فؤاد التكرلي قاص وروائي ترك بصمات مهمة في السرد العراقي، بسبب ما تميز به خطه الفني من انتهاج خاص للواقعية، ممتلكا وعيا ثقافيا عاليا والتزاما أدبيا غير متهيب من كسر التابو الاجتماعي، مجربا تيار الوعي ليكون أحد الأسماء الريادية في هذا الاتجاه في القصة العراقية.
ومما تميزت به واقعية التكرلي هو توظيفه لموضوع البغاء في قصصه القصيرة، مرة من منظور فرويدي ومرة من منظور ماركسي وما بينهما، مخالفا ما عُرف في اربعينيات القرن الماضي من انغماس في الواقعية النقدية أو انحدار نحو الرومانسية السوداوية، وما فيهما من تشاؤم ويأس، لينطلق إلى عالم واقعي أرحب مستلهما نوعا من الواقعيات هي واقعية الضمير. وقد عُرفت هذه الواقعية في فرنسا أول الأمر، وهو ما أشار إليه الناقد ديمين كرانت مؤكدا أن «الضمير الذي استيقظ ليجد نفسه يدعى باسم الواقعية قد أفاقه من أحلام الرومانسيين جماعة من الفنانين في فرنسا في أواسط القرن التاسع عشر» موسوعة المصطلح النقدي الواقعية، ديمين كرانت، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، دار الحرية للطباعة.
وما مهمة الأديب في واقعية الضمير سوى قلب العالم، بغية الكشف عن أسرار التجربة الفردية مستثمرا تيار الوعي، وهو ما عمله التكرلي على طريقة موباسان في تصوير عالم البغاء معتمدا شريحة من الواقع المعيش، ومتجها صوب عالم اليقظة مغادرا منطقة الاحلام مستلهما وعيا أسمى من الوعي المألوف، حيث لا تهويمات رومانسية ولا تطلعات طوباوية، نازلا إلى القاع متلمسا صور دستوبية للاستغلال الجسدي، موقظا الضمير الإنساني على حقيقة الواقع المزري للمرأة البغي.
وهذا ما جسدته القصة القصيرة «العيون الخضر» التي نُشرت أول مرة عام 1950، وقد أعادت وكالة الصحافة العربية في مصر نشرها ضمن مختارات قصصية، حملت عنوان «غرباء» عام 2017 . وتتخذ القصة من القطار مكانا سرديا يوحي بدلالات الحياة في سرعتها وعصريتها وتبدلها. والفرد فيها مسافر ينتقل من محطة إلى محطة، ومعلوم أن القطار وُظف كثيرا في القصة العراقية «صفر القطار مرة ثالثة فأسرع البائع الصغير إلى باب العربة وهو لا يزال يعلن عن بضاعته»، ولهذا المفتتح ما يشابهه في قصة قصيرة أخرى عنوانها «قطار الجنوب» لمحمد روزنامجي وقد نشرت في أبريل/نيسان 1954 في العدد الثالث من مجلة «الآداب» اللبنانية.
لا يفارق استعمال اللهجة الدارجة الوصف الواقعي، سواء في الحوار أو في التجسيد للصوت السردي، وهي سمة تميز قصص التكرلي عموما.
ولا يفارق استعمال اللهجة الدارجة الوصف الواقعي، سواء في الحوار أو في التجسيد للصوت السردي، وهي سمة تميز قصص التكرلي عموما. وللحوار دور مهم في تأزيم الحدث السردي وانفراجه مرتهنا بعامل الزمن، والمرأة هي الشخصية المركزية التي عليها يراهن التكرلي في توكيد براعته السردية، متفننا في رسم صور تأزمها في واقع يستغلها أبشع استغلال لأسباب بعضها اقتصادي وبعضها الآخر اجتماعي. ويكون لتوظيف الحوارات الصامتة فائدتان الأولى فنية تحليلية تسبر بواطن الشخصية من الداخل، والثانية ثيماتية تعكس حالة الانكسار الذي لا يسمح للشخصية بالتصريح إلا سكوتا، «كان القمر بدرا يتوسط صفحة السماء ويسبغ على الأرض لونا هادئا محببا وكانت المناظر تركض أمام نظرها غير واضحة المعالم، وأنوار بغداد البعيدة تلمع كالجواهر الحمراء بغداد كم أحبها». وهو يختار من النساء فئتين عمريتين الشابة، والكهلة، الأولى لأن الظروف تقسو عليها طمعا في جسدها، والثانية لخبرتها التي هي وسيلة فعالة في اصطياد الفئة الأولى وجرها نحو الرذيلة.
وبواقعية الضمير تكشف لنا قصة «العيون الخضر» واقعا مريرا للمرأة/ البغي في صورة مستلبة لا مجال فيها أمام الأنثى إلا الاستسلام للقدر والاقتناع بالمصير المأساوي المرسوم لها.
وقد جاء التمنهج بهذه الواقعية من زاوية نظر ذكورية تريد من المرأة أن تكون متأزمة ومهزومة ليست لها طاقة على التغيير. ولو أوكل التكرلي إلى الشخصية المؤنثة أن تسرد قصتها بوجهة نظر ذاتية، لا يتدخل فيها السارد العليم، لربما ارتفع بالشخصية ولرسم لها حلولا واقعية تستشرف لها حالا أفضل مستقبلا، لكن الرؤية الذكورية هي التي وجهت القص هذه الوجهة الواقعية التي وفقها كتب التكرلي قصته جاعلا من العيون الخضر ثيمة وغاية معا، فالعيون ترنو متطلعة إلى عالم تريده أخضر، بينما هو يغوص في سواد حالك «كانت عيناها واسعتين بأهداب سوداء طويلة أغرقهما حزن موجع فتبللت أطرافها بدموع لامعة».
وبسبب هذا التناقض الذي تعيشه الشخصية (سليمة) بين ما تتطلع إليه بسعة العينين وما تراه أمامها من حزن ووجع، يزداد تأزم حياتها، ومن ملامح هذا التأزم شعورها بالكراهية لما حولها فتتذمر من حالها وتغدو كئيبة غامضة متضادة، تجمع الجمال الأخاذ ظاهريا بالسواد القاتم داخليا، حتى الطبيعة الخلابة تصبح في نظرها خرابا وبعثرة. والزمن هو مأساتها وليس المكان، فالزمن خانها حين كانت صغيرة ولم ينصفها في كبرها حين امتهنت البغاء قسرا ملبية ما أرادته منها سيدتها العجوز لتدخل عالم الرذيلة إلى الأبد. وهذا ما جردها من نزعة الحب ولم يبق لها سوى نزعة الكراهية لكل ما هو ذكوري «خضوع مطلق تجرد كامل من كل عاطفة» ويدعم السارد العليم ذلك باللهجة الدارجة «مكدرت إلا أكرهم أموت منهم»، أو بالجمع بين الدارج والفصيح معا «إذا أحببت من دنياي شيء لازم أحب بغداد».
وهذا التوظيف اللساني مع استعمال الأوصاف المتميزة بالبساطة والشفافية، قد حقق مزيدا من الرسم الواقعي لأزمة الضمير المؤنث وما يعانيه من مشاعر الوحدة والتقوقع في عالم موحش قصي، ليكون الذهول هو الفعل الوحيد الذي تستطيع الشخصية أداءه، وهو ما كان نجيب محفوظ قد برع براعة كبيرة في توظيفه في كثير من قصصه ورواياته الواقعية بتكنيك فني عال وواع.
وسير القطار مسرعا من محطة إلى أخرى هو معادل موضوعي لحياة سليمة البائسة التي لا استقرار فيها منتقلة عبرها بلا أمل. والرجل في كل المحطات خاذل لها وحتى ذلك الذي بزغ في حياتها نورا سرعان ما ينطفئ بريقه حين تجده عاجزا عن إنقاذها من مأساتها، ليكون مثلها سلبيا ليس أمامه إلا البهتان والذهول فتعود شاعرة بلا جدوى حياتها. وهذا ما ينعكس على الموجودات من حولها أحياء وجوامد.
تجاوز التكرلي الاتجاه الواقعي الذي عرفناه عند محمود أحمد السيد وذي النون أيوب وعبد الحق فاضل.
ويعمل السارد العلّام ـ الذي يتميز بوظائف أكثر من سائر الساردين الآخرين وهو ما سبق أن بينا وظيفته في مقالة موضوعها (فطومة) لعبد الملك نوري ـ على الجمع والتعشيق بين دواخل الشخصية اليائسة وواقعها الخارجي المظلم والمجهول «كانت صورتها في الزجاج شاحبة تعبر عن يأس من الحياة ومن الموت.. كانت الأرض مترامية موحشة رمادية والسماء رحيبة ذات لون شفاف.. وكان القطار يشق طريقه مندسا في طيات الظلام الناعمة مندفعا نحو أفق بعيد مجهول»، ويجعلها هذا السارد ترى في المرئي ما هو غير مرئي ومن ذلك أنها تجد في الرجلين اللذين يجلسان قبالتها في القطار(الرجل الكردي والعريف الطاووس) شريط حياتها فتفيض دموعها وبمشاعر حانقة وغاضبة تتمنى لو أنها تقوم وتسدد لهما لطما بيديها، وهذا التوتر العصبي والاهتياج النفسي يحطم دواخلها فيمتد حنقها إلى سائر الموجودات من حولها، فترى النساء الأخريات مثلها ذاويات هالكات» كردية شابة ممصوصة الوجه خائفة النظرات وهي تضع في فم طفلها ثديا ككيس اللبن اليابس»، وتكون نتيجة هذا التأزم النفسي أن تصبح سليمة ذاوية جسدا وروحا حتى لم تبق منها إلا عيناها الخضراوان «دنياي المابيها معنى» وهنا يعمل توظيف اللهجة العامية على جعل تيار الوعي منطقيا ومسوغا تتساوى فيه الشخصيات الهشة والشخصيات المعقدة.
وبهذه الرؤية السردية تجاوز التكرلي الاتجاه الواقعي الذي عرفناه عند محمود أحمد السيد وذي النون أيوب وعبد الحق فاضل، ليتابع عبد الملك نوري في توظيفه الاتجاه التحليلي واستعماله السارد العلام، متخذا من واقعية الضمير منهجا موضوعه المرأة، موظفا ما لديه من ثقافة ادبية وتجربة حياتية لتكون قصصه ذات بطولات نسوية بواقعية ضمير معذب وبراعة فن أضفت على السردية العراقية ميزة جديدة محركة الراكد منها مهيئة الأذهان للانتقال من مرحلة التأسيس الفني صوب الدخول في مرحلة التبلور السردي التي فيها سترود السردية العراقية بالوعي الفني لفؤاد التكرلي وعبد الملك نوري وغائب طعمة فرمان مراتع جديدة ملائمة وخصبة خلال العقود الثلاثة اللاحقة لتصل بعد ذلك إلى مرحلة التمكين السردي اجتراحا وتجريبا.
٭ كاتبة عراقية