يراود الدارس للسردية الجزائرية سؤال تطور الرواية، إذ يروم الباحث الوقوف على مسار انتقال الرواية من مرحلة إلى أخرى، تأسيسا وتجريبا وتجديدا، والوقوف على هذه المراحل يوجّه الانتباه إلى مجمل الفعل السردي في حركته التاريخية، وهو المدخل إلى فحص شذرات الرواية الجزائرية المتشظية، عبر تاريخ كتابتها منذ أبوليوس مرورا برضا حوحو وصولا إلى بن هدوقة والطاهر وطار، ومن هذا المدخل يكون تناول رواية «غادة أم القرى» التي ظهرت في فترة تاريخية معيّنة، وتعبّر عن تطور معيّن في البناء الفني والجمالي لكن بمعطيات لحظة كتابتها.
اللعب خارج النص
الدفع بالسياق:
تحقق رواية «غادة أم القرى» على أقل تقدير المعادل النفسي للحرية، لكنّها، ونتيجة لخفّة اللغة ومباشرتها وأقدمية النص، فغالبا ما تكون هذه الرواية متهمة، لذلك تدفع بالسياق (الذي يعني لغة الدرء والردّ)، أي خارج النص أو الظروف المحيطة بزمن كتابتها، فالسياق عند هيو سلفرمان: «هو ما يرافق النص. والسياق أيضا خارج النص».
لغة الرواية بسيطة ومباشرة وتبشيرية، لهذا ما فتئ النقد يواجه هذه العناصر بأحكام جاهزة تتعامل مع سكونية النص، أي افتراض عدم ارتداده حاضرا في مسار الحركة النصية التاريخية، فالنص بطبيعته متحرك عندما يمتلك مستويات قادرة على أن تجعل القارئ يتحرّك داخله، وحركة نص «غادة أم القرى» تتجاوز الداخل لتحيل إلى الخارج كآلية دفاعية تثبت وجودية النص، وتفاعله مع التلقي في حدود عناصره وأدواته المحدّدة بزمن ومكان إنتاجيته النصية، بتعبير جوليا كرستيفا في إطار «اللعب ـ خارج نصي»، بمفهوم رولان بارث، الذي «هو نابع من العلاقة الخاصة التي يعقدها القارئ مع العمل الأدبي»، كموضوع أنتج ضمن سياق معين أو ما يسميه فان ديك أنحاء النص، «حيث ربط النص ببنيات خارجية.. تتجاوز الحد السكوني الذي تقف عنده البويطيقا، أو السّرديات إلى مقاربة دينامية النص»، ومنه تتأسّس «غادة أم القرى» قرائيا عند حدّي تاريخيتها من جهة، وتطوّر فن الرّواية من جهة أخرى.
يدل النص «على نمط خاص من القراءة»، كما يرى هيو سلفرمان، أي تفعيل النص داخل آفاق بديلة عن ارتباطاته المنطقية في أفق تلقيه الأولي.
اللحظة الفارقة
الرّواية المعبر:
يمكن اعتبار الرّواية مجال الدراسة وثيقة نظرا لتقادمها، فقد كتبت في الحجاز، ونشرت في تونس سنة 1947، وبالتالي تصبح عناصرها الفنية معيارية بالنسبة لتاريخيتها، وليس بالنسبة لعناصر الرواية، والوثائقية تقف عند المفهوم التاريخي، بعيدا عن المفهوم التصنيفي الذي يعزو ظهور الرواية الوثيقة «إلى ظروف نشرها»، حيث «إنّ أكبر الرّوايات التي ظهرت في القرن التاسع عشر كانت أولا روايات متسلسلة»، نشرت على صفحات الجرائد. تتحقق وثائقية هذه الرّواية أيضا قياسا إلى التطور الهائل الذي شهدته الرّواية الحداثية، فعنصرا التقادم وتطور فن الرّواية يجعلان منها وثيقة معبر بين أصول الانبثاق الإجناسي وتجليات التأسيس الفنّي والتجديد الرؤيوي، وتلك هي عناصر البحث في إبداعية السردية الجزائرية في جانبها الرّوائي، والإبداعية تتعلق في جانب من جوانبها بانوجادها التاريخي، أي قدرة النص على الحركة في التاريخ، وهو ما يميز النص الحاضر، حيث يتكرس كنص معبر بين لحظتين فارقتين في تاريخ الرّواية الوطنية، أولها اللحظة العلامة، أي اللحظة التي شهدت انخلاق النص الروائي الوطني، متمثلا في رواية «الحمار الذهبي» للكيوس أبوليوس، حيث يعتبرها أبو العيد دودو في ترجمته لها أول رواية إنسانية، وثانيها اللحظة الهوية، تلك التي شهدت ميلاد الرّواية الجزائرية بخصائصها الفنية والإبداعية الحديثة مع ظهور روايتي «ريح الجنوب» لعبد الحميد بن هدوقة و«اللاز» للطاهر وطار. تسهّل خطاطة المراحل هذه للباحث الوقوف عند مفهوم مراحل العلامة والمعبر والهوية، ولا يمكن للباحث في تطور الرواية الجزائرية أن ينتقل بين مراحل تشكلها بدون أن يجتاز معبر الوصل، باعتباره نقطة الارتكاز في تفتيش الماضي واستشراف المستقبل، ذلك أن الرواية رفيقة درب الإنسان، حيث تصاحب «الإنسان على الدوام بإخلاص منذ بداية الأزمنة الحديثة» كما يقول ميلان كونديرا.
