إنشائية الألم في ديوان «خدوش عميقة في السكون» للتونسية فضيلة الشابي

حجم الخط
0

■ بهذا العنوان أطلت الشاعرة فضيلة الشابي من جديد معززة رصيدها الشعري والأدبي موغلة في خطها الشعري التجريبي ومسيرتها الباحثة، الحافرة في اللغة التي بدأتها أواخر الستينيات باعتبارها من مؤسسي حركة الطليعة الشعرية ومن رموزها، إلى جانب الطاهر الهمامي ومحمد الأزهر الزناد، ثم أخذت منحى خاصا تواصل على امتداد عقود تنوعت فيه تجاربها ومغامراتها اللغوية والأدبية، إذ نوعت في لغة شعرها وفي الأنواع الأدبية التي كتبت فيها، فأصدرت أعمالا روائية وقصصية مختلفة، وأثرت المكتبة بحوالي أربعين كتابا كان أولها «روائح الأرض والغضب» الذي صدر لها في بيروت مطلع السبعينيات…
«خدوش عميقة في السكون»:
أمام هذا العنوان في ليل خريفي معتدل، أمام نخلة عتيقة وشجرة تين عجوز، على مقربة من منضدة سجائر تحتشد فيها أعقاب السجائر وموسيقى منبعثة من الإذاعة في بهو منزلي أو مقهاي الصغير الذي أغرمت به طوال الأشهر الأخيرة، وأستعد بمرارة لوداع سهراته قريبا منتظرا أن يعود إيار… يتسرب إليّ السكون…سكون الدهشة والتفكير أو «التدبر» مثلما يقول بعضهم… هل يكفي أن أستعيد مقولات عتبات جيرار جينات ووظائف العنوان وتوصيات علم العنونة لأكون قد قرأت هذا العنوان واحتفيت به؟

رد فعل الشاعرة عن واقع تونسي مزعج وتعبيرا عن حيرة واسعة وعميقة تراود التونسي الحالم بالطمأنينة والأمل المصطدم بحوادث كثيرة مؤرقة للذهن.

العنوان الرئيس خطاب واصف للنص يستبق ما سيرد بين طياته ويلعب وظائف متنوعة في علاقته بالنص… هذا ما تعلمناه من الباحثين والنقاد. لكن ألا يمكن أن نقرأه باعتباره نقطة وصل بين الخارج النصي والنص، أو بين الواقع الخارجي والنص الأدبي؟ ألا يكون لا مجرد عنوان للنص، بل عنوانا للحظة الخارجية؟ ألا يكون العنوان تلك النقطة الواصلة التي بين الواقع والأدب والتي فيها يقف الكاتب؟ ألا تكون هذه»الخدوش العميقة في السكون» كتابة للحظة التونسية وما فيها من قلق وأسئلة؟ ألا تكون هذه الخدوش العميقة مرادفا لجراحات اللحظة وانكساراتها؟ وألا يكون هذا السكون لحظة انتظار المصير وهي اللحظة المهمة قبل الحسم؟
ألا يكون السكون تعبيرا عن احتضار الأحلام أو سكون المحتضر قبل الموت، ولعله برزخ على تجربة الشاعرة وإطلالة على تجربتها الصوفية التي تعتبر من ملامح كتابتها الشعرية،
بهذه الأسئلة أدخل هذا النص الشعري الطويل الذي ورد في أكثر من ثمانين صفحة…
انحرافا عن السؤال:
تضيعني ذاكرتي حينا وتبعدني عن أسئلتي وتوقعاتي ومديح الظل العالي لمحمود درويش يقفز إلى ذهني نصا غائبا… لست أدري لماذا ولست متأكدا من مزاعمي؟ قد تكون ذاكرتي تفطنت إلى هذا التناص وقد تكون مجرد وسوسات وعندئذ لن يشفع لي غير عرض طرح جديد يحور مفهوم التناص الذي نحت أركانه باختين وجوليا كريستيفا وجينيت، متفقين على كونه إحضار الكاتب لنص سابق داخل نصه الجديد.. لعل المفهوم يتسع ليشمل الأصداء القديمة التي تحضر إلى القارئ أثناء قراءة عمل جديد وقد تكون مجرد أطياف أو أشباح في ذهنه. لا أعرف تحديدا ما الذي جعلني الآن أقرأ متذكرا مديح الظل العالي… لماذا يقتحم صوت محمود درويش قراءتي؟ هل هو فزع المكان في النصين؟ هل هو التشابه الخارجي في الحجم وطول النص وغياب عناوين داخلية فاصلة باعتبار هذا العمل يتسم بالاسترسال وغياب العناوين الداخلية؟ هل طريقة الكتابة وبنية الجمل وتقنية إيقاع التكرار؟
*فر طائر الحمام
فرت اللحظة
حط المكان بكلكله على الغيابات
*على الروافد توقفني الجملة وتلك الانحرافات
مرة تسمع فرح الأشجار بوح الحدائق
مرة حيرة القلب طائر جريح
مرات تتكسر الحروف حتى لا مكان للدهشة
إيقاع التكرار الذي صنع شيئا من إنشائية مديح الظل العالي يصنع إنشائية هذا العمل كما تكشف لنا المقاطع المختارة. هل هي هذه الحوارات المباشرة داخل القصيدة الديوان هي التي وضعت أمام ذاكرتي مديح الظل العالي؟
– من أنت؟ أسمعك تسألين
– أنا المحب أنا البعد يصرف أبعاده في رؤاك
أو:
-هل ذا صوتك يخترق الأنقاض
– مدي لي يديك يا حبيبتي لندخل إلى حلقة المصلحين
– مد لي يديك يا حبيبي لنقف صفا صفا واحدا ضد وهن النفوس
أو «قال الطفل للطفل:
غضبت الأرض هدمت جزءا من المدينة الناس تحت الأنقاض
– الزلزال
أرواح الموتى كبتلات زهر اللوز ترف
الضوء القمري الحزين يضيء البكاء
هل هي المناخات والرموز الشعرية التي خيمت على العملين؟
أأخذتني صورة الحمام والقارب إلى صورة البحر والقلاع والهجرة الأخرى و«نامي صغيرتي»:
«قاربي يتهادى على بحر ذي هدوء مريب
أختي السوداء تلوح لي بيديها مودعة على القارب الآخر
لقد انزاح بي مديح الظل العالي إلى التناص أو التفاعل النصي في هذا العمل، وهذا ليس بغريب عن تجربة الشاعرة فضيلة الشابي التي تنخرط في كتابة النص الشعري المفتوح على التجارب اللغوية من سيريالية وصوفية ورومنطيقية وغيرها… (ولعلي أجد نفسي خاضعا لمقولة جينيت عن مفاجآت البحث وعن اللا منتظر الذي يعترضنا فجأة)
خطاب الشعر على الشعر:
أعود إلى سؤال الخدوش المحيرة، هذه التي لا تفعلها الأظافر وإنما تنسجها الكلمات، فالخدش رد فعل الإنسان في لحظة الألم والانكسار واللوعة والقهر. ولعله رد فعل الشاعرة عن واقع تونسي مزعج وتعبيرا عن حيرة واسعة وعميقة تراود التونسي الحالم بالطمأنينة والأمل المصطدم بحوادث كثيرة مؤرقة للذهن. فجاء هذا الديوان مليئا بالانكسارات والصرخات وجاء حاملا لإحباطات شاعرة تشعر بالاختناق والحصار… تحيلنا على ذلك المقاطع الميتا شعرية المتناثرة التي تندرج في باب خطاب الشاعر حول ذاته وشعره فها هي الشاعرة مشمئزة:
للنص الشعري الرائحة ذات الندرة
للنص الشعري الرائحة ذات القدرة
ليس لهؤلاء الرجال من رائحة
تقول الشاعرة بحزن وهي تنأى بالمسالك المؤدية
إلى الشجر الأسود
وها هي تشتكي من الحصار والقمع:
تخيفني الكلاب السائبة تطلق أثري
حتى لا أقرأ أشعاري على الأطفال المنقطعين عن الدراسة
على الأمهات الثكالى
على الشجر المحروق
خطاب الشعر على المكان:
ليست الخدوش ذاتية ومقتصرة على الخطاب الواصف بل تتصل بالبلاد وواقعها فتعج القصيدة بالتذمر من الراهن وبكاء البلاد والتوجع عليها. فتصرخ ضد الإرهاب:
أنقذونا من ذا الإرهاب الحيواني
وحيدة تمشين في أنهج الإسمنت
في الزمن الإسمنت
الكلاب السائبة تشمم خطاك
لا أحد يرافقك على الجسر
لا أحد في النفق
في مدينة الانتقال الديمقراطي
وتصرخ ضد الضياع السياسي وترسم أكثر من مرة لحظة انطفاء الأمل من خلال استعادة صور الطفولة المنكسرة:
تخيفني الكلاب السائبة في ليل السياسات
تقطعت أرجل الشوارع
تهشمت أضلع لأنهج ومسارب
على الشعاب تألب شوك
بالأنفس فقر
طفل يسأل السحاب لم وجه المدينة شاحب

وتبكي البلاد وحرائقها:
أبكيك يا نخلة بواحات الجريد تحرق
وترسم حالة الشعب:
على الشواطئ بالأرياف والمدن صبر شعب يجمع فتات الأمل…
يتشبث بالنخل والزيتون وبالنبل القصي
ولعلها تسائل اللحظة الثورية التي انقلبت حيرة:
أثورة الوجدان تحرك الأنفاس بالنفس العليلة
أم خمود نيران تحت شمس صيف مستبد
وهكذا فهذه المطولة الشعرية تغرق في كتابة أسئلة الراهن مطلقة صرخات عديدة ولعلها بذلك تستفز مفكري ومبدعي البلاد للخروج من سكونهم وصمتهم ولا مبالاتهم. فالفعل الثقافي المهمش بطبعه لم يرتق إلى طموحات اللحظة.
ولقارئ هذه القصيدة الديوان أن يتبين هذه الصرخات ويكتشف ما فيها من جماليات سكتنا عنها في هذا المقال نظرا لضيق المساحة…

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية