لندن – «القدس العربي»: يعتبر منح جنسية الأم لأبنائها من أب أجنبي من أهم المطالب التي يرفعها الحراك النسوي في أكثر من بلد عربي. فعلى الرغم من أن دولا عربية عديدة وقعت على الاتفاقية الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة والتي أبرمتها 120 دولة، والتي تلزم سلطات تلك الدول بالقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، إلا أن الكثير من الدول الموقعة لا تزال تتجاهل تطبيق أهم بنود هذه الاتفاقية: التمييز بين الجنسين في مجال حق إعطاء الجنسية للأبناء، وهو تمييز ما زال قائماً في العديد من البلدان العربية. وعلى الرغم من أن حق إعطاء المرأة المتزوجة من أجنبي الجنسية لأبنائها يعد من المطالب المحقة من منظور حقوق الإنسان إلا أن هناك غيابا شبه تام لوجود قوانين تحمي أبناء النساء المتزوجات من أجانب مما يحد من منحهم حقوقا مدنية في مجال العمل والتعليم والعلاج والتنقل وإمتلاك العقارات. وفي السعي لمحاربة هذا التمييز، نظمت العديد من الحملات المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في هذا المجال، ونجحت بعض الحملات في العديد من الدول العربية بضمان منح النساء جنسياتهن لأولادهن، وما زالت جهود هذه الحملات تعمل على ضمان تمتع أبناءهن بالحقوق المدنية والسياسية والإجتماعية. وقد انقسم العالم العربي في معتقداته وقناعاته حول هذه القضية لأسباب سياسية وإجتماعية وديمغرافية. وهناك فقط 5 دول عربية تمنح جنسيتها لأبناء المواطنة المتزوجة من أجنبي وهي تونس والجزائر والمغرب ومصر والعراق مؤخرا.
حق الجنسية
الجنسية هي صلة قانونية وسياسية تربط الفرد بدولة معينة تنبثق منها الواجبات والحقوق المتبادلة بين الدولة ومواطنيها، يستثنى منها الرعايا الأجانب. وأهم مبادئ قواعد القانون هو التأكيد على حق الدولة في تنظيم طرق اكتساب جنسيتها وتحديد رعاياها وفقاً لإرادتها المستقلة وما تقتضيه مصالحها الأساسية، وقد كرست الاتفاقيات الدولية ذلك. وتشير جمعية معهد تضامن النساء الأردنيات «تضامن» الى أن الجنسية عبارة عن رابطة قانونية وسياسية بين الأشخاص ودولة معينة ، تحدد حقوقهم والتزاماتهم في الدولة التي يحملون جنسيتها. وحقّ المرأة في الجنسية تم طرحُهُ وتبنّيه في العديد من الإتفاقيات الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو 1978)، واتفاقية حقوق الطفل 1989 والمعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية.
حالات مؤلمة
في الأردن، لا يسمح القانون للأردنيات بمنح جنسيتهن لأبنائهن من أزواج غير أردنيين. فثمة مخاوف من أن يؤدي منح الجنسية لأبناء 60 ألف أردنية أزواجهن أجانب إلى تغيير التوازن السكاني ليصبح أبناء البلد أقلية. وتتزايد تلك المخاوف مع وجود عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين والسوريين في البلاد. لكن الناشطين في هذا المجال يدعون أن القضية تتلخص في عدم المساواة بين الرجال والنساء في المجتمع «الذكوري». وكانت الحكومة الأردنية اعتزمت اصدار قرار تمنح بموجبه أبناء الأردنيات المتزوجات من أجانب حقوقاً مدنية لكنه لم يحظ بالقبول رغم أنه لا يرقى إلى مستوى الحصول على الجنسية، حيث شكل هاجس الوطن البديل هلعاً بين المواطنين من أصل شرق أردني، تمثل بحملات واعتصامات سعيا للحيلولة دون تنفيذ القرار. وحسب معارضين لقرار منح أبناء الأردنيات حقوقا مدنية فهو يأتي كخطوة أولية لمنح الجوازات الدائمة والجنسية الأردنية، وبالتالي سيحدث تغييرات ديمغرافية من شأنها الإخلال بالتوازنات السياسية أو الطائفية، مما يتعارض مع المصالح العليا للأردن وتفريغ فلسطين من سكانها. ويشمل القرار منح أبناء الأردنيات حق المعالجة في مستشفيات وزارة الصحة، والحصول على إقامة قد تصل مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد. وتعمل مؤسسات المجتمع المدني والمدافعون/ المدافعات عن حقوق الإنسان والإعلاميين من أجل حصول النساء الأردنيات المتزوجات من أجانب على حق منح جنسيتهن لأولادهن. ولكن الواضح الآن أن الحكومة تعد بمنح أبناء الأردنيات مزايا خدماتية لا حقوقا مدنية، من أجل حياة افضل، إلا أنه لم يتحقق أي شيء على أرض الواقع حتى هذه اللحظة.
الوضع في سوريا أكثر إيلاماً. أسباب كثيرة تطرح عند الحديث عن تعديل قانون الجنسية رقم 276 لعام 1969 ولكنها في مجملها لا تبرر حرمان المرأة السورية من هذا الحق، فقد سبب القانون الساري معاناة لآلاف النساء وأطفالهن، فوفق إحصائية لرابطة النساء السوريات بلغ عدد السوريات المتزوجات من غير سوري قرابة 100 ألف. وقام العديد من الإعلاميين والحقوقيين وأعضاء مجلس الشعب السوري بحملة تحت اسم «من أجل منح أبناء الأمهات السوريات الجنسية السورية»، بعد أن قوبلت محاولتهن في عام 2009 بالرفض من الجهات الرسمية والأمنية بحجة وجود مشكلة تتعلق بمنح الجنسية للأكراد المقيمين في سوريا، وتبين أن هذا الموضوع قوبل بالرفض عندما تم طرحه من قبل بعض اعضائه منذ خمسة عشر عاماً في مجلس الشعب من بعض أعضائه. ولا تزال الدراسة التي أعدتها اللجنة المكلفة من رئاسة مجلس الوزراء بتوجيه من رئيس الجمهورية حبيسة مكاتب أحدى الجهات الرسمية التي فقدت بموجب الدستور الجديد حقها في التدخل أو إيقاف أي مشروع قرار أو دراسة صادرة عن أحدى السلطات التشريعية أو التنفيذية خصوصاً بعد إلغاء المادة الثامنة من الدستور.
أما في لبنان، فبالرغم من جهود حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي» وحركات حقوقية أخرى مطالبة بحق إعطاء المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها، رفضت الحكومة اقرار قانون حق النساء في منح الجنسية لأسرهن، والذي اسند في ذلك لتوصيات غير موفقة للجنة الوزارية التي تشكلت لدرسه، وبحجة عدم احداث خلل في التوازن الطائفي والخوف من توطين الفلسطينيين/أو الفلسطينيات. وفي كتاب وجهته الى رئيس الجمهورية هذا الشهر، قالت حملة ‹›جنسيتي حق لي ولأسرتي»: «يا فخامة الرئيس، بغض النظر عن الجدل حول مراسيم التجنيس، وبعيدا من الغوص في تفاصيل ظروفها وخلفياتها، حبذا لو جاء المرسوم الجديد كمبادرة رمزية من فخامتك لتسجيل موقف ضد انكار هذا الحق للنساء اللبنانيات، علما ان رفع الظلم الواقع على النساء المتزوجات من اجنبي لا يكرس الا بتعديل قانون الجنسية ومساواتهن بالرجال».
في السعودية تتمسك المواطنات المتزوجات من أجانب بأمل يعيد النظر في تجنيس أبنائهن أسوة بالمواطنين الذكور المتزوجين من أجنبيات، وعلى الرغم من كثرة المطالبات والابحاث، إلاَّ أنَّ هناك العديد من التصريحات لمسؤولين في هذا الشأن تشير إلى أنَّ الوضع لا يزال قيد الدراسة. وبلغت أعداد النساء السعوديات المتزوجات من غير سعوديين في العام 2013 أكثر من 700 ألف امرأة، يمثلن 10٪ من عدد السعوديات، وكانت «وزارة العدل» قد أصدرت في العام 2012 تقريراً في ضوء ازدياد نسبة زواج السعوديات من أجانب وانتشار هذه الظاهرة في المجتمع، إذ كشف التقرير أنَّ 13117 سعودية تزوّجن من أجانب في العام 2012، أيّ بزيادة عن العام السابق له بلغت 8553 حالة، في مقابل زواج2583 مواطناً من أجنبيات في العام نفسه، بحسب صحيفة «الرياض». وتدرس الجهات المعنية مقترحاً – يتوقع إقراره قريباً- إلغاء شرط جد الأم السعودية، وهو الشرط الأبرز لمنح أبناء المرأة السعودية الجنسية بحصوله على ست نقاط، وتضمَّنت اللائحة التنفيذية لنظام الجنسية السعودية لأبناء السعوديات جملةً من التعديلات، من أبرزها أنَّه إذا كانت إقامة ابن المواطنة السعودية دائمة في «المملكة» عند بلوغه سن الرشد، فإنَّه يحصل على نقطة واحدة، وإذا كان يحمل مؤهلاً دراسياً لا يقل عن الشهادة الثانوية يحصل على نقطة واحدة. وصدر قرار لمجلس الوزراء خاص بتنظيم زواج المرأة السعودية بغير سعودي، وينص على منح أولاد المواطنة السعودية المقيمين في المملكة حق الاقامة على كفالة والدتهم، كما لها الحق في إستقدامهم إذا كانوا خارج المملكة للبلد بشرط عدم وجود ملاحظات أمنية عليهم ، وتتحمل الدولة رسوم إقامة أبنائها. ويشترط في هذه القرارات أن يكون الزواج تم بموافقة الجهة المختصة، وأن يكون عقد الزواج موثقاً، وأن تكون لدى أولاد المواطنة السعودية من غير السعودي وثائق تثبت هوياتهم.
زيجات مصالح وتستر تجاري
لفت رئيس اللجنة الاجتماعية في مجلس الشورى الأسبق د.طلال بن حسن البكري، بحسب تقرير اعدته صحيفة «الرياض» إلى أنَّ تيسير زواج الأجانب من سعوديات ساهم في تنامي ظاهرة التستر التجاري، وذلك على خلفية استغلال كثير من أزواج السعوديات لأسمائهن في فتح محال ومؤسسات وشركات تجارية، واستقدام العشرات من العمالة الوافدة، مشدداً على ضرورة قيام كل مواطن شريف بإبلاغ الجهات المختصة عن المتسترين حتى وإن كان زوج مواطنة، حفاظاً على اقتصاد الوطن. وقال أخشى أن يتحول زواج الأجنبي بامرأة سعودية إلى شكل أكثر خطورة من التستر التجاري الحالي الذي تتم بموجبه إحالة المخالفين إلى «هيئة التحقيق والادعاء العام»، مبيِّناً أنَّ مجتمعنا ليس بحاجة لزواج الأجانب من السعوديات أو العكس، مضيفاً أنَّه تمَّ تسجيل حالات زواج أجانب من سعوديات للتنفُّع منهن وإن كانت أعدادها غير كبيرة لكون هذه الزيجات لا تقارن بعدد زيجات المواطنين من أجنبيات، مشيراً إلى أنَّ زواج الأجنبي من المواطنة السعودية يأتي أكثر وأشد ضرراً من زواج المواطنين بأجنبيات، وعادةً ما يعتبر زواج المواطن بأجنبية نوعاً من الحرية الشخصية للفرد.
ريما شري