يُجابه الجهاز المصرفي التونسي تحديات كبيرة بسبب هيمنة المصارف العمومية وتقليدية مناهج العمل، ما جعله عاجزا عن مواجهة المنافسة الخارجية في هذا الميدان. وتملك الدولة مساهمات بشكل مباشر أو غير مباشر في 12 مصرفا محليا ومصرفا واحدا في الخارج هو “بنك تونس الخارجي” ومقره باريس. يتألف الجهاز إجمالا من 23 مصرفا تُقدر مساهمة الدولة فيها بـ39 في المئة، لكن الدولة هي المساهم الأكبر في ثلاثة مصارف رئيسة “الشركة التونسية للبنك” (82 في المئة) و”البنك الوطني الفلاحي” (64 في المئة) و”بنك الاسكان” (58 في المئة)، التي تُعاني من كثرة الموظفين وقلة الجدوى الاقتصادية.
ويعتقد خبراء اقتصاديون أن هذا الوضع ينمُ عن غياب رؤية بعيدة المدى لإنقاذ القطاع والتقليل من أعبائه المالية. ويشيرون إلى أن المصاعب التي يواجهها هي المصاعب نفسها التي تعاني منها باقي مؤسسات القطاع العام، ما يقتضي إيجاد خطة شاملة لإصلاحها والحد من عجزها المزمن. وبالرغم من التفكير في الخوصصة الجزئية أو الكلية للمصارف العمومية منذ عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، تأجل اللجوء لهذا الخيار بسبب اعتراض اتحاد النقابات الشديد عليه.
وفي رأي خبراء مصرفيين أن هذا القطاع يخضع حاليا إلى ثلاثة أصناف من “الجاذبيات” التي تُعطل تحديثهُ، تتمثل الأولى في الإرث البيروقراطي الثقيل، والثاني في الحضور القوي لممثلي الدولة في مراكز القرار، ما جعلهم يُمارسون وصاية شاملة على تلك المصارف. أما الجاذبية الثالثة فتتمثل في مناخ الأعمال غير المشجع على الاستثمار. غير أن خبراء آخرين أشادوا بالدور “الريادي” الذي لعبته المصارف العمومية في إنجاز خطط التنمية خلال العقود الماضية، وتمويل المشاريع الصناعية والسياحية والزراعية، التي كان القطاع الخاص غير قادر على تمويلها. وقالوا إن دور المصارف العمومية كان أقرب إلى الخدمة العامة، منه إلى مقتضيات الإدارة المهنية والشفافة لمؤسسة اقتصادية.
واستطرادا فإن أي محاولة اليوم لتقدير أداء المصارف العمومية ينبغي أن تأخذ في الاعتبار ذلك الدور المحوري الذي قامت به في العقود الماضية. وعلى سبيل المثال مولت “الشركة التونسية للبنك”، التي أنشئت قبل إحداث المصرف المركزي في 1958، جميع المشاريع الصناعية والزراعية، العمومية والخاصة، الموزعة على مختلف المحافظات، قبل أن تُنشئ هي بدورها أذرعا عقارية وصناعية وسياحية تابعة لها. وتُعتبر اليوم أكبر مصرف عمومي. مع ذلك أجبرتها السلطات السياسية في العام 2000 على ابتلاع بنكين تنمويين خاسرين لتفادي إشهار إفلاسهما. غير أن استيعاب موظفي البنكين كان عملية صعبة ومكلفة. كما أن ارتفاع حجم القروض المتعثرة التي منحها البنكان قبل توقفهما أثقل كاهل البنك العمومي الأول، وتسبب في اختلال في قاعدته المالية. أما “البنك الوطني الفلاحي” فتُعزى بعض مصاعبه إلى اضطراره المُتكرر إلى معاودة جدولة الديون التي في ذمة المزارعين في سنوات الجدب. وحملت السلطات البنك أيضا على ابتلاع مصرف صغير هو “المصرف الوطني للتنمية الزراعية”، ما زاد من المشاكل التي يتخبط فيها.
خمسة بنوك عربية
من جهة أخرى يشتمل الجهاز المصرفي التونسي على خمسة مصارف مشتركة مع بلدان عربية أنشئت في ثمانينات القرن الماضي، وهي “البنك التونسي الليبي” و”بنك تونس والإمارات” و”البنك التونسي القطري” و”الشركة التونسية السعودية للاستثمار الانمائي” و”البنك التونسي الكويتي”. وانطلقت هذه المصارف بوصفها بنوكا تنموية، ثم استطاعت أن تتحول إلى مصارف تجارية، بعد سن قانون يُجيز هذا النوع من التحولات في 2001. غير أنها ظلت صغيرة الحجم وتستأثر بحصة هامشية من الجهاز المصرفي لا تتجاوز 5 في المئة.
إلى ذلك يشمل الجهاز المصرفي بنوكا تخصصت في تمويل المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم، وهي أقرب إلى آليات إقراض عمومية منها إلى المصارف، فهي لا تستقبل الأموال من المودعين، ولا تفتح حسابات جارية للزبائن ولا تستخدم دفاتر صكوك. وكثيرا ما استُخدمت تلك المصارف وسيلة للزبونية السياسية في عهد النظام السابق، أسوة بـ”بنك التضامن” الذي يمنح قروضا صغيرة للشباب من أجل مساعدتهم على إقامة مشاريع تُنقذهم من البطالة.
في هذا السياق أممت الدولة بعد انهيار النظام السابق “مصرف الزيتونة” الخاص، الذي كان صهر الرئيس المخلوع صخر الماطري أكبر المساهمين في رأس ماله. وتقدر حصة الدولة فيه اليوم بنحو 70 في المئة.
أما “مصرف تونس الخارجي” ومقره في باريس فأنشئ في 1977 لتنشيط العلاقات التجارية التونسية الفرنسية ومرافقة المغتربين التونسيين المقيمين في فرنسا على إقامة مشاريع استثمارية في بلدهم، وهو مصرفٌ خاضع للقانون الفرنسي. غير أنه لم يُحصِل فوائد منذ انطلاقه، لا بل إن السلطات النقدية التونسية تضخ فيه سنويا أموالا كبيرة بلا جدوى، إذ أنها تُنفق على صرف الرواتب والتخفيف من عجز البنك وغيرها من النفقات الثابتة. كما أن التردد وعدم المضي في تنفيذ خطة إصلاحه بعد انتفاضة 2011 زادا أزمته تعقيدا، ما جعل السلطات الفرنسية تُخضعه لرقابتها، فتضاءلت فرص إنقاذه من إشهار الافلاس.
وحض خبراء على تخفيف قبضة الدولة على المصارف والمؤسسات العمومية، فهي من جهة بين كبار المساهمين في رأس مال تلك المصارف، وهي في الوقت نفسه تمارس عليها رقابة مشددة، ما جعلها مساهما ورقيبا في آن معا. وأشاروا إلى أن غالبية أعضاء مجالس الإدارة في المصارف العمومية يتم اختيارهم من ضمن الأكاديميين وكبار موظفي الدولة، الذين لا يملكون معرفة ميدانية بأوضاع المصارف وأساليب عملها.
شركات خاسرة
وعزت دراسة أصدرها أخيرا “مركز هادي نويرة للدراسات حول التنمية” المصاعب التي تجابهها المصارف العمومية إلى اضطرارها لتمويل شركات عمومية خاسرة ومشاريع غير مضمونة الجدوى، وكذلك إلى سياسة التوظيف الواسع للمستفيدين من قانون العفو العام، وهم ممن لا يستجيبون لحاجات المصارف التجارية لأنهم لا يملكون خبرة بالصناعة المصرفية. في المقابل يقول عارفون بهذا القطاع إن التحقيقات والمحاكمات التي أخضع لها العديد ممن تولوا رئاسة المصارف العمومية في ظل النظام السابق، جعلت الرؤساء الذين أعقبوهم يمتنعون من اتخاذ قرارات أو الموافقة على قروض كبيرة الحجم خشية اتهامهم بالفساد، مُقتصرين على متابعة الملفات المنشورة أمام القضاء والاستجابة لطلبات القضاة.
مع ذلك ما زالت المصارف العمومية الثلاثة، التي تُمثل 35 في المئة من السوق، تستأثر بـ44 في المئة من القروض المعدومة نتيجة سوء إدارة المخاطر وتراجع الثقة بالمستثمرين. كما أن المصارف لم تتعاط بالحزم اللازم مع أصحاب القروض المُتعثرة خلال السنوات الأخيرة، بالرغم من دورها السلبي في إرباك نشاط المصارف. وشكا قضاة من تراكم الملفات في المحاكم طيلة السنوات الأخيرة، نتيجة تكاثر الملاحقات القضائية للزبائن الذين لم يُسددوا الديون المتخلدة في ذمتهم. وقال الخبير المصرفي بسام الجباس لـ”القدس العربي” إن المصارف العمومية خسرت كثيرا من كوادرها المتمرسة على الصناعة المصرفية، ممن غادروا مواقعهم في إطار تسويات، فيما تراجع مستوى التأهيل والتدريب، كما تراجع الانضباط والحزم والدقة، بالإضافة إلى قلة الاستماع إلى شكاوى الزبائن، ما حفز كثيرا من هؤلاء على “الهجرة” من المصارف العمومية إلى المصارف الخاصة. واستطاعت هذه الأخيرة أن توسع من شبكات فروعها في العاصمة والمدن الداخلية، فيما لم تستطع المصارف العمومية افتتاح فروع جديدة.
ويمكن القول إن المصارف الخاصة تكتسح منذ 2011 المواقع التي تنسحب منها المصارف العمومية. ومن المؤشرات البارزة على ذاك التراجع زيادة حجم الودائع التي حصدتها الشركة التونسية للبنك خلال خمس سنوات بنسبة 5.5 في المئة، بينما زادت الودائع في المصرف الخاص “بنك تونس العربي والدولي” خلال الفترة نفسها بأكثر من 44 في المئة.
وتتجه السلطات إلى تخصيص اثنين من المصارف العمومية الثلاثة والإبقاء على مصرف واحد لتمويل المشاريع التنموية، إلا أن هذه العملية تخلو من رؤية شاملة لكيفية التعاطي مستقبلا مع المصارف العمومية، بحسب خبراء مصرفيين. واعتبر الخبراء أن على الدولة أن تجيب على السؤالين المفتاحيين التاليين من أجل ضمان التعاطي المجدي مع القطاع، الأول هو في أي مستوى ينبغي أن تكون مساهمة الدولة في القطاع المصرفي، والثاني ما هي طبيعة الحوكمة المناسبة التي تضمن بها حقوقها كمساهم وتُؤمن قيامها في الوقت نفسه بدورها كمُعدل للقطاع. كما شدد خبراء على ضرورة أن يشمل الاصلاح جميع المساهمات العمومية في المصارف المحلية، وعددها 13 مصرفا، ونصحوا باللجوء إلى دمج المصارف بدل المحافظة على عدد كبير من المصارف الصغيرة. وفي مقارنة مع افريقيا الجنوبية أفاد خبراء أن إجمالي الأموال الذاتية للمصارف التونسية مجتمعة لا يمثل سوى 53 في المئة من الأموال الذاتية لمصرف “ستاندارد بنك غروب” الجنوب افريقي. وأتى البنك التونسي الأول في الرتبة 59 بين البنوك الافريقية. ويؤكد الخبراء أيضا أن عدم وجود بنك تونسي كبير على غرار “التجاري” المغربي، يشكل عائقا أمام انتشار المستثمرين والمجموعات التونسية في القارة الافريقية.
تصنيف “موديز”
في سياق متصل توقعت مؤسسة التصنيف الأمريكية “موديز” أن تواجه تونس “تزايد الضغوط وسط مناخ خارجي غير مناسب”. وخفضت “موديز” في بيان أصدرته الخميس تصنيف تونس من “مستقر” إلى “سلبي”، بناء على ما اعتبرته مخاطر ناتجة عن الهشاشة الخارجية للاقتصاد. وأوضحت أن موازنة الدولة تتأثر بشروط التمويل الخارجي وتقلبات أسعار العملات، لأن 65 في المئة من الدين العمومي مُسعَرٌ بالعملات الأجنبية وبخاصة اليورو والدولار. وتراجعت قيمة الدينار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بنسبة 11 في المئة أمام الدولار و9.2 في المئة أمام اليورو. وأشارت “موديز” إلى أن احتياط العملة الصعبة تراجع بسبب ارتفاع سعر برميل النفط في الأسواق العالمية وتضاؤل إقبال الاستثمارات الخارجية قياسا على التدفقات المسجلة في السنة الماضية.