هاشم صالح «نعم»… أدونيس «؟» ( 2 من 3)

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» من عمر عفراوي: نقلت الصحف في أواسط 2012 عن أدونيس أنه قال: من يراقب السياسة الحالية لفرنسا إزاء العالم العربي يلاحظ أنها تخون مبادئ الثورة الفرنسية .. لأنها بدلاً من العمل على دعم التيارات المدنية والديموقراطية، فإنها تدعم كل الحركات الرجعية والأصولية « تمنيت لو أنه قال: من يراقب سياسة فرنسا السالفة والماضية والحالية … لما كان ُيلام.
نعرف جميعاً أن فرنسا بدأت غزو الجزائر واحتلالها منذ1830 .. كم كان عمر ثورة 1792 ؟ نقل لنا كاتب فرنسي منذ نحو ربع قرن، بعض ما دار من النقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية من واقع محاضر الجلسات، أيام كان الجنرال BUGEAUD يحكم الجزائر بين 1840 و 1847 وكان قد هزم الأمير عبدالقادر في 1844. ومازلت أذكر شهادات لبعض الضباط في وصف مطاردة القرويين المذعورين من هجمات الجيش الفرنسي، حين يلجأون إلى المغاور والكهوف في الجبال، فيقوم الجنود بجمع الحطب والقش ويسدون بها مداخل الكهوف ويوقدون النار فيها ليموت الناس بالمئات اختناقاً، وزعيق النساء والأطفال يملأ مسامع جنود ثورة «حرية ومساواة وإخاء».. هذه محرقة حقيقية لا يذكّرنا بها إلا كاتب فرنسي حي الضمير، رحل عن دنيانا منذ وقت ليس ببعيد،تاركاً المجال لمن يذكّرنا ليل نهاربمحارق أخرى.
لنقفز فوق عشرات السنين – بعد هذه الخيانة – ونتوقف بُعيد احتلال فرانسا حصتها من تقاسم إرث الدولة العثمانية في المشرق العربي، سوريا ولبنان حالياً .. أيام أقدمت فرانسا نفسها على التعاون مع الأصوليات الاسلامية «الطائفية» وأقامت دولة لأهل السنة «والجماعة» في دمشق وحلب، ودولة للموحدين الدروز في السويداء، ودولة للعلويين في الساحل (ومنه قصابين) وننسى لبنان … أما في لواء الاسكندرونه قبل تنازل فرانسا عنه إلى تركيا في 1939، فكان الحاكم الفرنسي في أنطاكية – مثلاُ – يأمر بتوزيع التلاميذ العرب في المدرسة على مقاعد الدراسة تبعاً لطوائفهم (السنة في رتل،والعلويون في رتل، والمسيحيون في رتل)
إن خيانة الثورات لمبادئها أكثر انتشاراً من الخيانة الزوجية .. وتكاد تنطبق على الخيانة الأولى، ما قالته الأديبة غادة السمان ذات يوم عن الخيانة الثانية: إن خيانة أحد الزوجين لشريكه هي وفاؤه لنفسه …
أما القادم من الفلسفة، فقد كتب في نهاية الفصل الثالث: «انسداد تاريخي وانغلاق لاهوتي» بعد تحليل عميق، هذه الجملة الشاملة «لنعد ولو للحظة إلى خيانة الغرب للتنوير الذي يزعم أنه يحكم باسمه ومن خلال قيمه. كيف برر هذه الخيانة عندما تعامل مع الأنظمة الاستبدادية بل وحماها من الانهيار».
