زوج من طيور الحب

قاومت كثيرا، ورفضت طلب أولادي ورغبتهم في مناسبات كثيرة وأوقات مختلفة عدة أن أشتري لهم زوجا من طيور الحب.
كانوا وكأنهم يرتبون الأمر في ما بينهم، تأتيني ابنتي هديل ذات السنوات العشر بفنجان شاي أو قهوة، وبعد أن تضعه بقربي، تجلس قبالتي، وتأخذ في ذكر محاسن تلك الطيور: إنها جميلة يا أبي، ألوانها زاهية بهية، تختلط وتتنوع في ريشها ألوان الأصفر والأحمر والأزرق والأخضر والبني، وغيرها من ألوان.
أقطع عليها استمرارها في الحديث، وأعلق: المهم عندي دراستكم والنجاح فيها، وعدم الاهتمام بهوايات تشغلكم عن دروسكم وواجباتكم.
تبتسم هديل، وتعلق: إذن .. ها أنت يا والدي تعترف أن تربية العصافير هواية من الهوايات. وتضيف بابتسامة أوسع: وهي هواية محببة وجميلة، لأن العصافير من أرق الطيور وأجملها.
أعلق بتبرم: أعرف ذلك يا ابنتي، لكن العصافير تحتاج إلى رعاية ومتابعة ونظافة، وتوفير احتياجاتها من أكل وماء وغير ذلك.
لحظتها، فإن حسان، أكبر أبنائي وعمره خمس عشرة سنة ، أتى من غرفة أخرى وسأل شقيقته عن كتاب وضعه على الطاولة. لم ينتظر جواب شقيقته، بل أكمل بلهفة: عذرا يا والدي، إن في أصوات العصافير وغناءها ما يغطي على سلبيات كثيرة فيها، خصوصا طيور الحب، إذ يمكن تعليمها بعض الكلمات كالببغاوات أحيانا.
علقت: تتحدثون عن طيور الحب كأنكم خبراء فيها. رد حسان: لا نخفي عليك يا والدي، أننا ونحن في طريق عودتنا من المدرسة إلى البيت، نتوقف قليلا عند محل بيع الطيور، ونستمع إلى ما يذكره البائع عنها للزبائن، ونستمع إلى زقزقاتها وأناشيدها وغنائها البديع الرائع.
هززت رأسي متعجبا، ثم ناديت على شادي ابني الثالث، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات. جاء شادي ضاحكا، وكأنه كان يعرف ما نتحدث عنه، وسأل: نعم يا والدي ماذا تريد؟ قلت باسما: وأنت.. هل تحب العصافير، أعني هل تحب أن نأتي بها إلى البيت؟
اصطنع ضحكة وحك رأسه، وأجاب: إنها بهجة للبيت. لو رأيت الحنان .. و.. ماذا أيشا يا حسان؟
أكمل حسان جملة شقيقه وقال : هناك مزايا جميلة لطيور الحب، إنها حنونة، وتهتم كثيرا بعضها ببعض، وكأنها يحادث بعضها بعضا بالغناء.
جاءت صغيرتي شادية ابنة السنوات الستة، فسألتها: وأنت يا صغيرتي.. هل تؤيدين إحضار عصافير الحب إلى البيت؟ ردت بسرعة: أنا سأطعمها.. الله ما أجملها؟
أطلت علينا زوجتي وعلقت: الله يديم هذا الجمع، ويبارك به. ذكرت لها باختصار: إنهم مجمعون على إحضار عصفوري حب إلى البيت. علقت وهي تنشف يديها من آثار عملها في المطبخ: ما دام الإجماع متوافرا، فعلى بركة الله.
قلت مترددا: والدراسة، والنجاح .. و..
قاطعوني وهبوا واقفين: من هذه الناحية اطمئن.
نقدتهم المبلغ الذي طلبوه، وذهب حسان وهديل بعد ظهر ذات يوم، وأحضرا عصفورين في قفصهما. كانا بلونين أخضرين فيهما صفرة، لا يكفان عن الزقزقة والغناء والقفز، ونقر بعضهما بعضا برفق وحنو.
قال حسان: إنهما ذكر وأنثى حسب ما ذكر لنا البائع.
وفر الأولاد لهما مكانا مناسبا في شرفة البيت. ذاك يقلد صفيرهما، وتلك تريد تعليمهما كيف ينطق اسمها، وآخر يريد حشوهما بما يرغب من الحبوب والأكل. والصغيرة تبدي اهتماما بالمحافظة على نظافتهما.
تعاونوا جميعهم في توفير جو مناسب لهما، في حين أن العصفورين كانا لا يكفان عن الرفرفة والزقزقة والغناء والتشاقي، وأحيانا نقد ونقر باب القفص.
وأنا من ناحيتي ، لم أكف عن تذكير الجميع بمتابعة دراستهم والاهتمام بها، تؤيدني في ذلك أمهم.
فوجئت ذات يوم بأن حسان كان قد أدخل القفص إلى داخل إحدى الغرف، وفتح بابه وأطبق سراح العصفورين فيما بقية أبنائي فرحون بذلك، يتراكضون، ويتقافزون مع العصفورين.
تساءلت يومها: ألا تخشى يا ولدي هروبهما؟ تدخلت هديل وقالت: لا تخش شيئا يا أبي، لفد اتخذنا كل ما يلزم لمنع ذلك. أكملت: والدروس، ومساعدة الوالدة في أعمال البيت؟ ردوا جميعهم: دقائق قليلة با أبي.. ثم نعيدهما إلى قفصهما.
أفقت من نوم متأخر في يوم عطلة، وسمعت لغطا وصياحا مكتوما، فتوجهت إلى مصدر الأصوات. نكس أولادي رؤوسهم، واقتربت مني صغيرتهم وقالت: والدموع تنهمر من عينيها: لقد طار العصفور يا أبي. سألت كيف طار يا حسان؟
رد بتلعثم: كنا كالعادة نروضهما، ونسينا إغلاق باب الغرفة، فاستغل العصفور الذكر الفرصة وطار.
علقت: ألا تعرفون يا أبنائي أن الطبع يغلب التطبع، لقد تاق العصفور للطيران، إن من طبعه الطيران وليس البقاء حبيسا في قفص، يحب دقئ الشمس والريح، والبحث عن رزقه بنفسه.
قال حسان: لقد وفرنا له كل ما يحتاج إليه.
علقت: إلا الشئ الوحيد: حرية الطيران، والتحليق والانطلاق وممارسة ما اعتاد عليه في الأساس، أي حرية التنقل والاختيار.
ثم سألت : ما الذي فعلته العصفورة بعد أن وجدت نفسها وحيدة؟
أجابوا: كأنها تبكي، صوتها لم يعد كما كان في السابق، دائمة القفز والتلفت إلى هنا وهناك، وقليلا ما تأكل أو تشرب، كأنها تشكو الوحدة، وتوالي مهاجمة باب القفص بمنقارها ورأسها.
علقت: ضعوا القفص في مكانه المعتاد، وليهتم كل منكم بمشاغله ودراسته.
بعد ظهر اليوم التالي على مغادرة العصفور القفص، سمعت زوجتي تقول: عاملوه برفق.. مسكين لقد هزل، إنه يرتجف.
توجهت إلى الشرفة، فوجدت جميع أفراد عائلتي متحلقين حول القفص، كان العصفور نفسه قد عاد إلى الشرفة. ريشه منتوف من أنحاء متفرقة من جسمه ورأسه، به هزال كأنه لم يأكل أو يشرب في فترة غيابه.. أو ربما أكل وشرب القليل، وربما سطت عليه الطيور الأخرى ونتفت ريشه.
فتح له حسان باب القفص كي يدخل، لكنه لم يتحرك، وبقيت لديه ممانعة، هاجت العصفورة وحاولت الفرار من الباب المفتوح، إلا أن حسان حاول إغلاق الباب، لكن العصفورة تمكنت من مغادرة القفص وانطلقت بعيدا كالسهم فلحق بها العصفور، واستمرا في طيرانهما المتواصل.. بانت الدهشة والحزن والأسف على وجوه أطفالي ودخلوا محبطين إلى غرف البيت من دون أن يكلم أحدهم الآخر.

٭ قاص فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية