إننا أمام حراك ثقافي تتبناه ثلة من الأساتذة المثقفين، الذين يحاولون الخروج من قالب قار وثابت ومحدد في مناهج التعليم الجامعي، وهذا الحراك لم نجده ينشط في الجامعات العراقية وحسب، بل يتعداها أو قد سبقتها الجامعات العربية، التي تحتضن كوادر تدريسية مبدعة، همها الوحيد تخطي الركود والكساد والإهمال والتهميش، إلى فضاء الثقافة الرحب.
والآن ماذا نعني بإشكالية العلاقة بين المبدعين خارج الجامعة وأساتذة الجامعة من المختصين بتدريس الأدب.. كيف نفهمها ونتصورها ببعدها الإنساني والفكري والتعليمي؟ فنحن ندرك أن النخب الأكاديمية مرتبطة بالمفهوم المؤسساتي، وأي مساس بهذا النظام يعد خرقا لتطبيقات القواعد الأساسية لهيكليته المنهجية في التربية والتعليم، ومن هنا نفهم، أن النظام الوظيفي يختلف جذريا عن المقومات الفنية للإبداع، ففي النظام الوظيفي، مهنة تؤدي رسالتها وفق الضوابط واللوائح المعمول بها في سياق الدرس، بينما الإبداع عملية معقدة من الصعب إيجاد تعريف متفق عليه، فهو عالم قائم بذاته، وأقرب تفسير له في اعتقادي هو الذي أطلقه بارتليت: بأنه التفكير المغامر الذي يتميز بالتخلص من القوالب المصاغة والإقبال على التجربة وإتاحة الفرصة للشيء، لكي يؤدي إلى غيره .
وما زال الحال هكذا، فمن حقنا أن نعيد صياغة السؤال بالشكل التالي: إلى أي مدى يمكن الاستفادة من المبادرات الفردية الجادة في توسيع مفهوم «الدرس الأدبي» والخروج من عالم الرتابة إلى الدهشة والمتعة والعلم في آن، وكسر حاجز النمطية في الإلقاء والتلقي؟ وفي هذا الصدد انقل بعض آراء المعنيين في هذا الشأن :
يقول الناقد المغربي سعيد يقطين، إن اهتمامي بالبحث الأدبي نتيجة غياب البحث العلمي المواكب للتيارات الفكرية، فحينما ظهرت أواخر السبعينيات البنيوية التكوينية، تبين لي أن الوعي بتصور الأدب عند غولدمان كان ناقصا، فالذين اشتغلوا بآرائه لم يكونوا مطلعين على كتبه، فكنت أحرص على توزيع الكتب بين طلابي في الدراسات، وأناقش معهم ما لمسته، من دون أن أتدخل في ما يتوصلون إليه .
وقال الناقد عبدالله الغذامي، الذي يعد من أوائل المشتغلين على مصطلح الحداثة في عالمنا العربي: أشعر بالحرج عند سماعي أن بعض المدرسين في قسمنا لا يهمهم من النقد إلا النحو والصرف والبلاغة، وإذا أهدي لهم كتابا أدبيا أهم شيء يشغلهم فيه، هو البحث عن حروف الجر وكان وأخواتها والفعل والفاعل وأدوات الجزم والنصب وأداة الشرط في النص، طيب ماذا بقي للطالب الذي أتى ليستنير بعلوم أستاذه؟
كما يمكننا ان نستشهد في هذا الباب بما قاله الناقد الأردني إبراهيم خليل، فالذي يتابع هذا الناقد يجد أنه مثابر في نقل المصطلحات الأكاديمية من الجفاف إلى مقاربات متداولة وسهلة الفهم، يقول، ما لفت نظري في جماليات المكان لباشلار ترجمة غالب هلسا، أن فلسفة تأويل المكان غربيا مختلف جدا عن طبيعة المكان العربي، وحرصت على أن يحمل هذا الإشكال إن كان عيبا في الترجمة، أو مرده القصور في القراءة ليكون طلابي حكما لما أظن.
