“الرجل البرتقالي” ليس “أسّ البلاء” في السياسة الأمريكية… مايكل مور يعَرَضُ عقودا من فساد “الدولة العميقة”

حجم الخط
7

كما لو أنه وحده سلطة رابعة في مواجهة تحالف شيطاني من النخبة الأمريكيّة بأجنحتها المزعومة، التي أفرغت العمليّة الديمقراطيّة من معناها وألقت بعنتها وجشعها على أمم الأرض الفقيرة منها قبل الغنيّة.
شق مايكل مور، صانع الوثائقيات الأشهر في العالم قاطبة والمثقف الأمريكي المشاغب مكانة خاصة له في فضاء الحياة الأمريكيّة المعاصرة فهو وبكل إنتاجاته البصرية تقريباً، يلتقط تناقضات العيش في القارة الهائلة المسماة الولايات المتحدة ويعرّي فساد تحالف السلطة والمال، وقد كان الصوت الأعلى في إدانة جمهوريّة جورج دبليو بوش من خلال “فهرينهايت9/11 ” (2004) الوثائقي الأنجح تجاريّاً في تاريخ العالم.
لذا كان الجميع بانتظاره بعد اللحظة الترامبيّة الفاصلة في تاريخ الغرب المعاصر ليكشف ويحلل ويسجّل الظاهرة برمتها لا سيّما وأنّه كان من ندرة المثقفين الأمريكيين الذين تنبأوا بوصول الرّجل البرتقالي إلى البيت الأبيض.
وبالفعل لم يتأخر مور عن جمهوره، إذ أطلق الشهر الماضي وثائقيه الجديد “فهرينهايت 11/9″ مستبدلاً تاريخ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، الذي كان خلاصة رمزية لمرحلة بوش، بتاريخ التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني، أي ليلة فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكيّة الأخيرة (2016).

الترامبيّة و”الدولة العميقة”

الذين توقعوا من هذا المولود، الذي أُطلِق في فضاء الإعلام، هجوماً قاسياً على ترامب يُشفي غليل نصف الأمريكيين وثلاثة أرباع سكان المعمورة على الأقل، سيتجرعون الدهشة، بأن الرئيس الأمريكي المثير للجدل ليس إلا شخصية ثانوية في “فهرينهايت 11/9”.
فمور اختار واعياً تجنب الوقوع في فخ الشخصنة بالتعامل مع ترامب وكأنّه “أس البلاء” في السياسة الأمريكيّة، واختار – كما قلّة من المثقفين الأمريكيين الحقيقيين – البحث في المناخ وربما الأشخاص الذين كانوا وراء تكوّن الظاهرة الترامبيّة بمجملها، جاعلاً الرئيس الذي يمارس سلطته من على منبر تويتر مجرد عَرَضٍ لمعضلة عميقة ومتجذّرة في منظومة الهيمنة الأمريكيّة منذ عقود طويلة.
هذا الموقف الفكري المتقدّم لهذا المتبصر في فضاء الصورة، يكشف بمعنى ما أن السياسة التي تتبعها النخبة الأمريكيّة – حكماً ومعارضة (شكليّة) معاً وتنخرط فيها أدوات إعلامها -، تتبنى وبشكل مدروس استبدال كل تعقيدات المشهد الأمريكي المتردي في شخص رجل واحد، جاعلة منه رمزاً لكل شرور العالم، وهي بذلك تحقق غرضين، أولهما إخفاء حقيقة منظومة الهيمنة التي تمسك بمقدرات الدّولة الأمريكيّة وصناعة الفساد الممنهج المرتبط بها، وثانيهما تبييض تاريخ تلك النخبة المشين – أمريكياً على الأقل – في مرحلة ما، قبل ليلة انتخاب ترامب وتحويله إلى ما يشبه عصراً ذهبيّاً ماضياً، اضمحل دون مقدمات ليلة التاسع من نوفمبر الحالكة وضحاها.

عن الشخصنة التي أنقذت
الإعلام الأمريكي مؤقتاً

وبالفعل فإن المطلعين على الشأن الدّاخليّ في الولايات المتحدّة، يعلمون أن سياسة الشخصنة التي هي محض أسطورة مسطحة، تمنح النخبة الأمريكيّة قوّة هائلة للتغطية على معاناة ملايين الأمريكيين العاديين قبل ضحايا إمبراطوريّتهم في ما وراء البحار، وهي سياسة مثلت حبل النجاة لغالبية الإعلام الجماهيري المعاصر، الذي فقدت بيوتاته الكبرى تحديداً مصداقيتها وعزف الناس عن متابعته، وعسانا لا نغفل عن الإعلاميين المتاجرين بالفضاء والصورة عبر نشر الكتب والمقالات أو تقديم البرامج الساخرة التي تدرّ الملايين.
“فهرينهايت 11/9″ كشف أوراق هذه الشبكة المتداخلة وراء ذلك (الترامب)، الذين منهم خلف الكواليس في السلطة أو أولئك خارجها، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. وهو لذلك أغضب الجميع معاً: ترامب ومعسكره والجمهوريين، والديمقراطيين، وحكام ولايات منتخبين وآخرين سابقين وصحافيين وزوجات سياسيين وغيرهم.
يُستهل”فهرينهايت 11/9” بمشاهد خاطفة عن الصعود المفاجىء لترامب، ثم يُسارع إلى طرح سؤاله المركزي: “كيف وصلنا إلى هنا؟”. وللإجابة، يستكشف عدة زوايا للحدث، تسلّط الضوء الفاقع على شبكة عوامل تراكمت فأوصلت الأمريكيين لانتخاب شخصيّة من خارج الطبقة السياسيّة، كفعل احتجاج من صيغة أقل الإيمان، على الفشل الذريع للمؤسسة الحاكمة، في إدارة وتحسين حياة المجتمعات المحليّة الفقيرة والمهمشة والمستبعدة من خيرات الإمبراطوريّة، لا سيّما بعد الفضائح الفجة في إنقاذ البنوك والأثرياء من جرائمهم الماليّة البشعة التي تسببت بالأزمة الماليّة العالميّة 2008.

صراع طبقي أم عرقيّ: النتيجة واحدة

يُظهر الوثائقي الجديد أن الصراع السياسي الدّاخليّ، ليس بين جمهوريين وديمقراطيين، كما يُراد أن نرى الأمور، بل هو صراع بين النخبة المهيمنة وحزب الشعب الذي لا يذهب للتصويت. ويزور صانع الصورة الأخطر (مور) مناطق عدّة تعرضت لمصاعب حقيقيّة مثل بلدة فلنت، التي عانت من تسرّب مواد خطيرة إلى شبكة مياه الشرب، واكتفت إدارة الرئيس أوباما السابقة بالتظاهر العلني بحلّها، دون تقديم أي عون للسكان المحليين فور إطفاء الكاميرات ومغادرة الموكب الرئاسي للموقع موضع الزيارة.
ويتحدث بعض السكّان أمام كاميرات تعبُرُ “بالزوم” إلى دواخلهم لتقتلع أحزانا عميقة، تذهب بمجتمعاتهم إلى الامتناع عن التصويت والانتخاب بعد تجربتهم المريرة مع أوباما.
هذه الخيانة المؤسفة تسببت بفقدان القناعة بالعمليّة الديمقراطيّة برمتها في أذهان ملايين الأمريكيين الفقراء سواء من ذوي الأصول الأفريقية أو زملائهم الفقراء أيضاً من الطبقة العاملة ذات البشرة البيضاء. عند مور فإن فشل أوباما – ومرحلته – هو تماماً ما شرّع الباب على مصراعيه لصعود الرئيس ترامب الأسطوري، لا الهاكر الروسيّ ولاغيره مما تسوقه وسائل الإعلام تخرصاً.
ويشكك مور من خلال شهادات لأمريكيين كانوا قريبين من صنع الحدث لا سيّما في الانتخابات التحضيريّة لاختيار مرشح الحزب للرئاسة وقتها بالمؤامرة الفجة التي أُقصي من خلالها المرشح الاشتراكي النزعة بيرني ساندرز بصفاقة رغم رجحان كفة أصواته على مرشحة المنظومة – هيلاري كلينتون – لمصلحة الأخيرة.
ولا تكاد مسرحيّة التدخل الروسيّ المزعوم في الانتخابات الأخيرة تأخذ حيّزا ذا قيمة فعليّة، مكتفيا بالمرور عليها مروراً خاطفاً لتسجيل الموقف فحسب دون الشروع في جدالات عقيمة، وهو يعكس بالتأكيد قناعة لا تتزعزع ببطلان استخدام روسيا كمشجب كلما أرادت النخبة الحاكمة التغطية على تلاعبها بالأمور.
وعلى ذكر المسائل العرقيّة فإن الوثائقي يطرح ما مفاده بأن اليأس وحده هو ما يجمع بين المجموعات العرقيّة الأمريكيّة التي تتفاوت ألوان بشرتها وكثيراً ما تنتهي منعزلة في مساحات جغرافيّة أشبه بالكانتونات.
هو ذات الأمر تماماً سواء كنت تتحدث عن الأفارقة الأمريكيين أو عن حال زملائهم العمّال من ذوي البشرة البيضاء. وقد دعا أحدهم مور للذهاب معه ومشاهده الأوضاع البائسة في مناطق سكنى الأطفال المحليين، وأقسم له بأنه سيحظى بمشاهد وخبرات أسوأ مما كان يراه أثناء خدمته خلال حربي العراق وأفغانستان.
مع ذلك فإن العمل الذي انطلق كما صاعقة بصرية يرى في انتخاب ترامب رئيساً، مسألة قد تُحاكي بعض مفرداتٍ إيجابية، لناحية كونها جرس إنذار ينبه الشعب الأمريكي إلى طبيعة نخبته الفاسدة، ومن ثمّ تحليل أسس الهيمنة التي قامت بموجبها تلك النخبة خلال عقود بإنتاج الظروف الموضوعيّة والتشريعيّة لظهور شخصيّة منتفخة مثل ترامب – وغيره من المشاهير الفارغين -.
“فهرينهايت 11/9” سلاح بصريٌ حادٌ، وقد يكون الأمضى في صياغة رؤية بديلة واستنباش رأيّ آخر، يستحق شديد التصفيق، بالرغم من هفوات صغرى – تعتمد فداحة كل منها على زاوية النظر السياسيّة للمتلقي، دون أن تطيح بمسار الشريط الكليّ ورسالته.

إعلامية وكاتبة لبنانية تقيم في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية