■ الحديث عن قصة تلغي الحدث أو تقلل دوره وتهتم بالتقاط صور الأشياء الحية والجامدة، يعني مفارقة القصة للحدث الذي هو عنصر أساس من عناصر السرد الواقعي، الذي لا يخفى ما فيه من امتدادات التأثير الحكائي الشفاهي. وليس التجريب في كتابة القصة القصيرة بالأمر الهين، خصوصا إذا كانت هذه القصة معنية بتجربة فردية لشخصية معزولة وحيدة، وحساسة ومتأزمة إزاء الواقع المعيش ومنطوية لا تستطيع التكيف والانغماس في الحياة، ولهذا تتجهم وتمتعض فلا تلقي بالا لحالها، وتتجاهل دواخلها وما يعتورها من اضطراب وتضاد لا مع نفسها فقط، بل مع من يجاورها من الآخرين، الذين تشعر بسلبية وجودهم معها بسبب غلالة الانعزال التي تحيط نفسها بها، وقد شغلها فيزيقيا ما حولها، حركة وأضواء وروائح وملموسات وأصواتا.
هذا ما جرّبه محمد روزنامجي مهتديا إلى كتابة القصة القصيرة، في نزوع سينمائي يراهن على الأشياء، واعيا بها خارجيا، مجسدا عبرها تجربته الذاتية برومانسية مشوبة بالسوداوية تارة، والمثالية تارة أخرى، مخترعا لغة ليست غنائية ولا وصفية، بل هي لغة ثالثة تجمع الوصف بالسرد والحركة بالسكون والعتمة بالضوء والسمع بالبصر والدرامية بالحوارية بتلقائية التصوير الخارجي، باستعمال عين الكاميرا التي لا يمكن أن يفلت منها جزء من جزئيات المشهد الصوري مركزة على أشيائه، فإن كان الشيء مسموعا استعادته شريطا صوتيا، وإن كان الشيء مرئيا استعادته شريطا صوريا.
وعادة ما تكون نقطة الرصد التي يراهن عليها القاص في تقريب عدسة كاميرته مكانية، تعطي في الظاهر صورة خارجية، لكنها في الآن نفسه ترمز لسيرورة زمانية، راصدة الأغوار الخفية للشيء المصور ضمن فضاء بصري معين. والبغية التي يسعى إليها الكاتب هي بلوغ حقيقة الوجود، سواء في الحركة التعبيرية أو الوصف البصري أو كليهما معا.
وهذا ما نجده متحققا في قصص روزنامجي كلها، وأول قصة نشرت له كان عام 1945 وعنوانها «راقصة»، ليستمر بعد ذلك في هذا النوع من الكتابة السردية حتى عام 1957، علما أن له مجموعة قصصية واحدة صدرت عام 1974 بعنوان «بشر وأرض وزمن».
ويعد روزنامجي واحدا من القصاصين العراقيين الذين جافاهم نقاد الأدب القصصي ودارسوه وتجاهلوا عطاءهم وبعضهم أخفق في فهم أسلوبهم السردي، ولذلك ضاع نتاجه واندثر في خضم تهليل نقدي بأسماء حازت الأضواء وصارت في الواجهة، بسبب إنتاجها الكمي، لا براعتها السردية، ومن المؤسف أن تكون نزعة نقادنا آنذاك كمية عددية وليست نوعية، وهكذا اندثرت أسماء أبدعت غير أنها أقلت، وأخرى غُيبت وطالها النسيان وما كان لها أن يكون مصيرها هكذا.
وقد احتار عبد الإله أحمد في قصص روزنامجي متسائلا كيف يتعامل مع قصة «قطار الجنوب» والقصة قصيرة نشرتها مجلة «الأديب» اللبنانية في عـــددها الثالث عـــام 1954، وهي تبدأ بوصف خارجي مباشر للمـــاء والليل والظلال الخفيفة الباهتة، والمحطــــة الكبــــيرة والقطـــار السريع، الذي يزعق بين حين وآخر ،والزحمـــة الخانقة والرائحة المزرية والوجوه الكئيبة، وهذا الابتداء يراه الناقد غير مقبول، بسبب عدم الترابط بين الألفاظ، ولأن الجمـــــل ترد قصـــيرة ومتقطعة مع تراكم الصور الجزئية. وفات عبد الإله أحمد أن التوليف سمة سينمائية وهو لا يعني التقطيع أو التلفيق وعدم الإقناع.
كان محمد روزنامجي على وعي تام بما يكتب منتهجا أسلوبا خاصا يخالف الخط الواقعي الذي كان سائدا في كتابة القصة القصيرة آنذاك.
أما إشارته إلى أن المضمون مألوف والرمز ساذج يرد بشكل تقريري صريح، مع الافتعال والسذاجة والفكرة التافهة، ففيها إغفال لثنائية الصوت /الصمت التي جعلها القاص بمثابة محمول دلالي يعكس حالة التأزم النفسي، الذي حوّل السارد الذي هو نفسه الشخصية إلى ضحية للضجيج الحياتي الخارجي وصمت النفس الداخلي. ولذلك ظل ساهما وواجما تلفه وحشة غريبة وظلمة معتمة، لا يحس بوجوده أحد والحياة تمر أمام عينيه كالقطار بضجيجه وهديره، فلا يكترث قائلا: «ليس هناك إلا ظلام» ولا أحد يشاركه مأساته حتى صاحبه ليس معنيا به «يدفن رأسه في كتاب» و«يغرق في صمته وقلقه»، وينتهي به المطاف إلى أن يصبح صريع الكآبة والسأم اللذين سيسيطران على حياته.
وإذا ما انتقلنا إلى مستوى التكنيك الفني فسنجد القاص واعيا بنمط سردي لم يكن ليعرف بعده إلا بزمن ليس بالقصير، وأعني به تكتيك كتابة القصة القصيرة بطريقة سينمائية، ليكون القاص روزنامجي أول من سحب السرد إلى منطقة السينما، مفيدا من آلياتها التأثيرية.
بيد أن النقدية العراقية آنذاك لم تكن قد تهيأت بعد لهذا الاستحداث الأسلوبي في السرد، وهكذا أُجحف إبداع روزنامجي فلم ينل ما يستحقه في تاريخ الأدب القصصي، وهو الذي امتلك رؤية فكرية بدا فيها لا منتميا وعدميا متمردا على المألوف. ولم يستغن هذا القاص عن تكرار استعمال المونولوجات الداخلية «ما أغرب هذا؟ هذا غريب» أو «ما أغرب الحياة؟ أي حياة هذه التي نعيشها بصفتنا بشرا؟»، علما أنه يستعمل الشارحة مع المونولوج الداخلي، وهي سمة عامة في قصصه كلها. وتوظيف هذه التداعيات النفسية سنجده في القصص الأخرى وهو ما سمح للقاص بتحريك الزمن بحرية، موظفا الذاكرة والحواس والخيال، وهي الأمور التي حددها روبرت همفري لتنظيم التداعي، كما في قصة «عبيد الزمن» المنشورة في مجلة «الأديب» العدد الثامن عام 1949 التي تتكرر فيها ألفاظ الزمن والظلام والسأم وصوت الساعة» تك تك وطرقت أذنيه حركة الرقاص كأنها وقع خطوات الزمن تدب على أديم الأرض».
والأمر نفسه في قصة «رائحة الأرض» التي نشرتها مجلة «الأديب» في عددها الرابع عام 1950 وفيها رؤية عدمية رومانسية إزاء الأصوات والآهات الخافتة والحشرجات والأنات والولولة والصراخ الأجش. وهو ما تتضمنه أيضا قصة «بشر وأرض وزمن» القصيرة التي نشرتها مجلة «الأديب» في عددها الثاني عشر عام 1952 وفيها البطل مهزوم من الناس في داخله، شاعر بالعدمية والتلاشي، حيث لا عواطف ولا ألوان ولا يكون أمامه من بُد إلا النوم الذي به ينجو من الروائح النتنة والصور المقززة والأصوات المزعجة، كذلك الحال في قصة «خيوط العنكبوت» المنشورة في «الأديب» العدد السابع عام 1954.
لقد كان القاص محمد روزنامجي على وعي تام بما يكتب منتهجا أسلوبا خاصا يخالف الخط الواقعي الذي كان سائدا في كتابة القصة القصيرة آنذاك، مؤسسا خطا سرديا جديدا موضوعه الفكري ذاتي مشوب بالرومانسية بمعناها الحالم والطوباوي، مع مسحة وجودية واضحة، فضلا عن ملمحية التوظيف للحوار العامي المفصح، اللتين كانتا جديدتين في عهده آنذاك.
وما تمثيله الفني للأسلوب السينمائي إلا تكنيك ساعده على رصد الواقع بكل موجوداته بمنظور تشاؤمي بائس، فيرى الوجود مزريا والحياة تغص بالرذائل والموبقات فلا يكترث لها لأنها بلا معنى أصلا. ولعل أصدق دليل على وعي القاص الفني وقصديته في التجريب لهذا الخط، هو أن قصصه جميعها لفها هذا الخط حتى لتبدو كأنها متوالية واحدة للموضوع ذاته، وهو ما يجده عبد الإله أمرا سلبيا، بينما هو في الحقيقة تميز فني أحرزه هذا القاص بوعيه المبكر بفن القصة القصيرة.
ولا يخفى التحامل على هذا القاص في ما قاله عبد الإله أحمد في كتابه «الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية»: «إن القاص يضرب في طريق لا يؤدي إلى نتيجة فهو في النهاية لا بد أن يستنزفه، إذ ليس من المعقول أن يظل يردد إلى ما لا نهاية الفكرة ذاتها بالألفاظ ذاتها في جميع قصصه، بدون جديد يذكر ولقد كان ذلك.. وراء صمت القاص المبكر في الخمسينيات». ولو كان القاص كما وصف الناقد فلماذا إذن وقف عنده وشمله بصفحات ما كان ليشمل بها بالتحليل إلا القصاصين الكبار؟ إن عدم فهم أسلوب القاص لا يمنح الناقد الحق في تقييم النتاج القصصي. وما حيرة عبد الإله أحمد سوى دليل كاف على عدم إنصافه القاص، وتعسفه المقصود في الانتقاص من موهبته متجاهلا تمثله للفكر الوجودي، بينما أثبت ذلك التمثل لقاص آخر ظهر بعد روزنامجي هو نزار عباس، الذي رآه «يردف القصة العراقية بدم جديد حقا لم نعهده فيها».
إجمالا نقول إن مناصرة الناقد للأفكار السائدة وما قد تنطوي عليه من ولاءات حزبية، ينبغي ألا تؤثر في فهم النصوص وتقييم أصحابها الذين لهم نهجهم، الذي ربما يخالف نهج الناقد ومساره الأيديولوجي. وهذا ما لم يراعه عبد الإله أحمد وهو يؤرخ لقصص محمد روزنامجي ويحلل بعضا منها.
٭ أكاديمية عراقية