• يمكن للشعر أن يصنع عالما بعيدا عن دوغما الهرج اللفظي، يرافق في صمتٍ صراخ العالم من أجل استمراره، يسجل استمراره معه، لكن لا يجاريه في لعبة الحضور الظاهر والمعلن للكينونة الغالبة، الشعر كينونة سلمية تتوج سلطتها ضمن ما تعلنه فردانية الشاعر كونها دلالة لها ما تقوله وتعترف به في مواجهة ما يستمر في العالم، تلك هي السلطة الجمالية التي تتبنى الجمالي لتقول الجمال وتناهض النشاز، تتأسس ساخطة ضمن مجال النص العريق في النوستالجيا، ذلك هو المدخل إلى نصوص «نوست ALGERIA» للشاعر الجزائري جمال الدين طالب.
مدى النص/ حلم الوقت:
«الوقت» مفهوم صوفي، فـ»الوقت ما أنتم عليه»، وما كان عليه الشاعر في لحظة «النوستالجيريا» فورة حنين طاغية لم يتمالك معها نفسه إلا بإفراغ برهته تلك في قالب جمالي مباشر، يرى العالم على مد رؤية من الصباح، أي الوقت: «وليكن/صباح جديد../وأغنيات قديمة»، صباح لا يشرق في فضاء الوطن، بل في فراغ اللحظة القريبة من الوطن، البعيدة عن وقتها، لا شيء يلزم ذات الشاعر أن تحتضن صباح الجهات، هو صباح الوطن الذي لا يرسمه شيء قدر ارتسامه بين الجدة، أي التتالي في الحضور والكينونة وعتاقة عناصره: «صباح جديد وقهوة عتيقة»، القهوة عنصر يملك قدرة رد الذات إلى وقتها المكثف بلحظة الوطن، لأن «نوستالجيريا» لا تحتفي بباريس، فلها «باء البرد»، و«سين السين غارقا في الدم ذات أكتوبر»، و«لندن» لا تحضر إلا في تماثل أشيائها وقت مفردات الوطن. الأمكنة لا تزاحم حنين الشاعر الجارف لعتاقة القهوة، التي لا تعكس سوى الذاكرة في ثنايا حركتها المعهودة، ضمن هندسات المدينة القائمة وعيا في كيانه. وصباح جديد في حضن حضور التاريخ وأبدية «الوقت» الذي عليه الشاعر، لم يتغير أو يخلف مواعيده الرائية صوب الـ»NOST_ANTINA» أو «قسنطينة»، فما بين الجديد والعتيق تعيش الذات الشاعرة «حالة صراع بين حنين إلى ما في الذاكرة وحزن على ما آلت إليه الأوضاع وحلم بصبح جديد»، كما يرى محمد بن زيان في قراءة له لـ«نوست ALGERIA».
سلطة المكان هي من سلطة الميلاد، كلاهما يمنحان للذاكرة إشارة البداية في التاريخ، و«نوستالجيريا» يمسكها الشاعر كمعلقة تبحث عن جدار لبياناتها.
القصيدة الوطن / التحقق بالكتابة:
للكتابة مسند الاتكاء على المعنى، الحنين وردة العزاء حين يشتغل الفقد على إبكاء الدواخل العميقة، ودفع الوحدة إلى أقصى درجات توحشها، يخرج الشاعر حاملا رداء الكلام، لنقض عروة المسافات ومعانقة الوطن الذي يبتعد، والذي لم يعد ينسج تحققه سوى في مدى الكتابة: «والوطن/آه..الوطن الذي يكتبنا..»، نعود محملين إليه في ألوية النص، يكتبنا لكي نحبه، ويقرأنا التاريخ مفردات من قاموس الوطن، «ومن غير حب خاص للنص ليس ثمة قراءة ممكنة»، هكذا يرسم دريدا الحب في مجالية التفكيك، يكتبنا الوطن لكي نفككه قصائدا للحنين والعتاب، فالحب يستمر في التاريخ عندما يكتبه التاريخ كلاما يكرس الذات في مِراسها المضني لكتابة شكل الوطن، الذي يراه الشاعر بين عزائين للغة والوقت: «تعزي اللغة الوقت» «يعزي الوقت اللغة»، والعزاء لا يكشف سوى الفقد والخيبات المتناثرة على جنبات قدرة هائلة على التواصل مع هارمونيا شاعرة للوطن، أي مع القصيدة التي تمعن في استنبات شكل مغاير للوطن «الذي يخذلنا/ ونحبه».
حوار الأمكنة/ طقوس الذاكرة:
وصف المسرحي العراقي جواد الأسدي، منير بشير العراقي المنفي أيضا بأن «قدميه معلقتان في دجلة الروح»، باعتبار أن سلطة المكان هي من سلطة الميلاد، كلاهما يمنحان للذاكرة إشارة البداية في التاريخ، و«نوستالجيريا» يمسكها الشاعر كمعلقة تبحث عن جدار لبياناتها، فما تحن سوى لجدار الوطن، والجدار يبرز الحدود، والوطن يلعب هذا الدور لكي لا يتوه الشاعر داخل أبنية هوية المدن المختلفة، فـ»لندن» لها بهاؤها، لكنها لا تباشر كينونتها المكانية إلا في ظل مفردات المكان في جغرافيا الوطن: «السمندو، واد الزهور، واد الرمال، كمنجة الفرقاني، القصبة، بوالدمغين». تحضر قسنطينة «NOST_ANTINA»: «لقسنطينة بدء الحكايات/ فراشات الحنين المتراقصة»، البدء والحنين، يكشفان البعد الذي يفجر به التاريخ ملحمة الأيلولة المخيالية للمكان، فالذات تطأ أمكنة متعددة، لكن لا تفعل ذلك سوى بالنظر إليها كمعادل موضوعي لأمكنة البدايات، فمحبة الوطن ليست سوى اندراجا في لعبة النص بالنسبة للوعي الشاعر/المغترب: «لقسنطينة طاء الطواسين/طواسين الحضرة». تختزن الطواسين رمزية الإحالة إلى وجدان العاشق في تعاليات المقام الصوفي، وأيضا توهجات الحلاج داخل عرفانية النص، باعتبار هذا الأخير جسرا نحو الذات العارفة بمنظورات فرديتها، على أساس أن التصوف تجربة فردية ومحبة المكان، تجربة تتعلق بشاعرها الذي لا يرى ذاته سوى في نوستالجيا الأمكنة التي كلما فاض الشوق إليها حررتها «الخلوة» إلى الذات، التي ترى الجمال في كل شيء فيه رائحة المكان حتى «المقبرة التي تغري بالموت»، تلك الموجودة في «بونة» والتي أحبها ألبير كامو وأغرته بالموت، لا يعكس الموت ها هنا محطة النهاية أو العدم، بل يكشف الإغراء بالموت تلك المسافة بين الكينونة واللاكينونة الموصوفة بجمالية الدهشة، حين تتلمس الذات ذاتها فلا تجدها سوى في مدى الكلمات، حيث تتلبس طبيعة حياة مختلفة، تشبه حياة الشاعر في أروقة المكان/المعيش المليئة بالحنين والاغتراب، «أليست الكلمات أجزاء وبذورا للنبات؟» بتعبير كوليريدج، تلك الكلمات التي تشعل فتيل الذاكرة: «تعوزني /سنة قديمة/لا يعوزني عام جديد».
لم تمر «نوست ALGERIA» على جثة الوطن، رغم الخسارات والانكسارات المسجلة، لكنها حركت الوشائج المعلقة في الذاكرة على عشقٍ للمكان يحققه النص.
رنين النص/ اغتراب الموقف:
لم تمر «نوست ALGERIA» على جثة الوطن، رغم الخسارات والانكسارات المسجلة، لكنها حركت الوشائج المعلقة في الذاكرة على عشقٍ للمكان يحققه النص: «إلى بختي بن عوددة وجاك دريدا» هكذا أهدى الشاعر إليهما نص «نوست ALGERIA». استحضر الشاعر بختي بن عودة فيلسوف «رنين الحداثة» باعتباره رمزا ضمن نمونكلتورا الوطن المثخنة بفجائعية الفقد، رحل مغتالا لم يمهله الموت إكمال حلم المشروع. يباشر النص سطوته في رسم المكان، يعود الشاعر أدراجه يصافح دريدا هذا العاشق للمكان المفارق لتضاريسه، المشطور بين بنية النص وتفكيك الدلالة الحائرة في البحث عن الانتماء لنسيجية الرحم أم «لنوستالجيريا» الميلاد، فالموعد على الدوام هو المكان بتفاصيله المبهرة: «السماء ليست زرقاء إلا قسنطينة»، رغبة مالك حداد في اللغة، إفراغه الحنين في المكان، في الزرقة المتعالية العامرة بالامتداد. يستحضر الشاعر امتداد مالك حداد في المطلق السماوي ليحقق شيئا من الحضور/الغياب في المكان، فجائعية الفقد تجد عزاءها في رنين النص: «غدا قد نلتقي/لن أحمل هم الأغاني/لن أجر ميراث الشجن»، يمتلك الشاعر جرأة استثنائية في كشف لحظة الحنين الجارف المنهك عند حافة السيزيفية، ثنائية الغناء والشجن لا تحث الشفاف سوى على رشق ستائره بطراوة البكاء. على حافة النشيج الداخلي العميق تنتظم الشعرية لتبين العلائق الخفية بين النص وإمكانياته الرهيبة في الاستعادات الحافلة بالرغبة والانتظار للمكان، استعادة الأشياء في مستوياتها المباشرة والعميقة، تحيل الشاعر إلى المفردة اليومية تلك التي حازت المعنى في «نوستALGERIA»، فأعادت حرث «الأرض اليباب» «بحساسية جمالية مغايرة قوامها المفردة اليومية» كما يرى محمد العباس في علاقة ت.س اليوت بقصيدته.
٭ كاتب جزائري