القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال معظم صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 6 نوفمبر/تشرين الثاني، مخصصة لعرض مناقشات الرئيس السيسي في المؤتمر الدولي الثاني لشباب العالم، الذي حضره كثير من السياسيين الدوليين. كما خصصت الصحف معظم مقالاتها وتعليقاتها لشرح ما قاله الرئيس بدون أن يقدم أحد جديدا.
ومن الأخبار التي أثارت تفاؤل عدد من السياسيين والعاملين في مجال المنظمات المدنية وحقوق الإنسان، هي موافقة الرئيس على إجراء حوار مجتمعي حول القانون الذي أصدره مجلس النواب ولم يصدق عليه الرئيس بعد. وقال محمد فائق رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان مندهشا من أن المجلس أصدر القانون بينما كانت المناقشات دائرة بين المجلس ووزيرة التضامن الاجتماعي، وأن القانون فرض قيودا شديدة على نشاط المجتمع المدني، وأن الرئيس تنبه مبكرا لوجود عوار فيه، لذلك لم يوافق على لائحته التنفيذية.
مشروع قانون جديد لرفع رسوم النظافة على الوحدات السكنية إلى 30 جنيها شهرياً والمواطن أصبح مسؤولا عن دفع ثمن تقصير المسؤولين
ولا يزال الاعتداء الآثم على أشقائنا الأقباط يحظى بقدر وافر من الاهتمام وسط إعجاب بكفاءة جهاز الأمن الوطني ومعلوماته وسرعة قتله الإرهابيين بعد يومين من الحادث، وبعدها ذهب وزير الداخلية اللواء محمود توفيق لتقديم التعازي للبابا تواضروس الثاني في مقر الكاتدرائية. ومطالبة وزير التعليم العالي بالتدخل لوقف الدروس الخصوصية في الجامعات. أما الموضوعات الأكثر اجتذابا للأغلبية فهي الأسعار والمخاوف من المقالب التي تعدها الحكومة سرا لرفعها، رغم أنها تنفي ذلك وكذلك مباراة الإياب في تونس بين فريقي الأهلي والترجي. وإلي ما عندنا..
ونبدأ مع ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم» والصحافي الوحيد المقرب للرئيس، إذ قال ياسر تحت عنوان «إشارات السيسي الحمر»: «سمعت الرئيس السيسي (أمس الأول) من الصباح إلى المساء، يبدو الرئيس يشْتمُّ رائحة دخان آتية من حيث لا حريق. يبدو أنه يرى ما لا يلوح لنا بعد. النيران لم تنشب لكن الرئيس يطلق إشارات تحذير حمر ينبه من خطر مقبل بل مخاطر محدقة، ما لم يتحسب أبناء المنطقة العربية، فهناك من خارجها من ينظر إلى ما نالها من خراب غير كاف، ولا يحقق له ما يروم؟ أحب أن أنصت إلى السيسي حينما يتكلم وهو يستشرف المستقبل، هكذا كان وهو مدير للمخابرات الحربية، ثم وهو قائد عام للقوات المسلحة، ثم وهو مرشح لرئاسة الجمهورية، ثم بعد أن صار رئيسا للجمهورية وقائدا للبلاد. أحيانا أتمنى ألا تتحقق رؤيته، رغم أن تلك الأمنية هي من قبيل دفن الرأس تحت الرمال، ثم أحادث نفسي وأحاورها كيف نتقي ما يحذر منه قبل أن يمسك الشرر بالحطب ويشتعل الحريق وتتصاعد الأدخنة تخنق الأنفس، وتمتد النيران تحيل كل شيء إلى خراب. الخراب هو ما يحذر منه السيسي في وقت نحلم نحن وغيرنا باستقرار حادث وتنمية تزهر. شاب من العراق سأله: ما الوسيلة السلمية لتغيير الحكومة غير الانتخابات؟ كان مقصد السؤال واضحا، ورد الرئيس سائلا الشاب واسمه عبدالله عن عمره فقال له: 24 عاما فعقّب الرئيس قائلا: إذن أنت لم تر العراق أنا رأيته في عنفوانه، دولة يشار لها بالبنان دولة قادرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لكن هناك من اقتادها واصطدم بها بالجدار. شاب آخر من لبنان قال للرئيس: لا نعرف قدسا شرقية وأخرى غربية فالقدس واحدة كعاصمة لفلسطين، رد عليه الرئيس منبها إلى أن الشعارات التي تخاصم الواقع هي السبب في ما جرى لنا وضياع فرص كانت سانحة. ثم ابتسم وقال للشاب: «طيب بس خد القدس الشرقية». ليس صحيحا أن الرئيس السيسي كان ضد التغيير أو هو ضد التغيير، لاسيما إذا كان يستهدف الأفضل ويصل إليه، رأيي الشخصي المتواضع أن أفضل ما في ثورة 25 يناير/كانون الثاني ـ على سبيل المثال ـ أنها فتحت الطريق لنعرف رجلا هو عبدالفتاح السيسي. إجابة الرئيس على سؤال شاب من بلغاريا اسمه قسطنطين يستفسر عن أسباب دعم مصر للسعودية كانت تفصح عن سبب تحذيراته وسر رائحة الدخان التي يشتمها في أجواء المنطقة، حيث لا نرى حريقا ولا نشاهد نيرانا، قال الرئيس وهو يخاطب آخرين: أليس يكفيكم عدم الاستقرار الذي حاق بالمنطقة؟ ألا تشعرون بالقلق إزاء امتداد الاضطراب الحاصل في أفغانستان وسوريا وليبيا والصومال واليمن إلى دول أخرى، علينا أن نضع نصب أعيننا إيجاد حد أدنى من الاستقرار في المنطقة، وبقليل من الانفعال قال الرئيس: إنني أريد أن أحافظ على السعودية والإمارات والكويت والبحرين وأيضا على قطر، ولم يشأ الرئيس أن يقول: وأيضا قطر رغم كل شيء حدث ويحدث من حكامها، فالغرض المصري هو بقاء الدولة وصون حياة الشعب القطري، ثم يضيف الرئيس: إنني أريد أن أحافظ على المنطقة فهي لا تتحمل أكثر مما حدث لها ولشعوبها».
أما خالد منتصر في «الوطن» فقال في مقاله الذي جاء تحت عنوان «إعبد حجرا ولكن لا تقذفني به»: «وأنا أستمع إلى حديث الرئيس السيسي عن حرية العبادة في منتدى شباب العالم في شرم الشيخ، قال لو فيه يهود في مصر مستعد أبني لهم معبدا. وتحدّث حتى عن حق من لا دين له في حرية اعتقاده، المهم ألا تفرض اعتقادك بالقوة وبالإجبار وبالسلاح والعنف. هذه العبارات رسّخت معاني في منتهى الأهمية كانت لا بد أن تكون بديهية لدى هذا الشعب منذ فترة طويلة، لكن ركام تراب وصدأ أفكار التخلف والفاشية حجبها عن الرؤية والفهم، الدين والمعتقد والمذهب علاقة رأسية بينك وبين الله، لا دخل لي شخصيا ولا للحكومة ولا للحزب ولا للدولة فيها، والحساب عليها لن يكون إلا للرب، حتى من لا يؤمن بتلك الأفكار الدينية أصلا هو حر، ما دام لا يؤذيني ولا يفرض عليّ معتقده ولا يجبرني على اعتناق إلحاده. العلمانية والدولة المدنية ومجتمعات الحداثة وصلت إلى تلك القناعة ورسختها، وصارت تسري في دم وروح المواطنين، نحن ما زلنا نعاني من الحشرية والتغول على حريات الآخرين، وفضول التدخّل في تفاصيل حياتهم ووسواس هدايتهم بالعافية إلى ما نعتقد أنه الحق. الدولة الحديثة تقوم على دعامتين القانون والمواطنة، وبالطبع مفاهيم اجتماعية أخرى مثل الحرية واحترام الخصوصية وغيرها، وتلك المفاهيم لا يمكن أن تسود في ظل سيادة وسيطرة مصطلحات متحفية وتعبيرات ماضوية مثل جهاد الفتح وفسطاط الإيمان والغزو والكافر والذمي والولاء والبراء والجزية».
