في الخامس والعشرين من سبتمبر/ايلول الماضي نزل عليّ خبر وفاة إسماعيل فهد إسماعيل كالصاعقة. أعرف أن الموت لم ولن يستثني أحدا، لكن أن تظل عمرك تقرأ لكاتب وتحبه لا تدرك أبدا أن السنين التي تمر تترك أثرها عليه، خاصة حين يكون كاتبا مجددا، ولا يكف عن التجديد في شكل الكتابة وموضوعاتها. الكاتب نفسه الذي يفعل ذلك لا يدرك مرور الأيام، فالكتابة والفن عموما هي عالمه الشاب المتمردـ الذي ينتقل إلى الورق أو اللوحة أو الفيلم أو غيرها.
هذا الإحساس عند الكاتب أو الفنان ينتقل إلى القارئ حين يقرأ له أو يشاهد له عملا مدهشا. هكذا كان إحساسي بإسماعيل فهد إسماعيل دائما منذ قرأت له منذ سنوات طويلة رواية «الشياح» وكانت أول رواية أقرأها له. أذكر أنني قرأتها في ليلة واحدة بفعل تدفق لغتها وتراكم وانهمار أحداثها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975. لم أكن قرأت له من قبل كما قلت رغم أنه كتب الكثير قبلها.
بقدر ما قرأت بعد «الشياح» من أعمال شعرية وقصصية عن حرب لبنان ظلت «الشياح» تملأ روحي ومشاهد منها لا أنساها أثناء الحصار في منطقة الشياح، والمدهش أنها كانت أول رواية عن الحرب الأهلية اللبنانية، وتأتي من غريب ذهب صدفة لمعايشة أحوال اللاجئين بطلب من ياسر عرفات، كما قرأت وقتها، لكن الدنيا ذهبت إلى الخراب الذي حوصر فيه فكانت الرواية التي جعلت الصدفة في قراءتها كاتبها وكتاباته تمشي معي، فليس في الرواية هتاف وإن امتلأت بأزيز القنابل.
مؤكد أن ما جذب إسماعيل هو التجربة، لكنه أيضا مشغول بقضايا الإنسان العربي. لقد ذهبت إلى رواياته الأخرى السابقة ثم اللاحقة وعرفت ذلك. رأيته كتب عن العراق «كانت السماء زرقاء» قبل الشياح بسنوات، ليس لأنه مولود في العراق فقط، لكن لأنه يماهي بين الإنسان العربي في ورطته التي لا تزال. الإنسان العربي الذي قد يكون لبنانيا أو فلسطينيا أو مصريا أو عراقيا، مع اختلاف الأرض والمفردات أو من أي وطن، فهو موجود محاصر في زنزانة أو في هزيمة «ملف الحادثة 67» ويغامر مغامرة كبيرة تليق بكاتب كبير فيكتب «ثلاثية النيل يجري شمالا» في مصر وزمن مصري وصراع المماليك وثورات المصريين، وهو عمل ما كان يدفعه إليه إلا رغبته في الإمساك بكل ما يستطيع من هذا العالم بقدرة الفنان الواثق من أن العالم في يده مهما كبر واتسع. في يده وهو في عالمه الخاص منعزل عن منغصات الحياة اليومية. وكنت اتساءل وأنا أقرأ، هل عاش إسماعيل فهد إسماعيل في مصر، كما عاش في لبنان بعض الوقت حين كتب «الشياح «حتى يكون لديه كل هذا الصدق والإحساس بالمكان والزمان في كل مفرداتهما، وهو يكتب عن حقبة تاريخية في زمن المماليك. لا أعرف ولم أسأله أبدا لكن هو الصدق الفني.
الكاتب لا يكتب إلا عمَّا يستقر عميقا في روحه. إنه لا يكتب من أجل الكتابة ولا من أجل تراكم الأعمال، فسواء فعل الزمن ذلك، أم لم يفعله فالكتابة الصادقة تبقي مهما مرَّ عليها الزمن.
إسماعيل يقدم وقدم الدرس، أن الكاتب لا يكتب إلا عمَّا يستقر عميقا في روحه. إنه لا يكتب من أجل الكتابة ولا من أجل تراكم الأعمال، فسواء فعل الزمن ذلك، أم لم يفعله فالكتابة الصادقة تبقي مهما مرَّ عليها الزمن. ثم يأتي غزو العراق للكويت ليكتب سباعيته «إحداثيات زمن العزلة» وتأخذ الكويت المساحة الأكبر هو الذي كتب عنها من قبل روايات مثل «الطيور والأصدقاء» و«خطوة في الحلم» ولا يبدو إسماعيل بعيدا عن الحياة في الكويت، رغم انشغاله ببلاد أخرى، لقد انكفأ يكتب عن وطن يستحق الحياة.
وتتالى روايات إسماعيل فهد إسماعيل «الشمس في برج الحوت» و«قيد الأشياء» و«الأبابليون» و«العصف» و«السبيليات» و«على عهدة حنظلة» و«في حضرة العنقاء والخل الوفي» وغيرها، أكثر من عشرين رواية لإسماعيل.
في «على عهدة حنظلة» يستعيد إسماعيل فهد إسماعيل من العنوان الفنان الفلسطيني صاحب شخصية حنظلة في رسومه الكاريكاتيرية، التي لا تزال تلخص حياتنا وتشغلها كما شغلتها من قبل. مرت ثلاثون سنة على قتل ناجي العلي ويستحضره هنا إسماعيل فقد كانا صديقين في الكويت وخارجها. وبعيدا عن الصداقة فإسماعيل يمسك دائما بتجليات البشر غير المتوافقين مع ما حولهم، الباحثين عن زمن أفضل. إنه يعيد هنا حكاية المناضل الذي واجه الظلم وجيوشه بالرسم، فواجهه الظلمة بالرصاص، ويحيي شخصية حنظلة مع مبدعها فتتكلم مع البطل وهو على فراش الموت، في الوقت الذي تتبعثر فيه في الرواية لمحات كبيرة من حياة ناجي العلي. الذي وهو في غيبوبة الموت يحيي إسماعيل ومعه حنظلة، الحياة من حوله بدءا من أصدقائه إلى الصراع العربي الفلسطيني إلى الحياة في الكويت حين كان فيها ناجي العلي وظهر فيها حنظلة في رسومه في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. وتستمر الروائع فتأتي «في حضرة العنقاء والخل الوفي» فندخل في عالم «البدون» في الكويت، فهنا بطل الرواية الذي ينتمي لهذه الفئة يروي لابنته حياته ومعاناته، باعتباره من هذه الفئة، وما مرَّ فيه من ظلم وعسف وسجن ومعاملة من الآخرين في الحياة، وإجباره علي الانضمام إلى الجيش الشعبي العراقي بعد غزو الكويت فيهرب هو البدون وينضم إلى صفوف المقاومة الكويتية. وغير ذلك كثير من الأحداث المثيرة.
إسماعيل فهد إسماعيل في الأصل متخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية، ومن ثم يكتب عن مسرح سعد الله ونوس، ويكتب عن القصة العربية في الكويت معاصرته الكاتبة ليلى العثمان، وعن كتابات حداثية أخرى في الكويت، ولا يكتفي بالإبداع. ولقد وصل مرة إلى القائمة الطويلة ثم القصيرة لجائزة البوكر وفاز بجائزة العويس الأدبية، وهو الجدير بكل الجوائز .
تابعت قراءة إسماعيل فهد إسماعيل ورأيته في كل رواية قرأتها يقيم لنفسه وحده جبلا من الجمال والمغامرة. استقرت في روحي ريادته للكتابة الروائية، ليس لأنه الأسبق في الكويت، لكن لأنه يبدع منها معابد للقراء والكتَّاب أيضا بمعرفته العميقة بأن الحكاية ليست مجرد انهمار للموضوعات، لكنها أبنية في الفضاء من بشر وأحداث ورؤى خفية. في كتاباته هموم الأمة العربية والكويت في قلبها، لكن في كتاباته، كما قلت وكما يعرف كل ناقد أو قارئ جاد للأدب، مغامرات في التشكيل والبناء والإمساك بالمثير من الموضوعات والأحداث. كما كان يفعل محمود درويش في الشعر، كان هو يفعل في الرواية. محمود درويش مجدد كبير في شكل القصيدة وروحه تهفو إلى قضايا الإنسان الكبرى، رغم أن حمله ثقيل بقضايا الوطن وكذلك كان يفعل إسماعيل فهد إسماعيل.
آخر مرة قابلته أول هذا العام في الكويت، أهداني رواية «السبيليات» و«على عهدة حنظلة» وانتظرت أن أراه مرة أخرى في القاهرة أو الكويت، لكنه أسرع في الخروج من هذا العالم القاتل، هو الذي بنى لنا عوالم حافلة بالجمال، رغم القسوة في مفرداتها. كنت أتمنى أن اكتب هذه الكلمات في حياته. لكن هذا العالم قاتل كل يوم.
٭ روائي مصري