من وصايا الرئيس المؤقت للرئيس المنتخب

حجم الخط
10

■ تودع مصر في بداية هذا الأسبوع الرئيس المؤقت عدلي منصور وداعاً حاراً، كما ودعها بحرارة الحب والدموع، في خطابه الشهير الذي طالبت بعض المؤسسات والأحزاب المصرية بتدريسه في المدارس والكليات للمعاني الجميلة النفيسة والنصائح الغالية التي وردت فيه.
هذا الرئيس المؤقت هو ثالث رئيس مصري مؤقت وأطولهم مدة في إدارة الوطن، بعد زكريا محيي الدين، الذي حل محل الرئيس عبدالناصر اثر تنحيه بعد هزيمة 5 يونيو/حزيران، والرئيس المؤقت الثانؤ كان الدكتور صوفي أبوطالب، الذي أدار البلاد بعد مقتل الرئيس السادات حتى تم تنصيب مبارك. رئيس مؤقت يدير البلاد حوالى 11 شهراً، ويترك السلطة الى منزله ووظيفته الأولى رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، ليمارس مهام وظيفته القديمة والجديدة بعد عودته إليها بكفاءة أكبر، لما شهده من تجارب وتحديات ومواقف سيكون لها بالتأكيد مردود إيجابي على صناعة القوانين والقرارات المهمة.
لبىَّ المستشار عدلي منصور نداء الواجب، وتحمل مسؤولية صعبة في وقت أصعب وأدق، ولا أظن أن المستشار عدلي منصور تمنى أن يكون رئيسا لمصر يوما ما، ولم يعمل لذلك في حياته. كانت مدة عمله في الرئاسة ابتلاء شديداً تعرض له فصبر على الابتلاء، فكان نموذجا أمام الناس في الصبر والعمل الصامت. شرفت بلقاء الرجل أكثر من مرة، منها مرة كنا وحدنا ـ نحن الاثنين ـ ولمدة ساعة تقريبا، لا يرانا ولا يسمعنا إلا الله سبحانه تعالى، وقد تكون هناك ترتيبات بشرية لا نعلمها، إما لرؤيتنا أو للاستماع الى ما نقوله. كان الرجل بعيدا عن الرسميات تماما، وكان معنيا بمستقبل الوطن، لا بمستقبله شخصيا، أو العمل على البقاء في الرئاسة بصورة من الصور. استمع الى الكثيرين وإلى وفود تلو الوفود، وحوارات تلو الحوارات، ولاحظت أنه يعرف المدعوين جميعا إلا القلة، رغم كثرة التخصصات والوفود. كان عدلي منصور بحق رئيسا لكل المصريين. أدار البلاد، ولم يحكمها كما قال في خطبة وداعه للسلطة، بل تسليم السلطة للرئيس الجديد المنتخب عبدالفتاح السيسي.
كانت وصايا الرئيس المؤقت إلى الرئيس المنتخب وصايا دقيقة، تعبر عن نبض الشارع وتمس حياة الدولة ونجاحها، كما تمس حياة المواطنين. أكد المستشار منصور، على أن الرئيس الجديد مطالب اليوم وفق تلك الوصايا بأن يحسن اختيار معاونيه. ومن يعمل معه في الرئاسة أو المحافظين، ومن في حكمهم. الناس في مصر تعبت وتريد أن ترى النظريات واقعا ملموسا على الأرض. ونحن نعلم جميعا ان اختيار أصلح الناس وأنسبهم وليس أقربهم هو الذي ينهض بالبلاد، فضلا عن أنه إرضاء لله تعالى، كما جاء في الحكمة الاسلامية «من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله».
توخي الحذر من جماعات المصالح التي تود أن تستغل المناخ السياسي الجديد لغسل سمعتها واستعادة أيام ومناخ رفضه الشعب وثار عليه ثورتين. كانت هذه أهم النصائح التي تركها المستشار منصور للرئيس الجديد كذلك. كم عانت مصر من جماعات المصالح أو المفاسد، لأنها مصالح شخصية ضيقة على حساب المصالح العليا للوطن.
أما وصية المستشار بشأن المرأة المصرية، فكانت على غرار وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين في خطبة الوداع حيث قال لهم، استوصوا بالنساء خيرا. وكلمة «خيراً» هنا، تشمل كل شيء من حرية واستقامة ومشاركة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وهي أيضا مما نص عليه الدستور الجديد في المادة (11) التي تنص على أن «تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأه والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفقا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسبا في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، بدون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجا».
أما المادة (10) فتنص على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها».
المرأة ليست جديدة على سوق العمل، وليس هناك في الدستور ما يحول بينها وبين أي عمل أو وظيفة، وعليها كما على الدولة والمجتمع، أن يأخذوا الدستور ككل، والعمل بكل مواده وليس فقط المواد المتعلقة بحقوق المرأة.
ومن الوصايا التي تركها المستشار منصور للرئيس السيسي، والتي طابقت مواد الدستور، تنمية المناطق المحرومة مثل العشوائيات والصعيد وسيناء والصحراء الغربية ومطروح وحلايب وشلاتين طبعا والنوبة، وهذا عمل مجيد إذ أن الدستور في المادة (236) ينص على أن: تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون. وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، على النحو الذي ينظمه القانون «.
كانت هذه بعض أهم الوصايا التي أوصى بها المستشار منصور، الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسي.
ومن كلمات الرئيس السيسي الدقيقة بعد إعلان النتيجة رسميا قوله للمصريين: «أبناء الشعب المصري العظيم أخاطبكم جميعا.. لقد أديتم ما عليكم، وحان وقت العمل.. العمل الذي تنتقل به مصرنا العزيزة إلى غدٍ مشرق ومستقبلٍ أفضل.. العمل الذي يعود به الاستقرار لهذا الوطن لينطلق إلى آفاق التقدم والرُقي الذي يستحقه هذا الشعب العظيم. إن المستقبل صفحة بيضاء، وفي أيدينا أن نملأها بما شئنا، عيشاً وحرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية. فإذا افترقنا نكون قد أخطأنا في حق الوطن وأنفسنا وأبنائنا… وإن تعاونا على العمل والبناء، سنملؤها بما نتمنى لوطننا من رفاهية وازدهار، وبما نأمل لأبنائنا من عزة وفخار، وبما نرجوه لأنفسنا من عيش كريم وانتصار». نعم علينا أن نعمل من أجل تحقيق أهداف الثورتين، ثورة يناير وثورة يونيو وهي في الأساس، العيش والحرية والعدالة والكرامة. وهناك نصيحة أخرى أقولها، للرئيس السيسي: أن يحذر المنافقين ضعف حذره أصحاب المصالح أو المفاسد.

٭ كاتب مصري

د. كمال الهلباوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية