في مستقبل دراسات الأقلمة السردية

مدت دراسات الأقلمة مفاهيمها إلى مختلف حقول المعرفة وفنون الكتابة، فكانت أقلمة الرواية بالسينما وبالإعلام والترجمة هي الأكثر بروزا واهتماما. أما التاريخ والجغرافية والفلكلور والاقتصاد والاجتماع فدُرست بشكل عرضي، ولم يركز عليها التركيز الذي يناسبها.
وسنخصص القول في أقلمة السرد بالتاريخ بسبب ما تتيحه من مجالات واسعة تضع أمام الدارسين خيارات بحثية مستقبلية تزخر بالكثير من مستجدات البحث النقدي، استنادا إلى التعددية الثقافية والتعابر في التخصصات العلمية والإنسانية. ومن هذه الخيارات دراسة ما أسسته البشرية من نظم سردية وما طورته من تقاليد فنية عبر تاريخها الطويل. وقد سعينا في أكثر من موضع إلى دراسة تقاليد السرد العربي القديم، ودور السرد الأوروبي في تطويرها، بدءا من القرن الخامس عشر ووصولا إلى القرن التاسع عشر؛ نظرا لغنى ما وصل إلى أوروبا من ترجمات كثيرة لمدونات سردية قديمة ومرويات عربية، ولرسوخ النظام السردي في هذه السرديات ولديمومة فاعليتها الفنية شرقا وغربا. ولا غرو أن تعزف دراسات الأقلمة عالميا عن مدّ اهتماماتها النظرية والإجرائية إلى السرد العربي القديم والحديث والمعاصر، فتغدو من ثم الموجبات قائمة في ضرورة دراسة أقلمة هذا السرد والتركيز على تقاليده.
إن السرد تراث إنساني مشترك، لا تنفرد به أمة عن أمة، ولا شعب عن شعب، كما أن ما مرت به المرويات التراثية من تطورات وتحولات ليست مختصة بحضارة أو قارة أو إقليم، بيد أن تنظيرات المفكرين المختصين بالنظرية الأدبية وأساليب السرد وأبنيته وآلياته وتقاناته، صورت السرد مختصا بالأدب اليوناني والروماني قديما، وبالأدب الأوروبي حديثا. أما السرد الشرقي عامة والعربي خاصة، فبقي في الظل عموما، وإذا ما أراد المنظر الغربي التطرق إليه؛ فلن يتعدى ذلك نموذجا أو نموذجين محددين. وعادة ما يتخذ ذاك التطرق سياقا تمثيليا وبإطار تحليلي مبتسر ومجزوء.
أما السرد العربي الحديث والمعاصر فلا مكان له البتة في النظرية السردية الحالية، بل في النظرية الأدبية قاطبة. وصحيح أن المستشرقين درسوا الأدب العربي، لكنهم لم يكونوا معنيين بالتنظير للسرد والسردية، إلا في حدود المنهج المتبع في التحليل شأنهم في ذلك شأن الدارسين العرب.
وعلى الرغم من تنوع مناهج تحليل السرد وتأويله، فإنها لم تكشف عن نظام سردي عربي متوارث وغني، نشأ كخلاصة تفاعل ثقافي طويل الأمد مع آداب الحضارات الغابرة، التي سبقت الحضارة العربية الإسلامية بعدة قرون؛ فكان (الأخذ والتفاعل لا يخضع لإرادة قاصدة واعية، لكن يحصل بإرادة التاريخ نفسه، أي بفعل العوامل التاريخية الموضوعية المستقلة عن إرادات الناس) كما يقول حسين مروة. وما من شك في أن الباحثين العرب والأجانب المتخصصين بدراسة التراث الأدبي، استطاعوا أن يغطوا أبعاده المختلفة إلى حد كبير، لكنهم لم يوفوا بحق نظامه السردي بشكل متكامل نظريا وإجرائيا، فبقيت دراساتهم مرهونة بالمناهج النقدية المقارنة والتاريخية والنفسية والاجتماعية والبنيوية، التي هي محددة في تحليلاتها التطبيقية وموجهة في ما ترصده وتشخصه من ظواهر واتجاهات. وبقدر ما تستقل المناهج وتتمايز بأحاديتها في دراسة هذا التراث، تتقلص فرص الإمساك بنظرية سردية تقف على حقيقة التقاليد، التي بها تتأكد كلية السرد العربي القديم غير القابلة للتجزئة أولا، وتتضح أهمية أقلمة السرد بالتاريخ ثانيا، وضرورة الإفادة ثالثا من التعدد في التخصصات والمنهجيات والرؤى العابرة للثقافات في دراسة تراثنا الأدبي، كشفا عما فيه من أنظمة واشتغالات، تمثل التقاليد جوهرها ومبناها. ولا فرق في دراسة هذا التراث، إن كان في مخزوناته نتاجات إبداعية ترجمت من لغات هندية أو فارسية؛ إذ ما دام تعريبها قد خضع لتقاليد السرد العربي وعُرفت بعربيتها، أي ترجمت من اللغة العربية إلى لغات أخرى، فإنها تعد جزءا من تراثنا الأدبي.
إن ما في دراسات الأقلمة السردية من نزعة تعددية عابرة للأعراق والحضارات والثقافات والجغرافيات والديانات، يجعل من الممكن مستقبلا تقديم طروحات جديدة على طريق بناء نظرية سردية عربية (علم سرد عربي) كجزء من نظرية سردية عالمية، تداري ما في النظرية الحالية من نواقص في دراسة الأنظمة والتقاليد.
ولتأكيد أهمية العمل المستقبلي على دراسات الأقلمة السردية، سنمثل بمنظور نورثروب فراي النقدي إلى التقاليد بوصفها تنميطات types ، وقدَّم في كتابه (المدونة الكبرى: الكتاب المقدس والأدب) رؤى تأويلية حورت مفهوم التقليد تحويرات دلالية تستبعد بمجموعها مراحل التاريخ كتحولات وانتقالات، جامعا بين مفهومي الأمثولة والمعتمد الأدبي. وعدَّ كتاب العهد القديم نموذجا أو مثالا للتنميط، وأنه مجاز لغوي يتحرك في الزمان، وفق أطوار اللغة الثلاثة (الاستعاري/ الكنائي/ الوصفي) وفيه يكون المثال موجودا في الماضي، والممثول يوجد في الحاضر، أو في المستقبل. فمثلا أن ما أَنذر العهد القديم بحدوثه، كان قد تحقق في العهد الجديد ليكون هو الممثول antitype، أو أن آدم مثال متحقق في الممثول/ المسيح، وأن المعمودية المسيحية هي ممثول إنقاذ البشرية في طوفان نوح. وبهذا يغدو لمفهوم التنميط بعد فكري ينطلق من نظر تأويلي في مجموعة من النصوص المقدسة والمرويات التراثية وبمعيارية زمانية، تجعل منها مصدرا في تقدير الفاعلية الأسلوبية والثقافية لنصوص أتت بعدها. ولأن معيار الزمان لا يناسب جميع النصوص التي أراد فراي تنميطها، افترض معيارا آخر للسرد هو السببية وبدورات ثلاث: ثيوقراطية وارستقراطية وديمقراطية.
وإذا كانت العملية التاريخية تقوم ـ كما يرى فراي – على (وجود معنى أو نقطة تشير إلى التاريخ، وأنّ حدثا معينا أو أحداثا معينة ستؤشر عاجلا أو آجلا على ما يعنيه ذلك المعنى وتلك النقطة، ليصير ممثولا لما حدث سابقا) فإن التطبيق الذي قدّمه فراي يخالف هذا الافتراض النظري. ذلك أن «ملحمة جلجامش» تعد أقدم مدونة أدبية في التاريخ، بيد أن فراي لم يرها كذلك لأنها في رأيه تفتقد (الحس بالشخصية التاريخية حين تندمج بالنظام الأسطوري التزامني) ولذلك افترضها أمثولة و(ليس التنميط أمثولة: فالأمثولة في العادة هي أسطورة قصصية نجد معناها الحقيقي في ترجمة مفهومية أو حجاجية) في حين عدَّ الكتاب المقدس مصدرا، وهو القائل: (أنا في الأقل لا أستطيع أن أفكر بمصدر آخر لتراثه) ومن بعد الكتاب المقدس، تأتي محاورات أفلاطون وحكايات تشوسر وصولا إلى الروايات الأوروبية، وبذلك حصر فراي التقليد /التنميط بالعنصر الأبيض، وهو ما سيتبناه أغلب المنظرين المهتمين بالبحث في بنية السرد وتمثيلاته الموروثة.
إن هذا المنظور النقدي يعطينا صورة لطبيعة المنهجية المغالبة والمنحازة التي اتبعتها الدراسات الأدبية والثقافية في التعامل مع الأنظمة السردية، والأسباب التي جعلت النقد الغربي الحديث والمعاصر يتغاضى عن تأكيد أهمية تقاليد السرد العربي القديم في تكونها الفني وانتقالها الجغرافي عبر التاريخ.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية