الدول المتطورة صناعياً، بالتحديد الولايات المتحدة، روسيا، الصين، المانيا، فرنسا، إنكلترا، إيطاليا ومن يدور بفلكهم ويرتبط بعلاقة شراكة تجارية وسياسية متينة معهم، هي الأكثر انتاجاً لأجود وأسرع أنواع الأسلحة فتكاً بالإنسان. أسلحة تعرض وتباع حسب الكمية والذوق، بل ولبعض من الزبائن المميزين يمكن أن تطلى بالذهب والفضة وأن تزخرف بالحجارة الكريمة، بدون أن تفقد بتاتاً أهم ميزة صنعت من أجلها، قتل النفس البشرية، ما على الراغب في اقتنائها سوى إظهار الرغبة والمال الوفير، وحينها سيتدفق عليه ويدور من حوله بتملق وجشع خيرة تجار وسماسرة السلاح. بالنسبة لهؤلاء لا يهم من أين أتى هذا أو ذاك المشتري بالمال، وفي ما سوف يتم استخدام ما قد تم اقتناؤه. المهم أن يُدفع الثمن وليذهب بها في ما بعد لأي جهنم أو جحيم يشاء.
الدول السالفة تنتج ما يقارب 70٪ من صناعة السلاح.. وهذا رقم خيالي إذا ما قورن بعدد دول العالم 194 دولة، وهي في الوقت نفسه الأقل استخداماً والأقل عرضة لسوء استعماله، إضافة لكونها الأكثر استفادة اقتصادياً وسياسياً من طرحها في الأسواق. بعكس باقي السلع، تجارة السلاح هي الأكثر ربحاً لأن معظم أموالها تدفع نقداً وبشكل شبه مسبق. وفي كثير من الأحيان بطرق ملتوية حتى لا يتم رصدها ورصد ما يُدفع مقابلها من أتاوى ورشاوى. هذه هي الطريقة المفضلة، خاصة من قبل التجار غير الرسميين والمعرفين بمافيا السلاح. في الواقع هؤلاء ليسوا سوى أشباح تخترعهم بعض الهيئات العسكرية للتخلص من الفائض المكدس بالمخازن. علماً بأنه من المستحيل ممارسة اعمالهم بدون أن تغض مؤسسات أخرى من الدولة البصر عنهم وعن تجارتهم الرائجة. فمن موانئ هذه الدول يخرج السلاح وعن طريق بنوكها الوطنية يدخل المال الملطخ بدماء الأبرياء.
وتجارة السلاح هي كذلك المهنة الأكثر مراقبة بالعالم المتقدم، فكل طلقة أو بندقية تصنع يتم تشفيرها، خوفاً من أن تقع بأيدي معادية أو تستخدم ضد شعوبه، التي يجب أن تبقى في مأمن من عواقبها الوخيمة. وهي التي تملك أضخم مخزون من الأسلحة الأكثر دقة وتطوراً. وغالباً ما تملكها بهدف استعراض القوة وخلق نوع من التوازن وتوظيفها لأهداف استراتيجية خاصة. بالنسبة للقوى الكبرى امتلاك السلاح هو واحد من أهم جوانب لعبة الأمم. وهي تعي بأن استخدامه بينها يعني الهلاك المتبادل، لذا تفضل اكثر التلميح بامتلاكه قبل استعماله. في العادة الاستخدام الفعلي للسلاح يتم حال الضرورة القصوى وضد الدول غير القادرة على الرد، مثل ما فعلت الولايات المتحدة بالعراق وسورية، وروسيا بجورجيا وأوكرانيا، والصين بالتبت وفيتنام. أمر شبيه حدث مع بريطانيا بالأرجنتين، فرنسا بتشاد ومالي وإسرائيل فى علاقتها مع لبنان وفلسطين، إضافة إلى أن هذه الدول لا تصدر أو تستخدم السلاح قبل استشارة حليفها الرئيسي، مثلما تفعل الدول المرتبطة استراتيجياً بكل من روسيا والصين.
هذا بعض من خير ما عندهم. أما ما عندنا نحن، فأسواق حربية مفتوحة، مال وفير، رغبة فى التسلح وأجساد جاهزة للفناء. حالياً الدول العربية والإسلامية، الغنية منها والفقيرة، هي المستورد الأكبر لمختلف أنواع السلاح بالعالم. من هذه الناحية ربنا كذلك منعم ومتفضل. وفيها تقام أضخم المعارض العسكرية وعلى أرضها توقع أكبر وأغلى الصفقات العلنية والسرية. طبعاً هنالك من يستفيد مالياً وسياسياً من مثل هذه الصفقات، التي توقع على حساب الفقر العام. للأسف معظم الأحداث التي وقعت بالمنطقة أثبتت أن ما يتم اقتناؤه من سلاح ليس لحماية الشعب وإنما للتسلط والتحكم فيه. بالنسبة للثقافة السياسية العربية، لا قيمة للوطن بدون زعيم ولا قيمة للزعيم ان لم يكن جيشه مدججا بالسلاح، كي يرهب، يدمر ويقتل كيف وحيثما شاء.
المشكله الأكبر تكمن الآن في كون السلاح، بكافة أنواعه وأحجامه، أصبح مشاعا ومنتشرا وليس حكراً على المؤسسات الرسمية فقط. لا يعلم سوى الله وأولي الأمر منهم كيف تم انتشاره بهذه السرعة والسهولة. مئات الآلاف من الشباب يحملون حالياً أفضل أنواع الأسلحة صناعة، بدون أن يعلم أحد من اشترى او باع أو دفع لهم قيمة ذلك. ولا أحد يتحدث عمن درب أمثال هؤلاء وأين ومتى تم ذلك. وتجهل الغالبية كيف ومن ينظم وينسق بين هذا الكم الهائل من الرجال المدججين بالسلاح والمنتمين لكثير من التنظيمات الموزعة على طول وعرض الخريطة العربية – الإسلامية. كل ذلك يحدث كما لو أن ليس هنالك أجهزة تنصت، مراقبة ومتابعة رسمية.
المعروف أن أي تنظيم سري أو علني يتجاوز عدد أفراده أصابع اليدين قابل للاختراق بكل سهولة. حالياً عدد أعضاء غالبية التنظيمات يفوق عدد جيوش بعض الدول المعترف بها دولياً. ومنها ما تملك، رغم فقرها الواضح وفقر الدول الموجودة فيها، كماً هائلاً ومتنوعاً من أحدث أنواع الأسلحة، مثل ذلك أمر غريب ويخلق اعتقادا بأن هنالك مؤسسات أكبر وأقوى تقف خلفها، تدير حركتها، تمدها بالعتاد، تلقنها الشعارات، تنسق الاتصالات بين الأعضاء وتتابع الأعمال والنتائج الملقاة على عاتقها. لتجنب أي نزاع مباشر، من غير المستبعد أن تكون هذه التنظيمات قد خلقت لتحارب بالوكالة، مثلما تفعل أحياناً القوى الكبرى بالصغرى حين الحاجة.
أحياناً يتأمل الإنسان ويعتقد بأن الأمور قد أفلتت من أيدي الدول الواقعة ضمن دوامة العنف. بصراحة هذا أمر غير محتمل، لكن المؤكد أن استخدام وإنتاج السلاح ينتج دائماً ردة فعل سلبية. فكم دولة وزعت رشاشات وقنابل ودفعت في ما بعد الثمن باهظاً. لو فعلاً أرادت كثير من الدول منع حدوث مثل ذلك لبادرت الى تجفيف منابع السلاح بالتوازي مع المطالبة بتجفيف منابع المال، ولمنعت بذلك كثيرا من التنظيمات من القيام بأعمال أشبه بالحروب الكلاسيكية. ولو فعلت مثل ذلك مع الجيوش التي تعلم يقيناً بأنها في خدمة الاستبداد والظلم، لما كانت هنالك ثورات وحكام يقتلون ويبطشون بشعوبهم بحقد وبدم بارد. يمكن أن يكون مثل هذا الطلب مجرد تخيل رومانسي، لكن أحياناً شدة البطش الدائر تفرض الاعتقاد بإمكانية ان يتحول الحلم يوماً ما إلى واقع.
معظم التنظيمات والجيوش الفتاكة موجودة بالبلاد العربية – الإسلامية. وهي تصرح – أو من أوجدها يفرض عليها أن تصرح- بأنها ملتزمة بحماية الدنيا والدين. لكن الغريب أن أكثر المتضررين من أعمالها هم أتباع هذا الدين وأهل البلد الذي يتبجحون بالدفاع عنه. مثل ذلك يخلق انطباعا بأن هذه التنظيمات ومثلها من الجيوش المتعسفة، لم تخلق لتناضل من اجل قضية عادلة، وأن السلاح الذي يأتي لها من الخارج – أحياناً مجاناً- يأتي بهدف التسلط على البشر وتدمير المجتمعات. بالنسبة للجيوش التابعه للأنظمة القمعية بالتحديد فبدل أن تعمل هذه على خلق التوازن وضمان الاستقرار الداخلي، من خلال احتكارها للسلاح الوطني، فأنها تصطف دائماً الى جانب الطاغية ضد الشعب الأعزل، ما يحولها لمجرد حفنة من المليشيات المخصصة لقمع كل تواق إلى الحرية ونيل الكرامة. مثل ذلك يتطلب صياغة جديدة لمفهوم الجيش الوطني في مثل هذه الدول، ليصبح هذا فعلاً من وإلى الشعب.
من يتمعن في من يحملون أحدث أنواع السلاح مثلاً بجبال اليمن وأفغانستان، غابات نيجيريا ومالي أو صحارى الجزائر والصومال، يستغرب كيف أن كثيراً من التطور التكنولوجي وصل إليهم قبل أن يصل التطور الحضاري لعقولهم وسلوكهم، لمأكلهم وملبسهم، لمدارسهم ومستشفياتهم لمنازلهم وللكهوف التي يقطنونها هم وكثير من أبناء أوطانهم. أمام هذا الواقع المزري تختلط الأمور على كثير من الناس ويصعب حقاً التمييز ومعرفة من هو القاتل الفعلي، ذاك الذي يحمل السلاح ويزهق أرواح الأبرياء، أم من يمده باستمرار بأكثر آلات البطش والدمار فاعلية. بالنسبة لمن تؤرقه يومياً مناظر الموت والخراب، المهيمنة لسوء الحظ حالياً على ملامح عالمنا العربي-الإسلامي، كلاهما ليس سوى مجرد مجرم وقاتل، بغض النظر عن المبادئ النبيلة التى يتغنى دفاعاً عنها.
٭ كاتب فلسطيني ـ إسبانيا
د. ناصر عبد الرحمن الفرا