ومن ذلك نستشف أن هذه المبادرات فردية، لا دخل للنظام فيها، وغير متحكمة بآلية المدرس عندما يسعى لتحقيق غاية ما في بلوغ لحظة المتعة وإسعاد الطلاب من خلال الحوار والمناقشة. فإذن النشاطات والفعاليات هي رهن المثابرة والاجتهاد الفكري والعلمي، ومساهمة مشرقة في استيعاب التجارب الإبداعية، وأن التماس معها إغناء وإثراء معرفي يفتح أمام الطالب آفاقا لا حصر لها في ميادين الإبداع. فالإشكال الحقيقي يبدأ إذن من هذا الاختلاف أي أن موضوع المبادرات التي لم تأخذ استحقاقها الفعلي والتداولي، سواء بين الطروحات النقدية التي تلقى رواجا في كتابات النقاد، وتعد مرجعا للتحليل والتفسير والتأويل، على الرغم من ضعف بعضها أو عدم تكامل الصورة نضوجا وفكرا على الساحة البحثية، ولكن يأخذ هذا الالتباس كما حصل في الاقتباس والتناص، وغيرها من المصطلحات الغامضة التي لم يتصد لها أحد وبقيت تلعب بها الأهواء وكيفما تشاء، صحيح لا توجد لدينا في العالم العربي جامعة واحدة تكون مرجعا مهما كالسوربون وكامبريدج وأوكسفورد وكولومبيا وغيرها، ولكن من حق المدرس أن يلعب دورا مهما في أن يخفف من وطأة هذا الفراغ ويقلص الفجوة، وهذا ليس بالأمر الصعب لو تكرست لهذه المهمة ورشات عمل بحثية تلتقط ما هو خارج الجامعة من مناهج ومفاهيم وأدب وتقترح ما تشاء منها للتداول والتحليل. وحسب اعتقادي هناك بعض العوامل أيضا التي كان لها نصيب حقيقي من هذا الإشكال وهي :
1 – غياب الأطاريح الجامعية واختفاؤها عن الجمهور، وبذلك تصبح كالمنشور السري الذي لا يمكن تداوله إلا بين أصحاب التنظيم فهي لا تخرج عن أروقة الجامعة، وهذا ما يحرم شريحة واسعة من المثقفين الاطلاع عليها، أو الكتابة عنها، وبدلا من أن تكون الرسالة جزءا حيويا من فعالية ثقافية تساهم في الوعي المعرفي، نراها تطوى وتركن في دهليز الأقسام كمدونة جاهزة للأرشفة لا غير، بينما يفترض أن تسعى الجامعة إلى فتح قنوات اتصال جماهيري عبر ندوات مفتوحة بعد كل مناقشة لتسهم الصحافة المرئية والمسموعة في نقل وقائعها لقاعدة عريضة من الجمهور. لكي تكون الرسالة الجامعية فعلا اجتماعيا عاما وليس خاصا، كما هو متعارف عليه في وسطنا الجامعي.
2 -إشكالية العلاقة بين نظرتين للسياق التدريسي بين أيديولوجي المنهج وآخر حداثوي الطرح، وهنا نجد اختلاف سياق الإبداع عن سياق التدريس الذي يخضع كليا لمقومات الدرس، وفق الضوابط التاريخية والموضوعية في سياق الدرس الأكاديمي، وهذا التحنيط يتنافى مع سياق التفكير الذي يتبناه بعض مبدعي الحداثة في العالم العربي، وصارت التجارب الإبداعية ميدانا للنقد، لأن النصوص الأدبية تريد أن تخلق متلقيا ناقدا، أي أنه من دون الحرص على النقد مواز لدهشة المتعة بتصورها، لا يهضم المعنى، وبعبارة أخرى لا بد من وجودِ نصٍ مثيرٍ للأسئلة مع الحفاظ على المحتوى والمضمون، كقيمة أدبية، وقديما قال المتنبي «أنا ألذي نظر الأعمى إلى أدبي»، أي أن المتلقي المسترخي لا وجود له في النص فهذه الطريقة ليس مرحبا بها لأنها مخالفة لقاعدة المتلقي التقليدي.
3 – النقد الأكاديمي أغلب أبحاثه التي تطالعنا على صفحات مجلاتنا الجامعية، نقولها بمرارة، أبحاث تقليدية في الكتابة الأكاديمية، إنها عبارة عن دراسات تتعلق ببحوث الترقية وترصين المكانة الوظيفية، وهذا النمط من الكتابة لا يعني بالضرورة نواحي الأدب والفكر، بينما المسار التاريخي للنقد الأكاديمي ثروة هائلة في متغيرات الفنون والآداب، يبدأ من فكر الأنوار على يد المثقفين الجامعيين في فرنسا، ومن ثم أخذ يشمل بشكل عام أنواع الفكر المختلفة، الفلسفة والفنون والآداب في كل أنحاء أوروبا، وتمثلت فيها أسماء مهمة مثل فولتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم وكانط في كتابه «نقد العقل المحض» الذي يقوم على سؤال رئيسي: ما الذي يستطيعه العقل؟ الذي فرق من خلاله بين الميتافيزيقيا والواقع. ودي سوسير الذي أشار إلى تفسير اللغة والكلام واعتبر أن اللغة هي نتاج مجتمع بينما الكلام هو حدث فردي متصل بالأداء والقدرة الذاتية للمتكلم، وكانت دراساته اللغوية قد شكلت مفاتيح حلقة براغ «ماتياس» 1928-1939 في بنائية اللغة وكانت تضم رومان جاكبسون ونيكولاي تروبيتسكوي وسيرجي كراكفيسكي ورينيه ويليك ويان ماكروفسكي، ومن ثم تبعهم جيل آخر ظهر على يديه المنهج البنيوي، أو المدرسة البنيوية في الستينيات من القرن المنصرم، وكذلك لا ننسى جهود الأكاديمي الروسي المعروف تودروف (نظرية الأدب ترجمة الأعمال الروسية إلى اللغة الفرنسية). والأكاديمي ياكوبسن (نظرية التلقي وعناصر التواصل ووظائف اللغة، التي تتلخص في ستة عناصر أساسية هي المرسل والمرسل إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة). واشتغالات بارديو على الملاذ الثقافي (الهابتوس) وبول ريكور، الذي تركزت أعماله على نظرية التأويل ـ التاريخ والحقيقة ـ الزمن والحكي ـ الخطاب وفائض المعنى.. ومن أعلام هذه المرحلة رولان بارت وجيرار جينيت وفوكو وجيل دولوز وجوليا كرستيفا، وغيرهم وقد خرجت من رحمها مناهج نقدية عديدة منها، السيميائية والأسلوبية والتحليلية والتفكيكية والتناص، بالإضافة إلى الألسنية التي هي عماد هذه المناهج وكذلك ظهرت موجات البعديات مثل، ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، وما بعد الواقع، وأهم المشتغلين في هذا الجانب هم بارت وجاك دريدا وباختين، وهي تدعو إلى دراسة المتغيرات في التلقي والانتقال من أهمية الكاتب في تركيب النص، إلى دور قارئ النص في توليد معان جديدة لا نهاية لها .
4 – إشكالية القراءة والمثاقفة بين الأديب والمدرس فنجد أن لكل منهما ذائقته القرائية الناتجة عن طبيعة الحاجة إليها أي أن من غير المعقول المشتغل على النصوص الحديثة أن يدرس المناهج التربوية المتعلقة بالبحوث الأكاديمية والشيء ذاته ينطبق على المدرس من الاستحالة أن يغادر منطقته ويتجه خلاف المنهج المقرر له، فهذا التباين في مستويات القراءة يدعونا إلى مراجعة المناهج التدريسية، لكي تكون محايثة أو متقاربة علميا وفكريا، وهذه الدعوة بكل تأكيد سوف تساهم في إغناء وإثراء للواقع الثقافي والمعرفي والإبداعي.
ومن الملاحظات الأخرى في هذه (الإشكالية) هو ما يتعلق في معارض الكتاب في الجامعات، وإن كانت صحية ومطلوبة ومهمة في موضوع تداول الكتاب، إلا أنه يخلو تماما من أي حوار، أو ندوة تلقي الضوء على الكم المعروض من الكتب، وكذلك تفتقر إلى برنامج إعلامي يرافق يوميات المعرض، وهذا التغاضي والتجاهل يؤدي إلى عدم الاهتمام بموضوع الكتاب، أو بالقليل يؤثر على نسبة التحفيز على القراءة الذي كرس المعرض لأجله هذه الغاية وهذا الهدف.
ربما ركزنا على بعض الخطوط العريضة في جانب إشكالية العلاقة بين المبدع والمدرس، لأننا ندرك هناك أسئلة كثيرة وملحة ولا يمكن إخفاؤها، ولكن لا يتسع لها المجال لمناقشتها، ولهذا اكتفينا بالأهم وأجلنا المهم، آملين من ذلك قد خطونا نحو البناء الصحيح في تسليط الضوء.
كاتب من العراق