«ما أن انتشر خبر الاعتداء الإرهابي على زائري دير الأنبا صموئيل الجمعة الماضية، حتى انطلقت الاتهامات في كل اتجاه: اتهام الأمن بالتقاعس، والأزهر لعدم مجابهة فكر التمييز والكراهية، والحكومة بسبب الغلاء والبطالة، والدولة لتخاذلها عن تطبيق القانون. الغضب حسب زياد بهاء الدين في «الشروق» مفهوم وضروري لأن الفاجعة كبيرة، ولكن اختلاط الحابل بالنابل في توجيه اللوم ليس مفيدا، بل يضر لأنه يجعلنا نخرج من هذه المأساة بكثير من الإدانة والكلام الحماسي، والتنفيس عن الغضب، ولكن بدون نتيجة أو حتى اتفاق على حقيقة ما جرى وكيفية التصدي له. هناك تداخل بين خطرين داهمين يهددان الوطن ويلزم التفرقة بينهما: الاٍرهاب والطائفية. الإرهاب يستهدف في الأساس أمن البلد واستقراره ونموه الاقتصادي. ولتحقيق غاياته فإنه يختار من وقت لآخر توجيه ضرباته نحو المسيحيين المصريين، إما للإيحاء بأن جرائمه لها مبرر ديني وشرعي بين أنصاره من ذوي التفكير المريض، وإما سعيا لشق الصف وإثارة الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وإما لمجرد الهوس والكراهية تجاه كل من يعتقد أنهم مختلفون. ولكن في كل الأحوال يظل الهدف النهائي هو تهديد استقرار البلد، وعرقلة اقتصاده، والضغط على الدولة لتحقيق مكاسب سياسية داخليا وخارجيا. أما الطائفية فظاهرة اجتماعية وثقافية أكثر تعقيدا وتغلغلا في المجتمع، تتمثل في جميع ممارسات التمييز القبيحة وفي استمرار الفجوة بين عنصري الأمة والانحياز الكامن في العديد من مؤسسات الدولة. ولهذا فإن ممارسات الطائفية تضيق وتتسع لأسباب متعددة، بعضها يتعلق بحالة التعليم والثقافة العامة السائدة، وبعضها بالوضع الاقتصادي والبطالة والغلاء، وفي كل الأحوال يغذيها تقاعس الدولة عن فرض القانون بحزم وتطبيق مبادئ العدالة والمساواة بشكل حاسم. ومع خطورة الأمرين ــ الاٍرهاب والطائفية ــ فإن التفرقة بينهما ضرورية لأن لكل منهما أسبابه وبالتالي وسائل التصدي له والتعامل مع من يرتكبونه أو يحرضون عليه. تجديد الفكر الديني، وتنقيح المناهج، وتحسين مستوى التعليم، كلها أهداف مهمة ومؤثرة بشكل مباشر في الحد من الطائفية والعنصرية في المجتمع. ولكن لا أتصور أن لها علاقة مباشرة بالجرائم الإرهابية، حتى لو كان المستهدفون منها عائلات مسيحية آمنة في طريقها لزيارة أحد الأديرة في الصعيد، لأن مرتكبي هذه الجرائم ينتمون لتنظيمات إرهابية دولية وإقليمية مدعومة من الخارج ومعتمدة على تمويل وتسليح ومعلومات تتجاوز الإمكانات المحلية. ولذلك فمن غير الواقعي افتراض أن تغيير المناهج الدراسية أو تجديد الخطاب الديني سوف يؤثران في سلوكهم ووحشيتهم أو يَحُدَّان من التدخل الأجنبي لدعمهم وتمويلهم. التصدي لهذا النوع من الاٍرهاب لابد أن يكون أساسا بالأدوات الأمنية والاستخباراتية، كما أن محاسبة المقصرين فيها يكون أيضا من المنظور الأمني ذاته. أما الطائفية فإن مصدرها الانقسام والكراهية والجهل داخل المجتمع، يغذيها سوء التعليم وغياب الحريات ويشعل نيرانها سكوت الدولة عن مواجهة خطاب التمييز والتفرقة. هذا المناخ الذي يجعل شبابا مصريين يتطرفون ويعتقدون أن صحيح الدين يتمثل في منع جيرانهم المسيحيين من إقامة شعائرهم الدينية بحرية كاملة، أو رفض إنشاء الكنائس، أو إقامة الحواجز بين أبناء الديانتين، هو الذي يلزم التصدي له بالتعليم والتجديد والتنمية الاقتصادية ورفض الممارسات العرفية التي تكرس التمييز.. الإرهاب والطائفية خطران يهددان مستقبل الوطن واستقراره، ولكنهما مختلفان والتعامل معهما لابد أن يكون بوسائل وأدوات أيضا مختلفة. مقاومة الاٍرهاب تكون بالأمن والمعلومات والتعاون الدولي، بينما محاربة الطائفية تكون بالتنمية الاقتصادية المستدامة وبرفع مستوى التعليم والثقافة وبفرض القانون وبتشجيع مناخ الحرية في المجتمع».
أما في «الدستور» فإن نشأت الديهي طالب بإلغاء خانة الديانة من بطاقات الرقم القومي لأن في ذلك تمييزا بين المصريين قال: «حتى لا نستغرق الوقت في مناقشات عبثية لا تقدم، لكنها حتما ستؤخر أدعو الدولة ممثلة في مجلس النواب لإصدار القوانين والقرارات التنظيمية والإجرائية الفورية بإلغاء «خانة الديانة» من الرقم القومي وجوازات السفر وجميع المحررات الرسمية بدون استثناء، هذه هي نقطة البداية في القضاء على كل أشكال التمييز بين المصريين على أساس الديانة. المواطنة الذبيحة على أعتاب الجهل والتخلف والأمراض العقلية والنفسية. أقول للجميع: بالله عليكم ما القصد من وجود خانة للديانة في المحررات الرسمية؟ ماذا يمكن أن نستفيده نحن أو تستفيده الدولة بعد معرفتها أو أحد موظفيها بأنني مسلم أو مسيحي أو يهودي؟ وأقول للمتنطعين الذين لا يعقلون ولا يفقهون ولا يتدبرون: هل كان الرسول وصحابته لديهم رقم قومي أو بطاقة شخصية أو جوازات سفر؟ هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يكتب على رقاع مكة والمدينة أسماء صحابته وأتباعه والمؤمنين به؟ هل كان اليهود داخل مكة والمدينة يتعاملون بكل هذا التمييز والكراهية اللذين يتعرض لهما كل مخالف في العقيدة والفكر؟ أسئلة لا أنتظر إجاباتها ممن فقدوا ضمائرهم وعطّلوا فضيلة التفكير وباتوا هم والأنعام على خط واحد سيقودهم حتما إلى أسفل سافلين».
«وقف خطيب الجمعة في أحد مساجد منطقة الهرم، مادحا الشباب، وكيف أنهم عماد الأمة، وأملها في المستقبل، مستعينا بنماذج من شباب الإسلام الأوائل الذين قامت على اكتافهم الحضارة الإسلامية، والنهضة التي نتباكى على ضياعها اليوم، مكررا كلمات وجملا نسمعها، ربما بنصها ومنطوقها ذاته، منذ أن كنا صغارا، حتى باتت محفوظة عن ظهر قلب. ويواصل طلعت إسماعيل في «الشروق» كلامه قائلا، الخطيب كان يتحدث عشية انطلاق منتدى شباب العالم، في مدينة شرم الشيخ، بمشاركة خمسة آلاف شاب من نحو 160 دولة، وإن لم يشر إلى المنتدى من قريب أو بعيد، لكن الرسالة التي كان يوجهها للمصلين يفهم منها أن مناسبة الكلام لفت النظر إلى ما يجري في المدينة السياحية المصرية الشهيرة. شيخنا الجليل، وبعبارات جزلة، ونبرات صوت مدربة على الخطابة، كونه من خريجي الأزهر الشريف، راح يقارن بين شباب الأمس وشباب اليوم، مادحا من كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوليهم قيادة الجيوش، ويأخذ عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، برأيهم، ويقربهم إليه في المجالس مع كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وفي التاريخ المعاصر لم يغفل الرجل الإشادة بجيل أكتوبر/تشرين الأول من أبناء القوات المسلحة، الذين خاضوا الحرب دفاعا عن الأرض والعرض، وجاءوا بالنصر بعد الهزيمة. ولأن الشيخ ملم بما يدور من حوله من تقدم علمي وتكنولوجي، ذكّر المصلين بأن شابا صغيرا، هو مارك زوكربيرج، لم يكن تجاوز العشرين من عمره عندما أنشأ واحدا من أهم مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وأن مواطنه الأمريكي بيل غيتس كان في السن عينها عندما أسس شركة مايكروسوفت لتطوير برامج الحواسب الآلية، وكيف استفادت البشرية باختراعاتهما المهمة. وبعد أن استعرض الشيخ النماذج المشرفة قديما وحديثا، من شباب الأمة والعالم، انتقل إلى شباب اليوم الذي يسهر الليل أمام أجهزة الكمبيوتر للعب، وتضييع الوقت، وينام النهار بطوله، وإذا ما استيقظ حصل على مصروف يده من والده أو أمه للتسكع في الشوارع أو الجلوس لساعات في المقاهي، غير مدرك للدور المطلوب منه، كمن سبقوه، في صنع مستقبل هذا الوطن. لكنه، للأسف، لم يسأل نفسه السؤال البسيط: لماذا يجلس هؤلاء الشباب في المقاهي؟ ولماذا يسهرون الليل كله أمام شاشات الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية الأخرى، لتضييع وقتهم الثمين؟ كما لم يسأل نفسه: من المسؤول عن وصول هؤلاء إلى هذا الوضع الذي ينتقده؟ هل وجد هؤلاء الشباب عملا ينخرطون فيه فيسد عليهم الطريق أمام سهر الليالي؟ وهل وفرنا لهم المكان الذي يستوعب طاقاتهم، ويفجر إبداعاتهم، وينمي عقولهم؟ يقضى جل شبابنا سنوات دراستهم، سواء المتوسطة أو الجامعية، يحدوهم الأمل في الخروج للحياة العملية فيجدون وظيفة تليق بمؤهلاتهم، التي أنفق آباؤهم دماء قلوبهم للحصول عليها، فإذا بهم يصطدمون بواقع مرير، عنوانه شح الوظائف وانتشار البطالة. أمام هذا الواقع يهرب بعض الشباب إلى المقاهي، ويفر البعض الآخر إلى فراغ التسكع والعيش بلا هدف، إن لم يقع في مزالق الإدمان أو التطرف، وقليل منهم يجد له عملا بالواسطة أو المحسوبية، والأقل يلتحق بأعمال لا علاقة لها بنطاق تخصصه، فخريج الاقتصاد والعلوم السياسية الذي حلم بالالتحاق بوزارة الخارجية يبيع الفول والطعمية على عربة يد تلاحقها البلدية، وابن كلية التجارة يساعد والده الذي يعمل في حقل المعمار، وهكذا إلى آخر القصص التي نعرفها جميعا، ولا داعي لتكرارها. يا مولانا كفانا جلدا لشبابنا، والأفضل أن نسمى الأشياء بمسمياتها، نعم.. لدينا نسبة بطالة مرتفعة، وشبابنا يجلس في المقاهي لأنه لا يجد وظيفة، وتوفير فرص العمل مسؤولية الدولة بالأساس، وعندما تقوم كل جهة بدورها يمكننا وقتها محاسبة الشباب عن إهدار طاقتهم، فمثل هؤلاء من يجب التفكير في حل مشاكلهم».
وإلى الحكومة والوزراء واللعبة الجديدة التي تقوم بها بالتعاون مع أعضاء مجلس النواب للتفتيش في جيوب الناس لعلها تعثر على شيء تسلبه منهم، وهي اللعبة التي كشفها لنا في «الأهرام» جمال نافع بقوله: «مشروع قانون جديد تقدمت به الحكومة لمجلس النواب بتعديل بعض أحكام قانون النظافة العامة، من المتوقع أن يرفع رسوم النظافة إلى 30 جنيها شهريا على الوحدات السكنية ومن 30 إلى 100 جنيه للوحدات التجارية المستقلة و500 جنيه شهريا للمنشآت الحكومية وللمراكز التجارية والفنادق والمنشآت السياحية 1000 جنيه شهريا. ما يهمني هنا هو فرض رسوم نظافة 30 جنيها على كل وحدة سكنية بعد حكم القضاء الإداري بعدم دستورية تحصيل الحكومة 5 جنيهات على فاتورة الكهرباء، وقد قال رئيس لجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب إن اللجنة ستؤكد ضرورة البدء في تطبيق المنظومة الجديدة للنظافة ووجود ضمانات حتى لا تكون مجرد تحصيل أموال بدون نتائج ملموسة. وأكد أمين سر اللجنة أن تحريك الأسعار يأتي للتمكن من العمل بنظام الشركات التي تعمل على جمع القمامة ونقلها، وهو الأمر الذي سيسهم في حل أزمة القمامة بدلا من إلقائها في الشوارع. ويبدو أن النواب يسوقون الحجج القديمة نفسها لتحصيل المبلغ الجديد، فقد قيل هذا وأكثر عن تطبيق نظام الجنيهات الخمسة، ويبدو أن المواطن أصبح مسؤولا عن دفع ثمن تقصير المسؤولين في وزارة البيئة والتنمية المحلية، كما تقول النائبة شيرين فراج عضو مجلس النواب، ويبدو أن أعضاء مجلس النواب «الشعب سابقا» أصبحوا لا يشعرون بما يعانيه الشعب من غلاء في المعيشة وارتفاع أسعار البنزين والكهرباء والمياه والأدوية والخضراوات والفواكه بالإضافة لجميع الخدمات الحكومية التي ارتفعت أسعارها على الأقل ثلاثة أضعاف وأصبح الـ30 جنيها شهريا عبئا كبيرا على كثير من الشعب، فلم يعد في قوس الصبر منزع فارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء».
«يشكر الكاتب صلاح الغزالي حرب في «المصري اليوم»، الدكتور طارق شوقي على قراره الجريء الأخير بشأن إنهاء مهزلة الدروس الخصوصية في المدارس وإغلاق السناتر، وهو يخوض حربه من أجل عودة الاحترام للمدرسة والمدرسين، وأذكّره يقول الكاتب بحتمية أن يواكب ذلك التزام المدرسين ومديري المدارس بواجباتهم الوظيفية، مع سرعة تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، وحيث أن ثورة التعليم لا تقتصر بالتأكيد على المدارس، ولكنها تمتد إلى الجامعات والمعاهد، فإنني اليوم أتحدث عن كارثة الدروس الخصوصية التي انتشرت في جامعاتنا وسط صمت أو تجاهل المسؤولين. وسوف أبدأ بالحديث عن تجربتي الخاصة عندما كنت وكيلا لطب القاهرة لشؤون التعليم والطلاب، وكانت الدروس الخاصة قد انتشرت كالنار في الهشيم، وقد بدأت في ذروة حماسي بالحل الأمني، ولكنه لم ينجح، فقررت البحث عن جوهر المسألة، وطلبت الالتقاء بكل الزملاء الذين يقومون بإعطاء هذه الدروس في مكتبي في الكلية وأخبرتهم بقناعتي بقدرتهم على توصيل المعلومات بطريقة سهلة ومبسطة تجذب الطلاب إليهم، واتفقنا على قيامهم بإعطاء دروس تقوية لمن يحتاج من الطلاب داخل الكلية، وبعد انتهاء اليوم الدراسي نظير مبلغ زهيد (20 جنيها) مع تكفل الكلية بدفع المبلغ لمن لا يستطيع، واشترطت أن يحرم من هذه المجموعات الطالب غير الملتزم بحضور المحاضرات، كما اتفقنا على شرط أن يكون من يشارك في إعطاء هذه الدروس ملتزما في أداء واجبه في الكلية بشهادة رئيس القسم، كما منعتهم من المشاركة في أعمال الامتحانات درءا للشبهات، وبالفعل نجحت الفكرة وسعد الطلاب بها، كما وصلتني خطابات من زملاء وكلاء كليات الطب في جامعات أخرى تطلب الاطلاع على هذه التجربة. وكما هو الحال في مصر فقد انتهت هذه التجربة فور استقالتي من منصبي، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل، ولذلك أوجه هذا النداء للزميل وزير التعليم العالي الدكتور خالد عبدالغفار بضرورة فتح هذا الملف بكل سرعة وصرامة وحزم، فلا بديل عن القضاء على هذا الوباء الذي استشرى في جامعاتنا ومعاهدنا، وأطالب بمشاركة ممثلى الطلاب في هذا الملف، كما أؤكد أن تجربة دروس التقوية ليست السبيل الوحيد للقضاء عليه، ولكن الأولوية تكون في تغيير نظم الامتحانات جذريا، وتقليل درجات الاختبارات الشفوية التي تتطلب احتكاكا مباشرا بالأستاذ إلى أقل مستوى، وتنمية مهارات أعضاء التدريس في التعليم وتوصيل المعلومة وتحديث طريقة التعليم وغيرها مما لا يتسع له المقام. إن التعليم الجامعى بصفة عامة والطبي على وجه الخصوص في أمس الحاجة إلى ثورة تصحيحية، أعلم يقينا أنها ليست سهلة، وستواجه معارضة شديدة من المستفيدين من هذا الوضع البائس، ولكنني أومن بأننا نستطيع، وأن مصر تستحق».
«أحد السادة رؤساء المدن المصرية قرر مواجهة أزمة البطاطس بمبادرة شخصية يتولى فيها بنفسه الجانبين النظري والعملي، فقام سيادته كما يقول إبراهيم السايح في «الوطن»، بشراء طن بطاطس من سوق الجملة، ثم وقف يبيعه في أسواق المدينة التي يرأسها، وقال للصحافة إنه حقق مكسبا جيدا من بيع هذه الكمية التي اشتراها المواطنون في يوم واحد بسعر ستة جنيهات فقط للكيلو، بينما كان المعروض في الأسواق يباع بضعف هذا الثمن. وقال السيد رئيس مجلس المدينة إنه سوف يشتري طن بطاطس كل يوم ويتولى بيعه بنفسه لإخوانه المواطنين لإنقاذهم من جشع التجار. وكانت وزارات أخرى قد شاركت في حملة البطاطس، ما أدى للتداخل والتنافس بين حملة 100 مليون صحة وحملة 100 مليون كيلو بطاطس».
«تسعير الدواء قضية شائكة وخطيرة وتحتاج إلى فكر رشيد للتعامل مع الأزمة، كما يرى ذلك وجدي زين الدين في «الوفد»، وهناك ثلاثة أضلاع في المعادلة الصعبة التي تواجهها البلاد وتضم، الحكومة والمريض والشركات المنتجة للدواء، هذه هي أطراف المعادلة الصعبة، وكل طرف عليه حمل ثقيل ويعاني معاناة شديدة. الحكومة مسؤولة عن توفير الدواء للمرضى، وعليها ضبط الأسعار بما يتناسب مع إمكانيات الناس، وهذه هي مسؤوليتها ويجب أن لا تحيد عن ذلك، فالمريض معلق في رقبة الحكومة، وعليها مسؤولية قانونية ودستورية وأخلاقية في توفير العلاج له وبالسعر الذي يتناسب مع دخله، ولأن الدخول بالنسبة للمواطنين ضعيفة في ظل ارتفاع جنوني في كل شيء، مما يعقد الأزمة أمام الحكومة ويجعلها تقف عاجزة أمام هذه الأزمة الخطيرة، وليست قضية الدواء وحدها هي التي تشعر الحكومة بالعجز، بل أن تفاقم الأزمات واشتعالها جعل الحكومة في ورطة. الضلع الثاني في المعادلة هو المريض الذي يجب أن يحصل على الدواء بالسعر المناسب، والجميع بمن فيهم المرضى يواجهون معاناة شديدة في سبيل العيش وتوفير الدواء ولقمة العيش، وللمرضى حقوق يجب على أي من كان أن لا يتجاهلها أو يتغاضى عنها، فالمريض له حق في رقبة الحكومة، بأن يحصل على الدواء بالسعر المناسب، الذي يتوافق مع مقدرته المالية. الضلع الثالث هو شركات الأدوية التي تعاني حاليا من خسائر فادحة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الدولار، الذي يتم به شراء المواد الخام الفعالة التي تقوم عليها صناعة الأدوية، وهناك نسبة عالية من الشركات توقف إنتاجها للدواء، ولم تعد تعمل بطاقتها الكاملة، لأن إنتاجها يعني تحقيق خسائر، ومن ينتج دواء يحقق خسائر، وهل من المنطق والعقل أن تنتج الشركات الدواء وهي تحقق خسائر باهظة، ولا أحد يستطيع أن يطالب شركة دواء بإنتاج أصناف تحقق خسائر، ولا أحد ينكر أن هناك مصانع توقف إنتاجها لعدم قدرتها على شراء المادة الخام والفعالة، وفي ظل هذا التردي الشديد، والمعاناة التي تواجهها الشركات كيف تنتج أصنافا من الدواء؟ هل تنتج وهي تعلم أن الخسائر فادحة؟ إذن كل الأطراف عليها ضغوط شديدة. الحكومة التي لا تجد حلا لأزمة تسعير الدواء، والفقير المريض الذي يعجز عن تدبير ثمن الدواء، والشركات التي تخسر وتعاني من ارتفاع سعر الدولار وأسعار الطاقة، فهل تستمر الأزمة بهذا الشكل المعقد، بدون البحث عن وسيلة ترضي في المقام الأول المريض، وفي المقام الثاني الشركات التي لا مناص أمامها سوى تحريك سعر الدواء، وأعتقد أن الدولة خلال الفترة المقبلة ستعقد لقاءات مكثفة لإيجاد حلول فعالة».
وأخيرا إلى المشكلة التي تؤرق جماهير النادي الأهلي والترجي في تونس، وهي مباراة الإياب على ملعب رادس في تونس والخوف من تعرض لاعبي الأهلي وجماهيره للاعتداءات، وهي فتنة قال عنها المحرر الرياضي في «الوفد» أكرم عبد الغني: «من جديد عادت الفتنة الكروية لتلقي ظلالها المخيفة على المشهد الكروي العربي، بعد مباراة الأهلي والترجي في برج العرب في ذهاب نهائي دورى الأبطال، وهي المباراة التي شهدت جدلا رهيبا بسبب الأداء التحكيمي، ونحن هنا لسنا في مجال شرح وتوضيح أخطاء تحكيمية، ولكن التأكيد على أن الأهلي لا يتحمل هذه الأخطاء، وكل هذه الإثارة التي حاول الجهاز الفني لفريق الترجي تصديرها، عقب المباراة للجماهير التونسية حول سوء المعاملة وخلافه، بهدف واضح وهو شماعة تعليق فشله في إدارة المباراة وعلاج أخطاء دفاعه، التي يتحدث عنها الجميع من فترة طويلة، بل إنها كانت النقطة الأساسية التي أجمع عليها كل الخبراء في نصائحهم للجهاز الفني لفريق الأهلي وفشل هو في علاجها. وللأسف حاول البعض في مصر الوقوع في الفخ نفسه والانسياق وراء الأخبار الواردة من تونس، من زاوية تزيد الإثارة عندما حاولوا تفسير لقاء رئيس الوزراء التونسي بوفد نادي الترجي بأنه دليل على الحشد ضد الأهلي، وخرج هؤلاء مطالبين الاتحاد الإفريقي بتحمل المسؤولية الكاملة في حماية الأهلي في تونس، ليتخيل للبعض أن الأهلي يستعد للحرب، وليس لقاء كرويا، وتجاهل هؤلاء عن عمد النظر إلى لقاء رئيس الوزراء التونسي بوفد الترجي من زاوية مختلفة، وأن الهدف منه قد يكون تخفيف حدة التوتر، والتأكيد على عمق العلاقة بين البلدين. أتمنى أن يكون لقاء العودة لقاء كرويا مثيرا فنيا وليس عدائيا وأن تركز وسائل الإعلام في البلدين خلال الساعات المقبلة على التصدي للفتنة المنتشرة في شوارع مصر وتونس».
لكن الناقد الفني طارق الشناوي استبعد ذلك اعتمادا على ميل أشقائنا التونسيين للفن الذي يجلب الرقة في المشاعر وقال في «المصري اليوم»: «أتابع حالة التوجس الإعلامي التي يرددها البعض عن ترقب حدوث مشاحنات يوم الجمعة المقبل بين مصر وتونس في المباراة التي تذكرنا بتلك الصفحة السوداء التي طويناها بعد معركة «أم درمان» بين مصر والجزائر، أنا ليس لديّ أي قدر من التخوف حيث يتبادل الوفد المصري النكات مع الأصدقاء التوانسة عن المباراة المقبلة والسؤال من يصعد الأهلي أم الترجي لا يتجاوز المزاح؟ ورغم ذلك لو حدث وانفلتت كلمة يجب ألا ينجرف أي منا وراءها، الشعب التونسي كان ولا يزال في قلب المصريين مثلما المصري في تونس محمل دائما بمشاعر دافئة».