«شجرة الأحلام» وغيرها.
كما اهتم بتوثيق حياة الفنان إسماعيل يسن في مسلسل «أبو ضحكة جنان»، باعتباره موهبة استثنائية شقت طريقها بصعوبة وصنع بنفسه نجاحاً منقطع النظير بمجهود شبه فردي وبعصامية قلما تتكرر بهذه الطريقة وتستمر بهذا الثبات.
وفي المسرح كان لمحمد عبد العزيز والد الفنان كريم عبد العزيز إسهام بارز في هذا المجال، فقد أخرج مسرحية «شارع محمد علي» بطولة فريد شوقي وشريهان والمُنتصر بالله، ومسرحية «عفرتو»، بطولة محمد هنيدي ومنى زكي وأحمد السقا وحسن حسني وماجدة زكي وهاني رمزي.
وبموجب هذا التنوع المهم في تجاربه الفنية المُعتبرة، ما بين السينما والمسرح والتلفزيون، استحق المخرج البالغ من العُمر 85 عاماً التكريم من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 46 المُقرر إقامتها في الفترة من 12 إلى 21 تشرين الثاني/نوفمبر المٌقبل.
وبالرغم من التأخر في هذه الخطوة إلا أن التكريم يُعد تداركاً محموداً لعملية التجاهل التي استمرت طويلاً بدون أسباب معلومة.