قصيدة الـ «سونيت» في التراث الغربي: غناء ينقل النشيد التراجيدي إلى قصيدة حبّ

حجم الخط
1

 تظلّ خدمة استثنائية، هامّة ودائمة النفع، هذه التي اقترحتها الشاعرة والباحثة الأمريكية فيليس ليفين في عملها «ديوان السونيت: 500 سنة من تراث كلاسيكي في الإنكليزية»؛ وفي هذه الأنثولوجيا الثمينة جمعت ليفين أكثر من 600 سونيتة، وتركت لها أن تروي حكاية هذا الشكل الفريد الذي بدأ كمغامرة إيقاعية جذابة آسرة شديدة الإغراء قبل أكثر من سبعة قرون، ويتواصل ــ في هدي روحيّة الإغواء ذاتها جوهرياً ــ حتى يومنا هذا.
الناقد الأمريكي بول أوبنهايمر ذهب إلى حدّ القول بأنّ ابتكار شكل الـ «سونيت» Sonnet هو الحدث الذي دشّن ابتداء الفكر الحديث والأدب الحديث. والرجل شدّد على حقيقة أن السونيت كانت «أوّل شكل شعري غنائي يُكتب لا لكي يُؤدّى أو يُلحّن، بل لكي يُقرأ قراءة صامتة، وبذلك فإنها أوّل شكل غنائي يخاطب الوعي الذاتي»، أو يتناول الذات في حالة الصراع.
ولا يجانب أوبنهايمر الصواب كثيراً في هذا التفصيل تحديداً، خاصّة إذا وُضع رأيه هذا في سياق الخصائص الفكرية للمرحلة التاريخية التي شهدت ولادة وترعرع السونيت (إيطاليا مطلع القرن الثالث عشر) حين كان اضمحلال الإمبراطورية الرومانية يفسح المجال أمام نقاشَيْن حاسمَيْن: التنازل عن نموذج الإله البطل لصالح الإنسان العاديّ، والتنازل عن السلوك البطولي التطهيري القَدَري لصالح السلوك الفردي الوجداني العاطفي، والإنتقال من النشيد التراجيدي إلى قصيدة الحبّ.
وليس مصادفة أنّ الشكل يتألّف من 14 بيتاً، تنقسم إلى مقطع ثُماني Octave يطرح وضعية توتّر ذات شحنة عاطفية دافقة، ومقطع سُداسي Sestet يهدّىء الشحنة ويخفّف التوتّر. ذلك لأنّ أفلاطون كان قد وضع تخطيطاً حسابياً مماثلاً لـ «هندسة» العلاقة بين النفس والكَوْن، وكان أوائل مبتكري شكل السونيت قد حاولوا محاكاة تلك الهندسة عن طريق استقراء الأنغام غير المسموعة من موسيقى الروح الإنسانية، لكي نقتبس عبارة الشاعر الرومانتيكي الإنكليزي جون كيتس (1795ـ1821).
وتجمع المصادر الأدبية على أنّ جياكومو دي لنتينو (1188ـ1240) كان أوّل من ابتكر الشكل، وكان من المدهش أنه لم يعتمد في اكتشافه على أيّ من الأشكال الغنائية التي كانت سائدة وطاغية آنذاك (أشعار التروبادور والبروفنسيال)، بل طوّر شكلاً للأغنية كان شائعاً عند الفلاّحين في صقلية. أكثر من ذلك، تشير أفضل الأبحاث في تاريخ السونيت إلى أنّ هذه الأغنية الصقلية استُعيرت في الأساس من شعر الغزل العربي الأندلسي الذي تناقله العرب المقيمون في صقلية (هذا هو رأي الأمريكي إرنست هاتش ولكنز على سبيل المثال). بعد لنتنينو، تولّى دانتي أليجييري (1265ـ1321) وفرنسيسكو بترارك (1304ـ1374) أمر تطوير الصيغة الإيطالية من السونيت. وسرعان ما انتقل الشكل إلى أوروبا انتقال النار في الهشيم، فعكف على تطويره كبار الشعراء في فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وشهد في إنكلترا ازدهاراً كبيراً على يد إدموند سبنسر (1552ـ1599)، وليام شكسبير (1564ـ1616)، وجون ملتون (1608ـ1674).
ومختارات فيليس ليفين تبدأ من الجذور المبكّرة، فتضرب مثالاً واحداً باللغة الإيطالية من بترارك، قبل أن تنتقل إلى اللغة الإنكليزية من العصر الإليزابيثي، إلى الرومانتيكي والفكتوري، وصولاً إلى العصور الحديثة حيث امتزج إحياء الشكل بالحركات الفنّية الراديكالية (مجموعة «إحياء هارليم» مثلاً)، وشعر الاحتجاج على الحرب (العالمية الأولى وحتى فييتنام). وفي مقدّمة سخيّة ومعمّقة، ترصد ليفين تاريخ الشكل، وتناقش خصائصه البنائية وموضوعاته المتغايرة، وتطوراته الراهنة في ظلّ تراجع وتبدّل أوزان الشعر هنا وهناك في العالم، ولا تغفل بالطبع القراءة التحليلية لعدد من السونيتات.
 
سونيتات مختارة
 جوهر
و. س. ميروين

في مقدوري أن أرى ما يشبه المسافة المضاءة
خلف وجه ذلك الزمن في أيّامه ذاتها
كما تبدّت لي غير أنني لم أكن قادراً على التفكير بأيّ
كلمات تتحدّث عنه بحقّ أو تشير إلى أيّ شيء
ما خلا الكامن هناك ساعة أخذ يبدأ
في الاضمحلال ولم يكن من الممكن البرهنة الأكيدة
عليه أو قبضه لكنني قد أتطامن نحوه فألمس
الحزازات الدافئة قسمات الحجارة جلد
النهر وعندها أستطيع الزعم أنها كانت
الحيوانات ذاتها التي كانت ثقل ومقام
الساعة كما وقعت وأنّ كتلة عنق البقرة
ولمعة السنونو وخبطة الشبّوط
حيث كان قادماً للعبور كانت تحمل الفحوى كلّها
دونما سؤال في غمرة غمامة الضياء الخرساء
 
تاريخ
شارلز سيميك

ذات مساء رمادي
من قرن رمادي،
التهمتُ تفاحة
بمنأى عن الأنظار.
 
تفاحة صغيرة، حامضة
بلون الحطب الناريّ
الذي مسحته أوّل مرّة
عن كمّي
 
ثم مددتُ ساقيّ
أقصى ما أستطيع،
وقلت في نفسي
لِمَ لا أغمض عينيّ الآن
قبل آخر
أخبار العالم والنشرة الجوية.
 
 
زهرة نوّار
سيلفيا بلاث

صمد الزعرور الأحمر طيلة الشتاء الأسود
أمام هجمات الرياح المدنفة بثلج السماءات الكالحة
ولأنه اللامع مثل قطرة دم، برهن أنه ما من غصن شجاع يموت
إذا ضربت الجذور عميقاً وكانت النشأة طيبة.
والآن، إذْ يهبط النسغ الأخضر على المنحدرات الخشبية،
وكلّ طوق من الشجيرات يذهل أعيننا ببراعمه البيضاء
كمَن انبثقت من عصا يوسف، نشهد
كيف يولد أطيب الجمال من الجسارة.
وهكذا حين اختار أهل الجزيرة القساة أن يتنازلوا
عن مصطلى البلاد، وشقّوا طريقهم إلى الحجّ
عبر أثلام الأطلسي، المظلمة، غير الآمنة،
متذكّرين الرَشاش الأبيض الظافر
على أغصان الزعرور البرّي، ذات العزم الشديد على البقاء،
أطلقوا على سفينتهم اسم زهرة نوّار .
ندف الثلج
لويز غلوك

أتعرف ما كنتُ، وكيف عشتُ؟ تعرف
طعم اليأس؛ إذاً،
سوف يكون للشتاء معنى عندك.
لم أتوقع البقاء على قيد الحياة،
التراب يقهرني. لم أتوقع،
أن أستيقظ ثانية، أن أشعر
أنّ جسدي في التراب الرطب
قادر على الاستجابة من جديد، وأن يتذكّر
كيف ينفتح ثانية بعد هذا الزمن الطويل
في الضياء الأبيض
للربيع الأبكر ــ
 
خائفة، نعم، ولكني بين صفوفكم من جديد
أبكي، نعم، وأجازف بالمتعة
 
في الرياح الخام للعالم الجديد.
 (1)
The Penguin Book of the Sonnet: 500 Years of a Claic Tradition in English. Edited by Phillis Levin.
 

صبحي حديدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية