لندن – “القدس العربي”:للمرة الأولى في رحلتي المهنية مع صاحبة الجلالة، لم تذهب أصابع يدي لمحركات البحث على الشبكة العنكبوتية. لم أفكر حتى في الاطلاع على بعض المصادر التاريخية المُفضلة، كل ما في الأمر، مر أمامي شريط المراهقة في ثوان، لحظة سماع خبر تعيين بطل حقبة المراهقة على رأس القيادة الفنية لريال مدريد، بشكل مؤقت، خلفا لجولين لوبيتيغي بعد ساعات من سقوطه المدوي أمام أعداء كاتالونيا بخامس خماسية في تاريخ مواجهات الكلاسيكو على مستوى الليغا.
4/8/2001
صباح مُبهج بعد التخلص من كابوس الثانوية العامة، بمجموع جيد نوعا ما، والقنوات المصرية السبعة، آنذاك، لا تتحدث سوى عن الزيارة التاريخية لنادي القرن في العالم، لعاصمتنا القاهرة، في أول ظهور للملك زين الدين زيدان بالقميص الملكي الأبيض بعد أسابيع قليلة من صفقة انتقاله الضخمة من يوفنتوس مقابل 60 مليون يورو، وبصحبته ألمع وأشهر نجوم الكرة في أوروبا، في مقدمتهم الحاوي البرتغالي لويس فيغو، والقناص الإسباني راؤول غونزاليز، ناهيك عن بطل “البلاي ستشين” روبرتو كارلوس وبقية المجموعة التي كان يصفها المرحوم حماده إمام “الأحجار الكريمة”، إلا سانتياغو سولاري، لم يحظ بصيت هؤلاء النجوم، رغم أنه لاعب “خلاق” ومُبدع ومن الصعب افتكاك الكرة من بين قدميه. عندما يُلامسها كنت تشعر وكأنها قطعة من قدمه اليسرى، مع أسلوبه الأنيق وطوله الفارع وميزة التسديد المفاجئ، وهذا الخليط المُمتع للعين الذي قدمه فيثنتي ديل بوسكي لعشاق الكرة الحقيقية، فقط مُجرد دقائق في موسم “رأس الخنزير” على لويس فيغو 2000-2001، ربما من الأسباب التي ضاعفت رغبتي لحضور المباراة التي وصفها الإعلام المصري بمباراة القرن، عكس الأصدقاء المتشوقين لرؤية الأباطرة للمرة الأولى وربما الأخيرة في حياتهم على أرض الواقع، واكتملت رحلة مدينة نصر الباهظة الثمن، شاملة التذكرة (50 جنيها)، بنهاية أشبه بالحلم، فوز فريقي المحلي من جانب، والاستمتاع بالكرة والسحر بين قدمي سولاري من جانب آخر، لكن بعيدا عن الإعجاب الشخصي بسولاري كلاعب طوال مسيرته حتى في تجربته مع الإنتر ومبارياته القليلة مع المنتخب الأرجنتيني… هل يستطيع استنساخ تجربة زين الدين زيدان مع ريال مدريد كمدرب؟
تشابه ظاهري بين زيدان وسولاري
لا شك أن كل من شاهد الثلاثي روبرتو كارلوس وزين الدين زيدان وسانتياغو سولاري حتى عام 2005، استمتع بكرة قدم من زمن آخر، والمفارقة، دائما كان يُشارك كبديل لدعم الهجوم من جبهة الريال اليسرى الفتاكة، وأحيانا كان يلعب كبديل لزيدان، عندما تُستنفذ طاقة زيزو أو لعمل توازن في الوسط، والآن تسلم الدفة الفنية للفريق الأول في ظروف “كربونية” للظروف التي قادت زيدان لبناء إمبراطوريته كمدرب أسطوري للريال في العصر الحديث، لو عُدنا بالذاكرة إلى الوراء قرابة ثلاث سنوات، سنتذكر ماذا فعل فلورنتينو بيريز، بعدما بلغت قلوب مشجعي “سانتياغو بيرنابيو” الحناجر، اضطر لطرد رافا بنيتيز، وأعطى كرة اللهب المُشتعلة لزيزو، على أمل أن ينجح في سكب المزيد من الماء البارد، لوقف ألسنة اللهب المُشتعلة في المدرجات ومواقع التواصل الاجتماعي، وحدث ما لم يتوقعه حتى أكثر المتفائلين بنجاح العبقري الفرنسي مع الملكي، باحتلال أوروبا 3 سنوات متتالية، لكن دعونا لا ننسى، أن زيدان كان مُستعدا للمهمة، والجماهير كانت تعرف مُسبقا أنه الرجل الذي يتم إعداده وتحضيره لتسلم القيادة الفنية في المستقبل، بمنحه فرصة العمل كذراع أيمن لكارلو أنشيلوتي في موسم التتويج بدوري أبطال أوروبا، ومن ثم قضى عاما ونصف العام مع فريق الكاستيا، وقبل الخبرة التي اكتسبها قبل وصوله للفريق الأول، هو نفسه زيدان، صاحب الكاريزما والشعبية والنجومية، للسيطرة على غرفة ملابس مُدججة بالنجوم من نوعية كريستيانو رونالدو وغاريث بيل وخاميس رودريغيز والبقية، أما سانتياغو، فبرغم الصداقة القوية التي تربطه بالرئيس، إلا أنه بدون مبالغة، من اللاعبين غير المُفضلين بالنسبة للجماهير المعتادة على حضور الريال، بالأحرى جماهير العاصمة، والدليل على ذلك، قبل إعلان خبر تعيينه، كان من النادر قراءة خبر أو تصريح على لسانه في الصحف المحسوبة على الريال كـ”ماركا” و”آس”، وبدرجة أقل “دون بالون”، علما أنه مدرب ثاني أهم فريق في قطاع كرة القدم، حيث تسلم المنصب بعد فترة وجيزة من ذهاب زيزو للفريق الأول، في قرار أثار ضجة في الشارع المدريدي، للسرعة التي قفز بها من قطاع الناشئين لفريق الكاستيا، لكن القرار لم يكن مفاجئا بالنسبة للفئة التي تعرف الصلاحيات التي يتمتع بها سولاري في النادي، بُحكم صداقته الوطيدة برئيس الغرفة المُتحكمة.
أين المبالغة؟
الكاريزما والحب تبقى من الأشياء التي لا تُباع ولا تشترى، وبالنسبة لسانتياغو سولاري، تنظر إليه جماهير الريال العاصمية، على أنه مُجرد “لاعب سابق” خاض 148 مباراة في الفترة بين عامي 2000 و2005، لا يضع الريال فوق أي اعتبار، يتحدث بُلطف عن فريقه السابق قبل الريال، أتلتيكو مدريد، وقبل عودته للبيرنابيو عام 2013، بمساعدة وتوصية من بيريز، كان يُجهر بالمدح في ليونيل ميسي، بالإصرار على وصفه أفضل لاعب في العالم وفي التاريخ، في ذروة التنافس بين ليو وكريستيانو رونالدو، حتى كان يتفاخر حتى وقت قريب أنه “بلديات” البرغوث، حيث أن كليهما من مواليد روزاريو، وهي أشياء تُقلص فرصه في الحصول على نفس الدعم الذي تلقاه زيدان، سواء من الإعلام أو من الجماهير وكل موظفي النادي، هذا ولم نتحدث عن افتقاره خبرة القيادة الفنية في المواعيد الكبرى، كما حدث مع زيزو، الذي كان محظوظا بفرصة العمل مع كارلو أنشيلوتي في موسم مليء بالاختبارات والمباريات المُعقدة الكفيلة بثقل موهبة أي مساعد مدرب مبتدئ، وهذا نقطة محورية تجعل فرص سولاري في الاحتفاظ بالمنصب لفترة طويلة، أو ردا على سؤال المادة، أمرا مُعقدا، إلا إذا حدثت متغيرات في الأسبوعين المُقبلين، ووصل بيريز لدرجة “العجز” على إيجاد بديل بعقد مدته عام ونصف عام، ذاك الشرط الذي تسبب في تعطيل المفاوضات مع البديل النموذجي أنطونيو كونتي، بجانب شروط أخرى تتعلق بضرورة التعاقد مع 3 لاعبين من الطراز العالمي في الميركاتو الشتوي، بحسب التقارير الصحافية المؤكدة، ولو الحدث السيناريو الذي يَحلم به بيريز، أن يُظهر سولاري مؤشرات أنه مشروع زيدان جديد، قد تأتي العواقب وخيمة، وهو أمر غير مُستبعد في ظل انخفاض الروح المعنوية للاعبين، وظهور تأثير رحيل كريستيانو رونالدو، مع تشبعهم “كرويا” من كثرة حّمل الألقاب في السنوات الثلاث الماضية، إلا إذا ألقى سولاري بعصا سحرية قادرة على تجديد رغبة وطموح اللاعبين، لتسير الأمور كما يُخطط الرئيس “بأقل التكاليف” لنهاية الموسم.
رأي فني
الحل المُرضي لكل الأطراف، تنفيذ الريال ما جاء في نص بيان إقالة لوبيتيغي، بإعلان تعيين سانتياغو سولاري كمدرب مؤقت، لحين الاتفاق مع مدرب جديد، في فترة أقصاها 14 يوما، بحسب المادة 60 من لوائح الاتحاد الإسباني، التي تنص على تغيير مُسمى المدرب من مؤقت لبديل دائم بنفس امتيازات وحقوق المدرب المُرتبط بعقد دائم، وذلك في اليوم التالي لمدة الأسبوعين، وخلال هذه الفترة، أمام سولاري تحدٍ خاص من نوعه، هو إعادة الثقة للاعبين بعد سلسلة الهزائم الكارثية، التي كان آخرها الانهيار أمام برشلونة يوم الأحد الماضي، فقط عليه إعادة الاتزان للسفينة في مباراته الأولى داخل القارة الأفريقية أمام ميليليه، ثم مباراتي الدوري أمام بلد الوليد وسيلتا فيغو ومواجهة فيكتوريا بلزن في الجولة الرابعة لدوري أبطال أوروبا. في العادة مثل هذه المواجهات، تندرج تحت مُسمى “مباريات في المتناول”، لكن بعد الهزائم الأخيرة، فانها كفيلة بتدمير موسم فريق، وإذا حالفه التوفيق وفعلها في المباريات الأربع، سيضرب عصفورين بحجر واحد، الأول مصالحة الجماهير وفتح صفحة جديدة معهم، كشهادة على استعداده ليكون رجل المستقبل بنفس الكيفية التي صعد بها زيدان للفريق الأول، ثانيا وهو الأهم، نجاحه سيُسهل المهمة على المدرب الجديد، في وقت التحضير في عطلة نوفمبر/تشرين الثاني، التي سيعقبها ما تبقى من دوري الأبطال و4 مباريات من الفيفا قبل عطلة الشتاء، وكذلك كأس العالم للأندية، وبُحكم معرفته للاعبين بشكل شخصي بجانب لغته الإسبانية، يُمكن أن يتجاوز المرحلة الصعبة الحالية، وستكون أشبه “بالخدمة الجليلة” للريال وجماهيره وقبلهم المدرب المُنتظر، الذي سيكون محظوظا بتفادي توابع زلزال “كامب نو”، وما سبقه أمام إشبيلية وليفانتي وألافيس وسيسكا موسكو، بالكاد سيتسلم المهمة على طبق فضة، قبل أن يأتي موعد الدعم الحتمي في فترة الانتقالات الشتوية المقبلة.
السؤال التقليدي
من الأوفر حظا ليكون مدرب المرحلة المقبلة؟ كما تابعنا في مختلف الصحف ووسائل الإعلام الإسبانية وكذلك الإيطالية، كان هناك شبه إجماع على أن أنطونيو كونتي قطع عطلته في مصر، تمهيدا لتوليه القيادة الفنية للريال، وما ضاعف صحة هذه الأنباء، ما قيل عن انتهاء ارتباط المدرب الإيطالي بناديه السابق، بحصوله على حقه بالتراضي في أحد محاكم العاصمة لندن، لكن فجأة، طالعتنا “الماركا”، بأنباء انهيار المفاوضات، لعدم توصل الطرفين إلى اتفاق نهائي، لأسباب كثيرة، المهم لم يَحدث اتفاق، مع أنه على الورق ومن الناحية المنطقية، الاختيار المثالي لإعادة الانضباط للفريق في التدريبات قبل المباريات. لا أتخيل رد فعل كونتي لو كان حاضرا في مشهد هجوم سيرخيو راموس على زميله الشاب ريغيليون؟ مؤكد ما كان سيمر مرور الكرام، بعيدا عن صرامته وحدته مع اللاعبين، فوضع ريال مدريد الآن، أصبح مثاليا لوصول كونتي، لامتيازه وكفاءته في التعامل مع اللاعبين نفسيا في مثل هذه الظروف، كما فعل بإذلال لاعبي اليوفي لدرجة “المعايرة” لإنهاء موسم 2010-2011 في المركز السابع، ليُحّولهم لأسود في موسمه الأول، الذي أنهاه في الصدارة بلا هزيمة، نفس الاستراتيجية طبقها مع تشلسي في موسمه الأول في بلاد الضباب، أيضا أعاد تشلسي من نقطة الصفر إلى بطل البريميرليغ، بضغط لا يُصدق على اللاعبين، كان يظهر في انفعالاته وردود أفعاله “الهيستيرية” في احتفاله مع كل هدف، خصوصا في أسابيع الاقتراب من التتويج، وبوجه عام، كونتي مدرب يعرف قواعد لعبة تجميع النقاط الثلاث، وله خبرة سابقة في جنة كرة القدم ووطن اللعبة، والسمعة التي اكتسبها في تعامله مع اللاعبين في غرفة خلع الملابس، ستنعكس على اللاعبين قبل حتى أن يدخل في مراحل إظهار “العين الحمرا”، لذلك كل الطرق لا تؤدي إلا لكونتي في هذه المرحلة، وضرورة رضوخ بيريز لبعض الشروط خلال الأسبوعين المُقبلين. يُقال أن وكيل كونتي اشترط عقدا مدته 3 سنوات، في حين تمسك الملكي بعقد مدته عاما ونصف عام، بجانب اختلافات أخرى حول صلاحية المدرب في البيع والشراء، سواء كانت أسباب حقيقية أو لا، لن يهرب بيريز من حتمية ضم لاعب او اثنين على أقل تقدير في الشتاء، ليضمن موافقة المدرب الذي تنطبق عليه الشروط في الوقت الحالي.
آخر تحديث
أبرز ما تردد في كبرى الصحف والمواقع الإسبانية على مدار الأيام والساعات القليلة الماضية، هو دخول مدرب المنتخب البلجيكي روبيرتو مارتينيز دائرة اهتمام بيريز، بعد إعلان مايكل لاودروب من خلال وكيل أعماله، أنه ليس مُستعدا للمهمة في الوقت الحالي، واختيار المدرب الإسباني الهوى/الإنكليزي العقلية، يبدو منطقيا إذا وصلت المفاوضات مع المُرشح الأول لطريق مسدود، مارتينيز تشبع بالخبرات في تجربته في البريميرليغ، وأثقلها الضعف بتجربته الناجحة مع المنتخب البلجيكي، التي أبرزت شخصيته وأظهرت قدرته على احتواء غرفة خلع ملابس تضم أسماء من نوعية كيفن دي بروين وإيدين هازارد وروميلو لوكاكو ومروان فيلايني وكل المواهب التي ظلت فترة طويلة قبله، عبارة عن كفاءات فردية، إلى أن حّول هؤلاء للمنظومة الجماعية التي حققت الميدالية البرونزية الأولى في تاريخ منتخب الشياطين الحمر، وهذا يُعطيه أفضلية حتى على جُل الأسماء الأخرى المُرشحة، بما فيهم جوزيه مورينيو، بحسب إذاعة “أوندا سيرا”، ما زال من الأسماء المُفضلة لبيريز، بشرط أن تتم إقالته من مانشستر يونايتد قبل موعد العطلة الدولية، الاسم الرابع والأخير المُتردد بكثافة أيضا، هو آرسين فينغر، وذلك استنادا لتصريحاته التي أقر خلالها بتلقيه 3 عروض رسمية للعودة، يُقال أن منها عرضا من الريال، على اعتبار أن الريال بحاجة لعقلية مدرب خبير، كما فعل البايرن بإعادة يوب هاينكس للحياة، لإنقاذ الفريق بعد تدهور الأوضاع مع كارلو أنشيلوتي في أيامه الأخيرة، فضلاً عن سهولة إقناعه بالتوقيع على عقد لمدة عام ونصف العام، والأهم مرونته في ما يتعلق بسياسة البيع والشراء للنادي. فينغر إنسان لطيف وبسيط، وعلى مدار سنوات مع آرسنال، نجح في تحقيق أهدافه بميزانية لا تُقارن بأندية أخرى كانت تنفق ملايين طائلة لحجز أحد المقاعد الإنكليزية الأربعة في دوري الأبطال، ونعرف جميعا السياسة التي يتبعها بيريز في السنوات الأربعة الماضية، حيث أن أقل وصف لسياسته “تقشف زائد على الحد”، فهل سيقع الاختيار في النهاية على كشاف النجوم؟ أم ستعود المفاوضات مع كونتي؟ أم الحل سيكون في روبيرتو مارتينيز أو ربما اسم آخر غير متوقع؟ دعونا ننتظر، فقد تنقلب الموازين ويسير سولاري على نهج زيدان.