لا يغفل القادم من الفلسفة عن دور استبداد الأنظمة في اندلاع الانتفاضات ضده، ولا عن دور الغرب الدائم في دعمها وبقائها. كما لم يغفل القادم من الشعر أيضاً عن دور الاستبداد، يوم كتب في تقديم العدد الثاني من مجلة الآخر (تشرين الثاني 2011) تحت عنوان قراءة حرة للثورات العربية جاء فيه: مارست هذه الأنظمة طغياناً تأسس في جوانبه السياسية والاقتصادية على «حرية وحشية» حرية الامتيازات والاحتكارات، مقرونة بالتنكيل والإقصاء والقتل. سقوط هذه الأنظمة إذن، ليس ضرورة تاريخية وثقافية، وإنما هو ضرورة إنسانية … فهل يسوغ بروز التيارات المتأسلمة، وبعضها مشبوه جدا، تخلي أدونيس عن الضرورة الإنسانية لاسقاط انظمة الاستبداد، ليبشرنا ان المعارضة هي التي تدمر سوريا .. ؟
لو أن شاعرنا وهو يذكّر فرانسا بخيانتها لمبادئ ثورتها بدعمها الحركات الرجعية والأصولية، ذكَرها بدعمها للاستبداد لكان أنصفها وعَلّمنا أنها «متعودة» على ممارسة … السياسة.
عاد القادم من الفلسفة إلى جذور خيانة التنوير الأوروبي المبادئَ التي أراد تحقيقها في الغرب أولاً، ولكنه لأسباب منها الثورة الصناعية ونمو الرأسمالية والاكتشافات الجغرافية والاستعمار، استمرأ خيانة مبادئ التنوير في المستعمرات حيث رفعت جيوش الغرب التنويري شعار: «مهمة الإنسان الأبيض» وواجبه في «تحرير» الشعوب باستعبادها. مما يجعل مغازلة فرانسا للمتأسلمين هنا وهناك، نوعاً ساذجاً من التقية هدفه تفادي عمليات إرهابية تمس مصالح فرانسا مباشرة وحياة مواطنيها. هذا السلوك «السياسي الواقعي» الذي أعطاه القادم من الشعر أهمية في غير محلها. الا يجدر بنا قبل ان نلوم فرانسا على خياناتها لمبادئ ثورتها ان نسأل جماعة الوحدة والحرية والاشتراكية عن «وفائهم» المشهود لمبادئهم؟ وهل يكفي القول: «قراءة حزب البعث العربي للواقع العربي وبخاصة في العراق وسوريا، قراءة شبه دينية تراثيا، وقد هيمنت حوالى نصف قرن ..؟

ظاهرة اللامبالاة بقتل الإنسان

لن أتورع عن القول إن قراءة نصوص أدونيس الإبداعية أمر لا يماثل قراءة نصوصه السياسية، (في رأيي) بخاصة ما استجدَ منها وفاض بشأن «الربيع العربي بعامة والربيع السوري» الذي يظلمه مثقفون كثر لا يفكرون، ومفكرون أيضاً لأسباب شتى.
لا يضير النصَ الإبداعي كونه « حمال أوجه « وهذا يؤذي النص السياسي ويصيبه بغموض قد يكون غير مقصود وقد لا يكون. كما أنه يرهق القارئ ويعرقل تواصله التفاعلي بالكاتب. ومن هذا القبيل الفقرة الرابعة من مدارات الثاني من كانون الثاني 2014 وهذا نصها:
«وهل في هذه المنجزات التى أشرنا إليها بإيجاز، مناسبة أيضاً للقول إن من بين ظواهر «الربيع العربي» التي يجب درسها وتحليلها بعمق واستقصاء للكشف عن أسسها وأبعادها، ظاهرة اللامبالاة بقتل الإنسان؟ وهي ظاهرة عامة في سلوك العرب نظراً وعملاً (….) ولا أعني هنا القتل الجماعي في ميدان الحرب، فهذا يخضع في التحليل والدرس إلى أوضاع وأعمال أخرى. أقصد تحديداً القتل الفردي، فقتل الإنسان الفرد عمداً، باغتياله أو ذبحه أو باستخدام طرق أخرى في القتل فتاكة ووحشية؟» .. انتهى الاقتباس
لا جدال في استنكار ظاهرة اللامبالاة بقتل الانسان، لكنني توقفت أمام ربط الظاهرة في النص بصفتها من ظواهر الربيع العربي، قتل الانسان الفرد أو ذبحه عمداً. وجدت نفسي هنا أمام صور الإرهابيين المتأسلمين وهم يصرخون الله أكبر ويشهرون سيفاً يقطعون به عنق الضحية. بينما اختفت – أو كادت – صور المئات من ضحايا السلاح الكيماوي وقنابل الطائرات. توقفت ثانية أمام هذه الفكرة: «ولا أعني هنا القتل الجماعي في ميدان الحرب، فهذا يخضع في التحليل والدرس إلى أوضاع وأعمال أخرى ..» فهل تحول القادم من الشعر إلى قادم من واحدة من كليات أركان الحرب العربية حتماً ؟ وهل أفهم من هذه التفرقة الأكاديمية بين قتل الانسان فردياً، وهو مستنكَر مطلقاً، أن وجود جيش (نظامي) ومعه دباباته وصواريخه ومدفعيته وسلاحه الكيماوي وطائراته المقاتلة، في ميادين المدن والبلدات لحمايتها من «القتلة الفرديين» كفيل بتغيير طبيعة
«اللامبالاة» الكامنة في القتل الفردي، مع التكبير، إلى «مبالاة» في حالة القتل «الميداني» النظامي بخاصة وأنه يتم من دون تكبير ؟ ..
طالما أن اللامبالاة بالقتل «الفردي» من ظواهر الربيع العربي، فكيف أفهم هذه الجملة المفيدة: «ولا أعني هنا القتل الجماعي في ميدان الحرب» … والأكثر أهمية أين يقع هذا الميدان؟ وهل يوجد في «ميادين» مدن الربيع العربي وبلداته كما يوحي السياق؟ ذلك أن ميادين الحربين العالميتين في القرن العشرين ومعها ميدانا هيروشيما وناغازاكي، ليس لها مكان في سياق نص عن ظواهر الربيع العربي، على ما أظن. وكان أدونيس قد طالبنا بألا نناقش آراء الشاعر وانتماءاته، أكثر مما نناقش النص الذي كتبه. (في نايل التونسية)
فهل أناقش هنا آراءه وانتماءاته أم أناقش النص الذي كتبه ؟ هذا ما يحدث عندما يكتب المفكرون الكبار نصوصاً يعرفون سلفاً أن إدراك مراميها فوق طاقة جمهور القراء …
ما أود التنويه به بسيط. فأنا أولاً أمنح تأييدي لما قاله أدونيس استنكاراً لظاهرة اللامبالاة بقتل الانسان. وأعرف مثل غيري، ثانياً، أن هذه اللامبالاة واكبت ربيع البعث العربي الاشتراكي الذي حل في قطرين عربيين منذ شباط وآذار 1963. كما أن إحصاء عدد قتلى «الربيعين» يحتاج إلى التحليل والدرس «لأنهما طالا عقوداً من السنين. غير أن الذي يتقصى موقف القادم من الشعر طوال تلك السنين، لا يكاد يجد نصاً في استنكار «ظاهرة اللامبالاة» بقتل الناس إلا بشق النفس. وأرجو ممن لديه مثل هذا النص أن يدلني أين أعثر عليه.
لا يخطر لي على بال الشك في حقيقة شعور أدونيس تجاه الضحايا أينما كانوا. كما أنه من العسير وضعه في صف مؤيدي الاستبداد. ما يدهشني هو هذا الدفق المستمر من النصوص التى تتصل بالربيع العربي اليوم، وفي كل مناسبة تناول فيها الكلام. والتي يدور أغلبها حول محور واحد لا مجال لمناقشته الآن. فلماذا هذ الخلل الفادح في ميزان كم النصوص بين الأمس القريب وبين اليوم ؟ وهل من تفسير مقنع لهذه «الظاهرة» الأدونيسية التي واكبت «الربيع العربي» ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية