سير الجيشان الأمريكي والتركي أول دورية مشتركة بين الجانبين في قرية أم جلود في منطقة نهر الساجور الذي يفصل منطقتي جرابلس ومنبج، شرقي محافظة حلب.
ونشرت وزارة الدفاع التركية صورا وشريطا مصورا لعربات مصفحة ترفع العلمين الأمريكي والتركي خلال دوريتهما المشتركة.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم الاثنين الماضي عن “استكمال عمليات التدريب والاستعداد للعسكريين الأتراك والأمريكيين، لتسيير دوريات مشتركة في منطقة منبج السورية”، حسب تصريحات الرائد شون روبرتسون لوكالة الأناضول التركية، الذي أضاف: “لقد استُكملت عمليات الإعداد والتدريب من أجل تسيير دوريات مشتركة خارج مدينة منبج، وقوات البلدين (تركيا والولايات المتحدة) تأخذ أماكنها لبدء تلك الدوريات”.
وكانت “القدس العربي” نشرت مطلع تموز (يوليو) خبر التدريبات العسكرية المشتركة بين الجانبين الأمريكي والتركي قبل بدايتها أو الإعلان عنها. واختتم الطرفان التركي والأمريكي التدريبات التحضيرية لإطلاق العمل بالدوريات المشتركة في 25 تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.
وصرح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، يوم الخميس، أن “الدوريات التي خططنا لها مع الولايات المتحدة في منبج، واستكملنا تدريباتها وقلنا بأنها ستبدأ، انطلقت بين عناصر الجيشين التركي والأمريكي في الساعة 15.53”.
ولفت إلى أنه “رغم الوعود الأمريكية المقدمة لتركيا بإخراج تنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي من منبج السورية إلا أن التنظيم يحفر الخنادق في المنطقة كما فعل سابقا في عفرين”. وأشار أكار إلى أنه “تم تجاوز مرحلة جديدة من الإجراءات اللازمة في منبج، ونواصل العلاقة (مع واشنطن) بصبر، وننتظر تحقيق نتائجها”.
والتصريح يدل على عدم رضى واضح من تركيا على تطبيق “خريطة الطريق” حول منبج، والتي بدأت مع تسيير أول دوريات متقابلة في 18حزيران (يونيو) الماضي، بعد اعلان رئاسة الأركان التركية بدء الجيشين (التركي والأمريكي) تسيير دوريات مستقلة على طول الخط الواقع بين منطقة عملية “درع الفرات” بريف حلب الشمالي، وحدود سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في منطقة منبج.
جاء ذلك في كلمة لأكار، خلال اجتماع لجنة الخطة والموازنة لعام 2019، في البرلمان التركي، حيث تطرق إلى آخر المستجدات في ملف منبج.
وشهدت مناطق خط الجبهة الغربية لمنبج توتراً ملحوظاً حصل خلاله تبادل لإطلاق نار في محيط قرى العريمة وكريدية والحمران الواقعة تحت سيطرة المجلس العسكري في مدينة منبج، والذي يتبع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
ووصف الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري لمدينة منبج وريفها، شرفان درويش ما حصل بـ”الخرق المتعمد” واعتبره “تجاوزاً لبنود المبادرة التي طرحتها قوات التحالف الدولي مع الجانب التركي بغرض إنهاء حدة التوترات والنزاعات المتبادلة وترسيم الأمن والاستقرار في هذه المنطقة.”
وأضاف: “نحن في المجلس العسكري في مدينة منبج، وسعياً من أجل إرساء الهدوء والاستقرار، عملنا جاهدين مع قوات التحالف الدولي بغرض تنفيذ هذه المبادرة التي تصب لصالح أهلنا في مدينة منبج، وتحديداً للأهالي الذين يعيشون بالقرب من منقطة التماس”، مشيرا إلى أن “المحاولات المتكررة التي تقوم بها هذه الفصائل العاملة تحت لواء الجيش التركي تضرب عرض الحائط بأي مقاربة جدية وصادقة تصب لصالح السكان المحليين”.
وانتقل التوتر إلى منطقة شرق الفرات، يوم الأربعاء، تحديداً على الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا على معبر تل أبيض شمال مدينة الرقة، قصف خلالها الجيش التركي حاجزاً لـ”قسد” أدى إلى مقتل عنصر واحد في الهجوم، ردت على أثره الأخيرة باستهداف عربة تركية وتدميرها حسب بيان للقيادة العامة لـ”قسد”.
وفي إطار التحضيرات لمستقبل منبج اجتمع قرابة 250 شخصا من الفعاليات المدنية ونشطاء مدينة منبج لبحث عدد من الملفات السياسية والبحث في خطة إدارة المدينة حسب معطيات “خريطة الطريق” المتعلقة بمدينتهم.
إلى ذلك، يبدو أن هناك خلافاً كبيراً بين واشنطن وأنقرة حول الجدول الزمني وتنفيذ الاتفاق، حيث أشارت أنقرة إلى أن “المرحلة التحضيرية” المتعلقة بالدوريات المستقلة ستنتهي خلال 15 يوماً بداية الأمر، إلا أن وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو اعتبر أنها تمتد من 4 حزيران (يونيو) إلى 4 تموز (يونيو) الجاري. لكن الدوريات المشتركة المستقلة بقيت مستمرة حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) إذ بلغت 65 دورية، أي ثلاثة أشهر إضافية على التفسير التركي الأخير.
هذا يرجح أن الدوريات المشتركة على حدود نهر الساجور ستأخذ وقتا طويلا قبل أن تدخل الدوريات المشتركة داخل مدينة منبج، أو أن تتواجد القوات العسكرية والأمنية التركية بشكل ثابت داخل المدينة والإشراف على تشكيل مجلس عسكري جديد أو مجلس إدارة مدنية جديدة، وهو آخر خطوات الاتفاق الذي كان يفترض أن يتم بعد 60 يوماً من توقيع الاتفاق بين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في 4 حزيران (يونيو) الماضي.
وهنا يبرز السؤال حول حقيقة التصعيد المفاجئ الذي جرى غرب منبج وفي معبر تل أبيض الحدودي، وهل هو ضغط تركي واضح على “التحالف الدولي” الذي تقوده أمريكا من أجل الاستعجال بإنهاء ملف منبج العالق منذ سنتين حتى اللحظة.
أصبح من الواضح أن المناورة الأمريكية فيما يخص منبج لن تفضي إلى اتفاق نهائي بين الدولتين أبداً، ويرجح أن تماطل أمريكا في مسألة الدوريات المشتركة شهورا أخرى، قبل أن تقبل بدخول القوات الأمنية التركية إلى عمق المدينة. وهذا يعني أنه في حال أجبرت واشنطن على حلحلة وضع منبج فانها ستقبل بعودة النازحين والنشطاء ووجهاء العشائر المقربين من تركيا فقط، وتشكيل مجلس محلي أو إدارة مدنية فقط، دون تشكيل مجلس عسكري مشترك جديد كما تشتهي تركيا.
وستبقى المسألة الأمنية بيد “وحدات حماية الشعب” الكردية، فواشنطن وفريقها العامل في شرق الفرات لا يحبذ أن تتحول أكثر المدن المستقرة أمنيا، والتي تحوي نحو 200 ألف نازح، إلى مدينة تتصارع فيها القوتان، القريبة منها والأخرى المحسوبة على تركيا. وهو ما سيعني فوضى جديدة تتخوف منها قيادة التحالف الدولي في أكبر المدن تحت سيطرتها، إذا قارنا مع مدينة الرقة التي هدمها الأخير بحجة “الحرب على داعش”.