فيلم (Blended ) لـ آدم ساندلر: حبكة شديدة التقليدية وسيناريو يعتمد مبدأ المصادفة

حجم الخط
0

القاهرة ـ من إسراء إمام: الكوميديا على وجه الخصوص من الفنون العصية، لا تسلم مقاليدها لذات الشخص دوما، تتحرر من وصية الفرد، تلفظ الأسماء والألقاب والمكانات والنجاحات التى ولت، مهما بلغ أوجها. الكوميديا، كالفرس الجامح الذى يحتاج لخيّال عليم بمواطن قدراته، يقوى على مجاراته، ولا يغتر بقيادته، لأنه يعي جيدا أن خطوات خيله المتبخترة، ماهى إلا عواقب إجتماع شريكين، مهارته وأصالة مهره.
نجوم نادرين هم وحدهم من على دراية بهذه الحقيقة، الكل قادر على الإستمرار، ولكن وحدهم قادرون على التميز، هم وحدهم يجبروننا على إبداء التقدير والحب لما يقدمونه، حتى وإن لم نملك من ذات المشاعر ما نكنه لشخوصهم، ومنهم «آدم ساندلر»، فهو النجم الذى قد لا يجتمع الكثيرون على حبه (فى المجتمعات العربية)، ولكن قد لا يختلف الكثيرون حول ما تخلقه أفلامه من حالة متفردة للبهجة، فـ «آدم ساندلر» لا يهتم بكاريزماه الخاصة بقدر حرصه على هذه الملامح المعينة التى يتميز بها فيلمه، هذه السمات التى تمنحه دفئا وإنسانية والقليل من المشاعر المطبوخة على مهل، كبركان يتأنى فى ثوراته فتتوغل زوبعاته وجلباته.
الحبكة
كعادته يعود «ساندلر» فى فيلمه «blended» بقصة تلائم وضعه وعمره، حبكة شديدة التقليدية والبساطة، والرهان يتوقف على طريقة معالجتها، إنه الرجل الذى يفقد امرأته بعد مرضها، ويتولى من بعدها رعاية فتياته الثلاث فى غمار الصراع المعهود بين الرغبة الفطرية فى مواصلة الحياة، والألم الواقف على مبعدة إن قرر هو إكمال المسير وتجاوز كل من قصة حب دُفنت مع زوجته، وشكل حياة اعتاد عليها هو وأولاده من بعد رحيلها. على الصعيد الآخر تقف المرأة التى قرر مواعدتها «درو بارى مور» بنفس الظروف تقريبا فيما عدا أن الشبح الذى لا تقوى على الفرار منه هو صورة من نفسها، فى وقت أذّلها فيه زوجها وسدد لها ضربة الخيانة.
السيدة «لورين» لديها ولدين، والسيد» جيم» هو من يمتلك الفتيات، فحتما الوضع لديه هنا الكثير من الدوافع ليسوء، على العكس من المفاهيم الشائعة- حتى فى الغرب- بأن الأب هو الأقرب لإبنته والأم هى الأقرب لولدها، كانت الركيزة الأساسية لإنسيابية الموقف فى الفيلم، فـ «جيم» يخفق فى التعامل مع أنوثة فتياته لدرجة تُعجّزه عن مد آفاق تواصل صحيحة بينه وبينهن، والأمر كذلك مع «لورين». ومع إيمان كليهما بواجبية حصول أطفاله على 99 % من وقته، تتفاقم فقاعات مشاكل التواصل فى منزل كل منهما، بما يضغط على مزاجيتهما العاطفية، ويدفع بكل منهما لكى ينفر من الآخر فى موعدهما الأول والذى قررا أن يكون الأخير. إنها النتيجة المنطقية التى لابد وأن تقودهما إليها الطريقة التى إختارا أن يعتاشا بها. وهو المنطلق الذكى الذى قرر أن يقف السيناريو على أرضيته، فالعقد الذى سيربط جيم ولورين فيما بعد لا يتوقف عليهما فحسب وإنما تضمن أسرة كل منهما كاملة. هى ليست مشاعر تجمع بين شخصين، وإنما سعادة تألفت عليها قلوب الجمع من الأسرتين. هو ليس حب، بل وصفة نادرة لرسم إبتسامة مطمئنة على أكثر من وجه.
من بعد اللقاء عاثر الحظ، يرسم القدر للورين وجيم طريقا آخر، لا ينغلق على مساحتهما الهزيلة، وإنما يتمدد ليسع ثقل حِمل أعبائهما الأسرية. فالقرب الذى خلقه السيناريو بينهما، بدأ من نقطة البُعد. والسكينة شملت وجودهما من أشرس مكان للفوضى بحياتهما.
السيناريو
إختار السناريو أن يصبغ كل تطور فى الحدث بصبغة منطقية، قد لا تصادفك بسهولة فى مثل هذه النوعية من الأفلام، ولكنها تجد مكانها فى معظم الأحيان بأفلام «ساندلر»، حتى فى أكثرها جموحا بالمخيلة مثل فيلم «click». فأتفه التفاصيل لها مسبباتها وملابساتها المقبولة. وإن قامت فى أساسها على مبدأ المصادفة الذى طرحه سيناريو « blended». فـ «جيم» و»لورين» يتورطان معا فى عطلة بأفريقيا مع العائلة، رحلة يلتزم فيها كل منهما بالتواجد قرب عائلة الآخر، وقد أعد السيناريو لذلك جيدا، بحيث لم يبدو الأمر كما نعهده دوما فى أفلام شبيهة، تجيد تمرير هذه النوعية من المصادفات بالتساهل الذى يتعجل زيفها.
ولأن الأمر لا يتوقف على جيم ولورين كما ذكرت سابقا، برزت المساحة التى أعدها السيناريو لشخص كل من الأطفال، بداية من أصغرهم لأكبرهم. وامتدت الخيوط لتُبين أبعاد المشكلات التى جمعت بينهم وبين آبائهم، لتكون فى حد ذاتها ذريعة جيدة لتقريب المسافات ببديهية منمقة ومستساغة.
فـ «لورين» تقبلت هذيان فتاة جيم الصغيرة بمصاحبتها لشبح والدتها أينما ذهبت، ودلت الفتاة الكبرى على طريق أنوثتها، بينما كانت دون أن تشعر أما للطفلة الأصغر بناء على ندائها الرقيق والمتوقع جدا، فالسيناريو هنا تولى خارطة التعامل بين لورين والفتيات بعناية، لم يتغافل عن إحداهن، وخلق لكل منهن دافعا لائقا لكى تتعلق بهذه المرأة الغريبة، والتى لم يجمع بينها وبين أبيهم سوى بعض المشاكسات التى لا تشى بأى تفاهم. وكذلك الحال مع جيم، صوب صبية لورين. فهو بشخصه البدائي، يجد طريقا أقصر لهمجية هؤلاء الصبية. يشاطرهم طفولتهم وشيء من ذكورتهم. ولم يتناسى السيناريو حتى على أن يجعل من تقرب جيم لهؤلاء الصبية مجرد شكل من أشكال رد الدّين للورين، وهو مما يتلائم أيضا مع شخصية جيم، فهو لا يفطن للأشياء بتلقائية، ثمة الكثير مما يفتقر إليه ولكنه يتناسب مع هوجائية الصبية.
على هذه الوتيرة المحسوبة جيدا يسير السيناريو، يصيغ لكل موقف بحساسية الإتقان، ويتتبع التفاصيل الإنسانية خالقا منها مفارقات كوميدية جديرة بالإعجاب، وايقاع رشيق لم ينفلت أبدا.
مبالغات
على قدر جمال الفيلم وتفرده، يأتى تشبثه بهذه النزعة الصبيانية التى تسطير على الأفلام من نوعه، فتظهر عثرة التمادى بالإيفيهات الجنسية إلى حد الإبتذال، والحفاظ على نوع معين من التفاصيل لا يأتي فى طرحه بأي جديد، بل يضعف من موقف الفيلم، وتناوله الحميمي لمشاعر عائلية.
تجد ذلك متمثلا فى تواجد زوجين غريبى الأطوار، لا يفوتان بعض لحظات إلا ويخوضان فى مسألة الجنس قولا وفعلا، مما يخدش مبدأ المنطق الذى تحدثنا عنه سابقا، ليبدو الفيلم فى أوقات منه مصنوعا منسوخا من إخفاقات سابقة لمشاريع فيلمية باهتة. نفس الأمر ينطبق على وجود الفرقة الأفريقية التى تواجدت أينما ذهبت العائلة لتترجم حال مشاعرهم.
آخر كلمتين:
نجح السيناريو فى أن يخصص حيزا ملفتا لصديقة البطلة، بحيث أجاد تحديد دائرة وجودها وجعل من تفاصيل حياتها الخاصة خطا يستدعى الضحكة ويثير الفضول، بينما أخفق على الصعيد الآخر مع صديق البطل، الذى فى ظهوره القليل، بدا معتوها لا يوجد أي ثمة داع لتواجده من الأساس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية