ثمة مشهد يتكرر في عالم الثقافة، كما لو أنه مصير لا فكاك منه. مشهد يبدأ بالتحصيل وينتهي بالعزلة. نرى الشاعر أو الفنان أو الأكاديمي، وقد أمضى سنواته في البحث، يحفر في النصوص ويلاحق الفكرة كما يلاحق صياد أثر غزال في ضباب كثيف، حتى إذا ما نال شهادة الدكتوراه، تلك الورقة التي كان يظنها تاج المعرفة، انطفأت جذوة التواصل فيه. ينكمش داخل قوقعته، ويغلق الباب على العالم الذي كان يوما مصدر إلهامه ومراياه. لا يعود يرى في الأصدقاء سوى ظلال لماضٍ لم يعد جديرا بالالتفات إليه. إنها لحظة التحوّل من الشغف إلى الغرور، من الرغبة في المعرفة إلى وهم الاكتمال. حين يضع الأكاديمي لقبه أمام اسمه، يشعر بأنه بلغ «النهاية السعيدة» للرحلة، بينما الحقيقة أن الرحلة الحقيقية تبدأ من هنا: من لحظة الشك بعد الإنجاز، من مواجهة الصمت بعد التصفيق. لكنّ معظم هؤلاء لا يحتملون ذلك الصمت. فيسحبون أنفسهم إلى عوالم مغلقة، محصنة بالمكانة واللقب واللغة الأكاديمية الثقيلة التي تقتل الشعر والفضول معا.
وكأنهم حراس المعبد
هؤلاء الذين كانوا يجلسون في المقاهي الصغيرة يناقشون القصيدة كما يناقشون حلما جماعيا، صاروا اليوم يختبئون وراء جدران المكاتب، يكتبون دراسات جافة عن الشعر، ويهملون القصيدة الحية التي تنبض خارج جدرانهم. تحوّلت الشهادة إلى جدار، إلى حاجز بين الإنسان والعالم، بين الفكر والحياة. لم تعد وسيلة للتعمق، بل صارت درعا ضد الاختلاط، ضد احتمال الفوضى التي تخلق الفن وتغذّي الخيال.
إن انقطاع هؤلاء عن الآخرين لا يعود إلى كراهية خالصة، بل إلى شعور متزايد بأنهم لم يعودوا يُرون كما يستحقون. إنهم يعيشون في قلق المقارنة. يريدون أن يُعاملوا باعتبارهم «رموزاً» لا «أصدقاء». لقد أفسدتهم سلطة اللقب. واللقب، كما يقول نيتشه، أحد أخطر أوهام الثقافة، لأنه يمنح صاحبه وهم السيطرة على المعنى، بينما المعنى لا يُروض.
وهنا تكمن المفارقة: أن هؤلاء الأدباء والفنانين الذين أمضوا حياتهم في دراسة الإبداع، فقدوا الحس الإبداعي ذاته. صاروا يحاكمون التجارب من علٍ، كأنهم حراس المعبد. بينما الفن لا يحتمل الحراسة، إنه يعيش بالخطأ، بالالتباس، بالدهشة التي لا تحتاج إلى موافقة أحد. ما إن يقطعوا صلتهم بالناس حتى تفقد لغتهم دفئها. يصير الكلام مصقولا أكثر مما ينبغي، بارداً كهواء القاعات الجامعية.
النسيان لا يخشى المكانة
في الماضي، كانت الصداقة بين الأدباء جزءا من حياتهم الفنية. كانت الحوارات تمتد حتى الفجر، والاختلاف يثمر نصوصا جديدة. أما اليوم، فقد صار بعضهم يرى في اللقاء تضييعا للوقت، وفي النقاش استنزافا غير مثمر. يفضّلون الحديث إلى أنفسهم في المؤتمرات، حيث يصفق لهم جمهور مؤقت، ثم ينسحبون إلى العزلة مرة أخرى، مطمئنين إلى أن المكانة الاجتماعية تحميهم من النسيان. لكن النسيان لا يخشى المكانة، إنه يأتي من الداخل، حين يفرغ الفكر من فضوله، ويخبو السؤال الذي كان يوقظهم ليلاً.
الفنان الذي ينعزل بعد الدكتوراه لا يدرك أنه يقتل في داخله جوهر الفن ذاته: المشاركة. الفن، في عمقه، فعل تعاطف. لا يولد من فوق، بل من احتكاك الأرواح، من فوضى العلاقات الإنسانية. حين تنقطع عن الآخرين، تفقد المرآة التي ترى فيها ذاتك الحقيقية. ويبدأ وهم المعرفة المطلقة في التسلل، حتى تغدو الأسئلة الصغيرة، تلك التي تصنع الشعر، بلا معنى في نظره.
وهكذا يصبح الحوار معه مستحيلا. يكتب عن «الآخر» بضمير الغائب، كما لو أن الآخر مفهوم لغوي لا إنسانا من لحم ودم. يدرس «الهوية» في نظريات ما بعد الحداثة، لكنه لا يكلّف نفسه أن يجلس إلى شخص مجهول الهوية في مقهى شعبي ليسمع حكايته. يكتب عن «الجمال» من خلف شاشة، ويخاف لمس الطين الذي يصنع منه النحات تمثاله. هذه الفجوة بين النظرية والحياة هي ما يصنع هذا النوع من العزلة الأكاديمية التي تلتهم الروح. ليس في الأمر مجرد خيانة للصداقات القديمة، بل خيانة لروح البحث نفسها. فالمعرفة لا تتضخم إلا بالحوار، ولا تنضج إلا بالاختلاف. وما لم يجرؤ صاحبها على الخروج من محيطه، سيبقى أسير ذاته، يكرر أفكاره كما يكرر العابد تعاويذه، من دون أن يشعر بأن العبادة تحولت إلى عادة.
الطريف أن بعض هؤلاء يبررون انعزالهم بعبارات مثل: «لم أعد أجد من يضيف إليّ»، كأن المعرفة فعل تلقٍ فقط، لا فعل تفاعل، بينما الإضافة لا تأتي من معلومة جديدة، بل من نظرة غير متوقعة، من جملة عابرة، من حوار عادي يوقظ شيئا نائما في الداخل. إن الذي لا يرى قيمة في العادي، لا يمكنه أن يفهم جوهر الجمال، لأن الجمال لا يعيش في الاستثنائي، بل في التفاصيل المنسية.
طبقة النبلاء الثقافيين ـ الهوية المغلقة
لقد صنعت الشهادات الأكاديمية في ثقافتنا الحديثة طبقة جديدة من «النبلاء الثقافيين»، يظنون أن قربهم من المؤسسة يمنحهم الحق في احتكار الوعي. وهذا ما يجعل الأدب والفن يفقدان جزءا من عفويتهما، إذ يتحول الإبداع إلى سلطة، والبحث إلى هوية مغلقة. الأكاديمي الذي ينسحب من الحياة بعد الدكتوراه يشبه رساما توقف عن الرسم، بعد أن أتمّ لوحة واحدة ظنها الكمال. لكن الكمال في الفن، كما في المعرفة، هو الموت. في العمق، ما يخشاه هؤلاء ليس الناس، بل هشاشتهم أمام الناس. إنهم يخافون أن تُرى ثقافتهم من دون الألقاب، أن تُختبر إنسانيتهم بلا مرجعيات نظرية. لذلك، يختارون الانسحاب، وكأنهم يحمون أنفسهم من انكشاف مؤلم. لكن هذا الانسحاب لا يحميهم، بل يعزلهم عن الحياة التي كانت تمنحهم مادة التفكير نفسها.
قد يبدو هذا الموقف نجاحا اجتماعيا، لكنه في جوهره فشل وجودي. لأن المعرفة التي لا تعيدك إلى الناس، إلى الأسئلة التي خرجت منها، تتحول إلى معرفة عاقر. وما أشد الفرق بين من يرى في الدكتوراه نهاية الطريق، ومن يراها مجرد بداية أخرى، طريقا للعودة لا للانفصال.
العزلة لا تثمر تأملا
من السهل أن يُكتب اسمك مسبوقا بلقب أكاديمي، لكن الأصعب أن تظل قادرا على الإصغاء إلى همس العالم. أن تظل مفتوحا على الدهشة. أن تعرف أن الإنسان أهم من النص، وأن القصيدة أكبر من المنهج، وأن التواضع هو الشرط الأول للحكمة.
في النهاية، لا أحد يُخلّد لأنه كتب بحثا، بل لأن فكره بقي حيا في الآخرين. هؤلاء الذين يختارون الانعزال بعد الدكتوراه ينسون أن المعرفة لا تعني شيئا إذا لم تُشارك، وأن الفن يفقد معناه حين يتحول إلى مرآة مغلقة. فالعزلة التي لا تثمر تأملا، تتحول إلى صمت عقيم.
إنهم يشبهون من وصل إلى القمة ونسِي أن يتنفس. بينما السر الحقيقي في البقاء ليس في الارتفاع، بل في التواصل. في تلك اللحظة التي يمد فيها المفكر يده إلى الآخر، ويقول: ما زلت أتعلم منك. عندها فقط، يصبح اللقب مجرد تفصيل، وتستعيد المعرفة إنسانيتها. فليس ثمة دكتوراه في الفضول، ولا شهادة في المحبة، لكن بهما فقط يكتمل العقل، ويظل الفن حيا.