أربيل ـ «القدس العربي»: سحابة الغيوم التي تلبّدت بها سماء أربيل مع ما رافق ذلك من انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة لم يكن ذلك كافيا حتى يهدأ النقاش الذي هيمن على مواقع التواصل الاجتماعي، مع بدء افتتاح الدورة 13 لمعرض أربيل الدولي للكتاب يوم الأربعاء 10 أكتوبر/تشرين الأول، الذي يستمر لغاية 20 من هذا الشهر، بمشاركة واسعة لدور نشر عربية وعراقية وكردية وأجنبية، حسبما أشار إلى ذلك مدير المعرض إيهاب القيسي، وأضاف أن عدد دور النشر المشاركة وصل إلى أكثر من 300 دار نشر، وأن هنالك ما يزيد على 700 ألف عنوان وبنسبة تصل إلى 70٪ كانت من حصة دور نشر عربية.
سخونة الأجواء تصاعدت وتائرها عشية ليلة الافتتاح بعد أن اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات وردود أفعال متقاطعة اتسمت بالحدة إزاء الدعوة التي وجهت إلى الروائي المصري يوسف زيدان لحضور فعاليات المعرض، من قبل مؤسسة المدى الجهة المنظمة له، حيث انقسم العراقيون بين مؤيد ومرحب لدعوته، ورافض ومستهجن لها، وطالب عدد كبير منهم بمنع دخول زيدان إلى العراق، من بينهم مثقفون معروفون في الوسط الثقافي معبرين بذلك عن إدانتهم لمواقفه إزاء عدد من القضايا العربية، حسب وجهة نظرهم، في مقدمتها استعداده التام للذهاب إلى إسرائيل إذا ما وجهت له الدعوة لزيارتها، وإلقاء محاضرات في جامعاتها، إضافة إلى إنكاره لعروبة القدس، ونفيه وجود المسجد الأقصى في فلسطين، ووصفه للقائد صلاح الدين الأيوبي بانه الأشد حقارة في التاريخ، حسبما جاء على لسانه في حوار تلفزيوني، سبق أن أجري معه على شاشة إحدى القنوات الفضائية المصرية. مقابل ذلك أبدى آخرون ترحيبهم الحار بهذه الزيارة لمدينة أربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق، كما وجهوا له دعوات مفتوحة لزيارة عدد من الأماكن الثقافية والتاريخية والدينية الشهيرة في بغداد والنجف وكربلاء.
وفي هذا السياق أبدى وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي ترحيبه بالكاتب يوسف زيدان، إذا ما حط على أرض بغداد، بعد الإشكال الذي وقع فيه، والمتعلق بموضوع تأشيرة الدخول حال وصوله مطار القاهرة ليلة يوم الاثنين الماضي، بسبب حصوله على التأشيرة من إقليم كردستان العراق وليس من بغداد، ما اضطره ذلك إلى العودة وعدم السفر حتى لا يتسبب في حدوث حساسية بين أربيل وبغداد، حسبما كتبه زيدان من توضيح على صفحته في موقع الفيسبوك، إلا أن سفير العراق في مصر عالج الموقف ومنحه التأشيرة على وجه السرعة صباح اليوم التالي ليحط في مطار أربيل ليلة افتتاح المعرض مساء يوم الثلاثاء.
على ما يبدو فإن هذا الانقسام الذي بدا واضحا في موقف شريحة واسعة من المثقفين على مواقع التواصل الاجتماعي، يعكس بشكل جلي حقيقة المشهد العراقي بما يحمله من صراع فكري محتدم وانقسام حاد ازاء جملة من القضايا العربية في مقدمتها الموقف من فلسطين والاحتلال الاسرائيلي وصولا إلى محطات من التاريخ العربي والإسلامي، ويأتي هذا الانقسام الحاد نتيجة للأوضاع السياسية التي يعيشها العراق منذ التاسع من أبريل/نيسان عام 2003 عندما أُسقِطَ النظام السياسي الذي كان يقوده حزب البعث من قبل قوات التحالف الدولية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وما نتج عن هذا الحدث الزلــزال من تداعيات وارتدادات عنيفة ما زالت تعصف بالمجتمع العراقي إلى زمن مجهول، بما في ذلك بنيته الثقافية التي تصــــدعت أركانها، وباتت اليوم على أعتاب مرحلة جديدة بعد أن اتسمت ملامحها بعدم الوضوح، خاصة في ما يتعلق بتحديد هــــوية العراق القومــــية بفعل تعويم وترسيخ مفهوم دولة المكونات في مـــتن الدستور، الذي تمت المصادقة عليه في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005.
واضح جدا أن إدارة المعرض قد تعاملت بدهاء من الناحية التسويقية وعرفت كيف تروج له دعائيا قبل انعقاده بيومين من خلال دعوة الكاتب المثير للجدل يوسف زيدان الذي بات هذه الأيام نجما في الفضاء الإعلامي لا تتوانى القنوات الفضائية لاستضافته لتحقيق نسب عالية من المشاهدة في البرامج التي يظهر فيها، وزيدان نفسه في سياق ظهوره في تلك البرامج حرص على اتّباع استراتيجية قائمة على إطلاق أحكام صادمة للوعي الجمعي، يتعرض فيها بالنقد لشخصيات ومراحل تاريخية إلى حد تهشيم صورتها النمطية في الثقافة العامة، متجاهلا بذلك ما تحظى به من احترام وتقدير كبيرين في المحيط العربي والإسلامي، بذلك تكون إدارة معرض أربيل للكتاب قد نجحت في خطتها الإعلامية وحققت ما كانت تصبو إليه من دعاية ستزيد على الأرجح من أعداد الذين ينوون زيارته.
من جانب آخر وضعت إدارة معرض أربيل منهاجا ثقافيا حافلا يقام صباحا ومساء على هامش المعرض يتضمن ندوات ثقافية وفكرية وأمسيات فنية وعروض أفلام سينمائية طيلة أيام المعرض، مثلما اعتادت أن تقيمه في الدورات السابقة، حيث ستتم استضافة عدد من الكتاب العراقيين لتوقيع إصداراتهم الجديدة، ليكونوا على موعد مع الجمهور في جلسات مباشرة، منهم على سبيل المثال :الكاتب والأكاديمي في مجال الفلسفة علي مرهج، القاص لؤي حمزة عباس، الشاعر موفق محمد، الباحث في الشأن السياسي يحيى الكبيسي، رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، الشاعر إبراهيم البهرزي، الباحث في شأن علم النفس السياسي فارس كمال نظمي، إضافة إلى قائمة طويلة من الشعراء والأدباء والسياسيين.
إن استمرار إقامة المعرض يشير إلى عدم قدرة الكتاب الإلكتروني حتى هذه الساعة على إلحاق الهزيمة بالكتاب الورقي، رغم هيمنة الأجهزة الرقمية وما توفره من إمكانات هائلة للمستخدمين، سواء ما يتعلق بعدد الكتب التي يمكن تخزينها في ذاكرتها، أو في سهولة الحصول على أحدث الإصدارات، سواء بشرائها عبر الإنترنت أو عن طريق مواقع القرصنة، وهذا يعني أن مسألة هزيمة الكتب الورقية لم يحن أوانها بعد، وربما ستطول إلى أجل غير مسمى رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بالأوضاع الاقتصادية غير المستقرة التي تعيشها البلاد.
مجموعة مؤسسة المدى للنشر والتوزيع التي تتولى تنظيم المعرض كانت قد تأسست في العاصمة السورية دمشق عام 1994، وتمتلك اليوم فروعا لها في بيروت وبغداد، إضافة إلى دمشق، وخلال الأعوام الماضية بعد أن انتقل مقرها الرئيس إلى العاصمة العراقية بغداد توسع نشاطها كثيرا ولم يعد مقتصرا على ميدان النشر والصحافة والأنشطة الثقافة، إذ امتد أيضا إلى مجال البث الإذاعي والتلفزيوني والميديا والاتصالات وشركات النقل السياحي، وهذه تعود ملكيتها وإدارتها إلى الكاتب والصحافي الكردي فخري كريم زنكنة، وهو عضو سابق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، كما سبق أن عمل مستشارا للزعيم الكردي الراحل جلال طالباني أثناء توليه رئاسة الجمهورية العراقية بين عامي 2006 – 2014 .