وثائقية النص لا تعني تاريخيته بالمعنى الاصطلاحي، بقدر ما تروم تلقيه ككتلة سردية، خلال حركته في التاريخ وقراءة المعنى في المستويات اللفظية والتركيبية والدلالية.
التبشيرية الإيجابية
مأمول النص:
تبعا لتاريخية النص ووثائقيته فإن حفرياته تكشف عن مدى فاعليته في ظرفه الزماني ورمزيته المكانية، والوثائق تنطلق من تاريخية النص من حيث إنه شكل في لحظة معينة من الزمن، نواة لإرهاصات نص روائي، وبالتالي فوثائقية النص لا تعني تاريخيته بالمعنى الاصطلاحي، بقدر ما تروم تلقيه ككتلة سردية، خلال حركته في التاريخ وقراءة المعنى في المستويات اللفظية والتركيبية والدلالية، وصولا إلى النص/النضج، وبالتالي فإنّ مضمون ما يتسرب إلى التلقي يتحلّل إلى معطيات قابلة للتأويل طبقا لخطاطة النص العامة، ولوحداته السردية، فعنصر الحكاية في النص يعتمد على تبشيرية واضحة، إلا إنّها تنفلت من الأيديولوجي لترتبط بالشرط التاريخي المهيمن على وعي الكاتب، فالتبشيرية فنية تشتغل على مواجهة التقاليد المعيقة لحركة المجتمع، المتمثلة في إهمال العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة، أي انفقاد قيمة الحب، سواء كانت المرأة أما أو بنتا أو أختا أو حبيبة، فـ»حوحو يؤكد فقط على شيء غير مسمى، منسي، غير مفكر فيه، وإنّه أيضا سؤال المرأة الأساسي، الذي يبدو أنه لم ينل كل حظه من التحليل والمراجعة في المجتمع العربي الإسلامي»، كما يرى بختي بن عودة إلا أنّ الظرف التاريخي المؤطّر بالاستعمار يجعل القصدية ممكنة في مقابلة الكاتب بين مناهضة انحراف التقاليد ومناهضة الاستعمار، التقاليد المنحرفة التي تشكل اعتلالا سابقا للاستعمار، والتي شكلت له القابلية له بتعبير مالك بن نبي، وبالتالي وجب التخلص منه لأنه يصبح توعويا معادلا موضوعيا للحالة الاستعمارية في كينونتها المعيقة للحركة والتطور والحرية، ومن هذا المنطلق تقرأ التبشيرية ـ الفنّية ـ ضمن سياقها الاجتماعي والتاريخي كحالة فنية اقتضتها الضرورة السردية في اشتراطاتها النضالية والمقامة.
اللغة الرّجع/ المباشرة التوافقية:
يدل النص «على نمط خاص من القراءة»، كما يرى هيو سلفرمان، أي تفعيل النص داخل آفاق بديلة عن ارتباطاته المنطقية في أفق تلقيه الأولي. إنّ ربط النص بالظرف التاريخي يجعل منه حالة إبداعية تنتصر لوعي الكاتب بالمرحلة، وقراءة رضا حوحو خارج اشتراطات الإحساس بالهيمنة الاستعمارية، حيث تمثل «العبرة» آلية لتحريك مستويات السرد والحكي داخل النص، فالعبرة أو ما أسميه بالتبشيرية، الفنية عنصر من عناصر الكتابة الفنية لدى رضا حوحو، يبرَّر ذلك على أساس حداثة مسعى التجربة الروائية. يكشف نص حوحو عن ارتباطه بالقضية الوطنية من حيث إنّه يحاول نقل درجة الوعي بمأساة الاستعمار إلى الشرائح الشعبية الواسعة، التي كانت تعاني من الأمّية المطبقة، فالمباشرة تلعب دورا توافقيا بين عدم نضج الأداة الفنية ومقتضيات المرحلة التاريخية، ومنه فالعبرة تتطلب وسيطا تواصليا مباشرا:
يحقق سرعة التواصل مع الطبقات الشعبية الواسعة.
يوقظ الوعي الوطني.
يمتع من حيث اشتغاله على المحمولات الفنية.
ويدخل ضمن هذا المسعى المنهــــج الساخر في أدب رضا حوحو، إذ يحقــــق الصدمة من خلال استهزاء الذات بواقعها، وهو ما يقود إلى تصحيح الأوضاع.
تصبح اللغة المباشرة عند رضا حوحو في ربطها بالعامل التاريخي مكونا ارتجاعيا إلى عناصر ضمنية، تحيل إلى وعي الكتابة لدى الروائي بالمرحلة التي كان يعيشها متألما وآملا.
٭ كاتب مغربي