الأقلمة نظرية نقدية تُعنى بدراسة تحول النص الأدبي أو العمل الفني من صورته الأصلية إلى صورة أخرى وليدة وعصرية، باستعمال طرائق ووسائط معينة. والمميز في هذه النظرية أنها لا تنظر إلى النصوص بوصفها أعمالا مستقلة، وإنما تراها امتدادا لأعمال سابقة. وبهذا تنقسم النصوص إلى نوعين: مصدرية سابقة، ومؤقلَّمة أو معدلَّة لاحقة.
وإذا كانت الأقلمة تقر بوجود الأصول والجذور وتؤشر على دور التراث في صنع النماذج، فإنها عملية مستمرة تجري في كل العصور، ولعل أكثر عصر أدبي شهد أقلمات أدبية وفنية هو عصر النهضة الأوروبية، وما تلته من عصور فيها ظهرت مدارس فلسفية، وتطورت صنوف المعرفة والأدب والفن. فكان أن اتسعت عمليات الأقلمة لتشمل إلى جانب القصائد والقصص والروايات والمسرحيات، بعضا من العروض الأوبرالية واللوحات الفنية والموسيقى وغيرها.
وإذا كان هذا هو حال الأقلمة في القرون السابقة، فإنها في قرننا الحالي تجري بشكل متواصل، لاسيما في مجال صناعة الأفلام والتمثيليات التلفزيونية وبرامج الراديو وتجارب الواقع الافتراضي على تنوعها.
وتصف الناقدة ليندا هيتشون Linda Hutcheon شمول عمليات الأقلمة مختلف مناحي الحياة، بأنه انفجار وجنون. ومن هذا المنطلق ألفت كتابها (نظرية الأقلمة) كمحاولة للتفكير مليا في أسباب اتساع نطاق الأقلمة حتى غدت ظاهرة.
وما يلفت الانتباه في أطروحة هيتشون هو توسيعها دراسات الأقلمة من كونها مقصورة على الرواية والسينما إلى الاشتمال على حقول أخرى فنية وأدبية. ليس ذلك فحسب، بل وضعت للأقلمة جهازا اصطلاحيا خاصا. نذكر من مكوناته اللوحات الحية والأقلمة خارج السيطرة والانتقاص والأدنى، أو الثانوي والتعسف النقدي والإخلاص.. وما إلى ذلك.
أما ما حمل هيتشون على توسيع نطاق دراسة الأقلمة فأمران: الأول يتمثل في ما وجدته من تزايد مطلق في ألوان أقلمة النصوص الأدبية بالفنون على اختلاف الوسائط الافتراضية وتعددها، وإلا (من منا لم يمر بالأقلمة أو ليست لديه تجربة حول الأقلمة أيا كنا واعين بها أو لا؟). والأمر الآخر يتمثل في أن النص المؤقلم، أو المعدل Adapted Text وعادة ما يستقبل بوصفه أقل جودة من النص المصدر Source Text or Orginal. وهذا ما ترى فيه هيتشون انتقاصا نقديا.
وقد جمعت في سبيل دراسة الأقلمة بين العرض النظري لتفصيلات أطروحتها وبين تضمينها مسائل إجرائية تكشف عن مناح مختلفة على صعيدي النظرية والممارسة، توضِّح من خلالهما اتساع نطاق الأقلمة بصفتها ظاهرة من ظواهر هذا العصر المنظور إليها باعتيادية وطبيعية مع أنها ليست كذلك. وما تسعى هيتشون إلى بلوغه هو إثبات فرضية أن النص المؤقلم لا يصادر النص المصدر، إذ مهما كانت عمليات التحوير والتعديل، فإن الأفكار والأساليب تظل دالة على الخيوط المشتركة بين النصين. وهي بهذا الاهتمام بالنصوص المصادر تكون قد وضعت نفسها في منطقة التعارض مع النقد ما بعد البنيوي، الذي عدَّ الانفتاح في إنتاج النصوص وقراءتها مبررا يجعل أي تداخل نصي أمرا مفروغا منه، وعلى مختلف المستويات الأجناسية والتقانية والثقافية، على أساس أن القارئ مشارك في عملية الإنتاج النصي. وما دام النص ناقصا، وينتظر من القارئ أن يستكمله، فإنه لا سلطة بعد ذلك للمؤلف، ولا ملكية ينبغي الاعتراف بها أو تأكيدها.
إن اهتمام ليندا هيتشون بمسألة وجود نص سابق تدل عليه خيوط يتلاقى بها مع النص اللاحق، يعني أنها تعطي الأولوية للأول على الثاني، وفي الآن نفسه تلفت الانتباه إلى ما للأقلمة من فاعلية، بوصفها عملية بناء على بناء، ينبغي توخي الحذر في الاشتغال بها والعمل عليها.
وانطلاقا من هذه الحقيقة المتمثلة بوجود الأصول والمصادر، لا يصبح التناص intertextuality عملية طبيعية واصطلاحا لا غبار عليه، وإنما التناص مسؤولية كونه ينطوي على اعتبارات فنية ومؤاخذات أخلاقية ينبغي مراعاتها وفهم تحدياتها. وبهذا الشكل تغدو المسافة الإبداعية بين الأقلمة والتناص كبيرة؛ فالأولى تبحث عن مواضعات، فيها المؤلف مركزي، في حين أن الثاني يبحث عما يمركز القارئ بوصفه صاحب الأولوية دائما.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا التوجه الذي تعتمده ليندا هيتشون يخالف البطانة الفكرية للنقد الغربي عامة، والنقد النظري عند كل من جوليا كريستفيا وجاك دريدا وميشيل فوكو، غير أن المتحصل ليس كذلك، فليس هدف هيتشون رد الاعتبار للنصوص الأصلية والتدليل على أهمية تاريخ الأجناس في إنتاج المصادر ونمذجة انتقالها أو هجرتها من أدب إلى آخر، وإنما هدفها التماشي مع ما يشهده عالم السينما ومواقع الويب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من تطورات متسارعة، معها تصبح نماذج الأدب الغربي – بدءا من شكسبير وصولا إلى أحدث كاتب غربي- واقعة في منطقة الأخذ والتفاعل الحر غير المسؤول. وهو ما يقتضي من النقد (الغربي) التفاتا إلى هذه الظاهرة من أجل وضع حدود لعمليات توظيف الوسائط المتعددة في إنتاج النصوص المعدلَّة.
ومثلما يبحث النقد الغربي في تخوم الظواهر التي تخدم توجهاته الفلسفية وتعود بالنفع على أدبه، كذلك هي دراسات الأقلمة تشتغل في حدود ما يخدم هذا الأدب ويكون في صالحه. والوعي بهذه الحقيقة يضعنا قبالة الأغراض المتوخى تحقيقها من وراء ترويج فكرة التناص – نظرية وفلسفة- وهو ما نجح النقاد الغربيون فيه، فتمكنوا من تهيئة حاضنة فكرية استقطبت الاهتمام العالمي، وجعلت النقاد يشطبون على الأصول، ويقتلعون الجذور بوازع البحث في تعدد الهويات، وتنوع الحوارات وتهجين الأصوات. وهذا كله مما يصبُّ في صالح الآداب التي هي في الأساس هجينة ومتعددة. أما الآداب التي هي أحادية، أي لها هوية محددة، فإنه يسيء إساءة بالغة إليها. لأن حقيقة ما لديها من أصالة ومصدرية ونموذجية ستغيب في خضم التغافل عن التاريخ الأدبي وموقع المؤلف، على أساس أنَّ الأدب عملية هضم لخراف تتجلى في أسد هصور حيث الأول المهضوم/ الخراف أقل شأنا من الثاني الهاضم/ الأسد، وذلك استنادا إلى الضوء النقدي المسلط على البنى والأشكال والمضامين، كمتعالقات نصية آنية لا تحسب حسابا للتفاوت الزماني في التاريخ ولا تعتبر بحقيقة وجود اتباع إبداعي ما بين النصين الهاضم والمهضوم.
وتتأكد هذه الثغرة المعرفية أكثر مع الوسائط الافتراضية التي لها دورها المهم في راهننا الأدبي والفني، وعليها تتوقف عمليات الاتساع في التمثيلات الإبداعية، ما يجعل المستقبل واعدا بالمزيد.. فهل تبقى نظرية التناص على حالها صامدة إزاء ذلك كله؟
هذا السؤال الجوهري هو ما تطرحه دراسات الأقلمة بقوة، بدءا من الدراسات، التي عنيت بأقلمة الرواية في الفيلم مثل كتاب جورج بلوستون (الروايات تتحول إلى فيلم) 1957 وكتاب براين ماكفارلين (الرواية والفيلم) 1996 وكتب روبرت ستام (حواريات الأقلمة) 2000 و(الأدب من خلال الفيلم: الواقعية والسحر وفن الأقلمة) و(مقدمة: الأقلمة بصفتها نظرية وممارسة) أكسفورد 2005 وكتاب اليساندرا راينجوا وروبرت ستام المشترك (رفيق الأدب والسينما) أكسفورد 2004.
وتظل دراسات الأقلمة قليلة، غير أن هيتشون استطاعت توسيعها، بمعنى أنها لم تقصر البحث النظري والممارسة التطبيقية على ما كان معتادا وهو الاكتفاء بأقلمة الرواية في السينما، بل ضمت إلى جانب الأدب بعض الحقول الفنية والمعرفية مثل الأوبرا والمسرح والموسيقى والتلفزيون والترجمة وغيرها. وأعطت الأولوية في ذلك كله للنص المصدر. وهذه مسألة تحسب لصالح الآداب والثقافات التي لها تاريخ عريق، ضارب في القدم.
كاتبة عراقية