وداعا خوان كارلوس… ملك كل الاسبان

حجم الخط
0

■ استيقظ الشعب الاسباني اليوم على خبر اعلان الملك خوان كارلوس، محبوب الجماهير، التنازل عن العرش الملكي لابنه الامير فليبي.
الامير الشاب الوسيم ذو الكفاءات الانسانية والعلمية العالية والمقبول من قبل الغالبية ممن هم اقرب لجيله ولمؤسسات الدولة. مثل هذا الخــــبر لم يكن سرا، فمنذ فتره وهنالك حوار غير رسمي حــــول ضرورة اجراء عملية تغيير سلس في العرش الملكي، ليحــــل الجيل المعاصر، الذي يرمز له الابن وزوجته الاميرة اليثيا، محل الجيل القديم، الذي يرمز له الملك المتنازل هو وزوجته صوفيا، اللذان رغم كبر العمر لم يوفرا جهدا في خدمة الشعب والدولة، خاصة الطبقات الاقل حظا ومقدرة. مثل هذا السلوك جعل لهما مكانة بقلوب العامة، التي من المؤكد سوف تتفهم وتقبل عن طيب خاطر هذا التنازل وتبقى وفية له ولعهده.
الملك خوان كارلوس وصل الحكم بعد خروج اسبانيا بقليل من اصعب مراحل تاريخها المعاصر. الحرب الاهلية التي دامت ثلاث سنوات (1936-1939) والتي خلالها قتل المواطن الاسباني اخاه بسبب اختلافات ايديولوجية ذات بعد سياسي وديني وتاريخي. لمنع تكرار مثل ذلك ومنذ لحظة صعوده العرش قادما من المنفى بالبرتغال حاول وساهم هذا الرجل في وضع اسس مبادئ الدولة الديمقراطية ودولة القانون والحريات، وتحييد، قدر المستطاع وبشكل تلقائي، العسكر والمتعصبين عن الحكم وتسليم هذا الى المدنيين ذوي القدرات والكفاءات الوطنية العالية. رغم بعض الشبهات التي حامت حينا حول تفهمه الضمني للانقلاب العسكري، الذي وقع وفشل عام 1981، والذي كان يهدف لاعادة عقرب الساعة الى الخلف، اي العودة الى حكم العسكر، الا انه ساهم في ما بعد وبشدة في تثبيت الحكم الدستوري، التعددية الحزبية والتداول الديمقراطي للسلطة. وقد نجح في ذلك ويعترف له الجميع هنا بالفضل والدور الذي لعبه في كل واحدة من البنود السابقة.
عمق التحول الذي حدث اليوم يكمن في ما يمكن ان يسمى بولوج البلاد في مرحلة متقدمة جدا من الحداثة، ورغبتها في اغلاق المرحلة السابقة نهائيا، رغم قيام الملك وزوجته بجهود جبارة للمساهمة في احداث مـــثل هذه القفزة الهائلة التي يمكن مشاهدة ملامحــــها في كل سمة من ســـمات هذا البلد المميز. نوعا ما الفضل يعود هنا لهما في كل ما حدث من تقدم وتطور، فقد استطاعا بعقلية منفتحــــة وعملية ورغم كبر السن تفهم مجريات هذه المرحلة ومســاعدة باقي الشعب الاسباني على تفهمها وتفهم ضرورتها، خاصة الاجيال السابقة المتمسكة بشده بثقافة الماضي. كلاهما تمكنا وبذكاء من تعميق كثير من هذا التقدم بعقلية وثقافة شعبهما.
خبر التنازل المعلن كان منتظرا منذ ان بدأت صحة الملك خوان كارلوس تتدهور بشكل ملحوظ. فالرجل ومنذ ما يقارب العشر سنوات يعاني من مشاكل صحية هائلة حاول تجاوزها، لذلك ليس من المستغرب ان يراه الجميع وهو يمارس انواعا من الرياضة البدنية التي يصعب احيانا ممارستها من قبل من هم اصغر منه سنا ومقدرة. مثل التزلج، لعب التنس والصيد في الجبال والغابات، بما فيها الافريقية النائية، برفقــــة من هم اصغر منه عمرا. مثل ذلك كان يخلق للملك وللعائلة المالكة ومن يدعمهما الكثير من المتاعب. فقط ما كان يخفف وطأة ذلك ما يقوم به الملك من اعمال وطنية في مختلف العواصم والاسواق العالمية لتقوية موقع الدولة والشركات المحلية. بفضل هذه الاعمال، المثمرة تجاريا، عُرف الملك خوان كارلوس بالسفير المميز والافضل لاسبانيا في الخارج، خاصة في البلاد التي يحكمها امراء وملوك مثله. كما هو الحال في بعض من الدول العربية.
جراء التدهور الصحي للملك كانت الحافلة الملكية ذاهبة وعائدة من المستشفيات الوطنية الخاصة والعامة، اكثر من اي مكان عمل رسمي آخر. وكان خبر دخول وخروج الملك من غرف العمليات امر متوال واعتيادي في النشرات الاخبارية.. فقط مودة وتقدير غالبية الشعب له ولما ترمز مؤسسته من تاريخ وفاعلية في كثير من المجالات، خاصة بين من هم اقرب الى جيله، كان يمنع الكثير من المعبرين عن الرأي العام، من طرح موضوع واجب تنازله عن العرش بعد وقبل كل عملية جراحية. مثل هذا الطرح بدا اكثر تكرارا بعد ان قام كل من ملك بلجيكا وملكة هولندا بالتنازل عن العرش لابنائهم من الجيل الشاب، بل ان الربيع العربي دفع البعض من المحليين المطالبة باجراء تغيير وتنازل الملك ليحل محله ولي العهد الشاب.
اعلان اليوم جاء بعد مدة حكم دامت اربعين عاما، وهي مقارنة بما سبقها ورغم تعقيداتها الافضل سياسيا، اجتماعيا، ثقافيا واقتصاديا في تاريخ اسبانيا الحديث. تنعم خلالها البلد بهدوء وتقدم تدريجي على كافة المستويات. تقدم لم يعكر اجواءه سوى بعض المطالب الانفصالية التي تخرج بين الحين والاخر من اقليم الباسك وكتالونيا؛ وكذلك المطالبة باجراء استفتاء حول ضرورة او عدم ضرورة بقاء اسبانيا دولة ملكية وتحولها الى جمهورية، واخيرا الازمة الاقتصادية الخانقة التي كان يتحدث هو عنها باستمرار وعن نتائجها الوخيمة على كافة طبقات المجتمع الاسباني عامة، والتي ركز عليها اليوم من جديد في خطاب التنازل. هذه الازمة، رغم جذورها العالمية، الا ان الفساد الفاحش الذي انتشر على ايدي البعض ولصالح كثير من رجال الاعمال، وبعضهم كان مقربا من القصر، لعب الدور المحوري فيها..
الان ورغم كل ما ذكر من صفات حميدة عن الملك خوان كارلوس وحكمه، وهي كثيرة وكبيرة، فلا يمكن لاحد ان ينكر ان بعض تصرفاته الشخصية السرية، وما قيل من محاولة دخوله غير المؤكدة، بعضا من المجالات التجارية الخاصة، من خلال شخصيات مرفوضة من قبل الرأي العام، وبعض النزهات السرية غير المؤكدة ايضا، ولكن الدارجة يوميا على ورق الصحافة الصفراء، والمشاكل العائلية الهائلة، لعبت دورا كبيرا وحاسما في هبوط شعبية العائلة الملكية، وبالتحديد شعبيته هو كملك. وهنا نقصد وبالتحديد مشكلة الفساد المالي المعروفة والمثبتة قضائيا في حق زوج ابنته الاميرة كرستينا، التي كانت الحدث الفاصل في كل ذلك.
هذه المشكلة بالذات والمشاكل الصحية السالفة وما خلفت من نقاشات هائلة في كافة وسائل الاعلام المحلية والعالمية، طرحت الملك ارضـــا، كما يطـــرح مصــارع الثيران الثور في الحلبة امام تصفيق البعض وحزن وحسرة البعض الاخر.
رغم كل ذلك ورغم ما سجل عليه من نقاط، فان شخصية وصفحة الملك خوان كارلوس، المليئة بالايجابيات الهائلة، سوف تبقى ناصعة في التاريخ الاسباني والعالمي الحديث، وفي وجدان كل من عاش وتعايش تحت تاج مملكته. فالدولة الحديثة، التقدم، الحريات والحقوق السمات الباقية ارثه. فيما يتعلق بنا نحن العرب والمسلمين، فلا يمكن الا ان نتذكر ونسجل مواقفه المشرفة في صالح قضايانا القريبة والبعيدة، وبالتحديد قضية الاندماج، المساواة والحقوق العامة بين مختلف الجاليات والاديان. وكذلك في ما يتعلق بقضية فلسطين. امتلك هذا الملك المعروف بروحة المرحة، ثقافة قريبة جدا الى روح وثقافة اهل الاندلس المتسامحة، الطيبة، الودودة والاكثر قربا وتفاعلا مع العالم العربي. وداعا ايها الملك.

٭ كاتب فلسطيني ـ اسبانيا

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية