محمد علي شمس الدين: القصيدة تحل عقدة وحشتي حين أعتزل العالم

حجم الخط
0

بيروت ـ “القدس العربي” : سواء كان شاعر الجنوب أو المنشد الجنوبي، يبقى محمد علي شمس الدين راسخاً في الشعر اللبناني، ومتربعاً بتميز بين كبار الشعراء العرب. أبحر في معين واسع من التيمات. وقدم لمكتبة الشعر العربية حتى الآن خمسة عشر ديواناً كان آخرها «النازلون على الريح». أصبح راسخاً في الأبحاث الأكاديمية وحول شعره لا تزال الدراسات متواصلة في رسائل ماجستير ودكتورة. صاحب الكتابة الغسقية يرى الشعر قبل الأخلاق والفلسفة وبعدهما.
معه كان هذا الحوار:
*بين قصائد «مهربة إلى حبيتي آسيا» و»النازلون على الريح» هل من نفس موحد تواصل معك من الإرهاصات الأولى حتى الآن؟
* الخيط الذي يجمع ويفرّق هو تقنية كتابة القصيدة. اهتم بهذه التقنية منذ أول سطر كتبته. في القصيدة وهي المعطى اللغوي الوحيد للشعر، لأن الشعر أو الشعرية مسألة أوسع من أن تتعلق بفن واحد. الشعر موجود في المسرح، في اللوحة، في المرأة، في الوجود، وفي الكارثة إيقاع. أما المعطى الوحيد في اللغة فهو القصيدة. والقصيدة هي تقنية شعرية، أداء شعري. من ناحية الأداء أنا مستمر في تحكيك الأداء الشعري من أول قصيدة في «قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا» إلى آخر سطر كتبته في «النازلون على الريح». من العنوان إلى الدواخل أهتم جداً للتقنية. ما أعني بالتقْنية هو أسلوب التأليف الشعري. هذا الأسلوب عندي يستند أولاً إلى ما أسميه غريزة لغوية. لدي غريزة في اللغة قوية جداً. مرّت اللغة بين يدي بمراحل. في المراحل الأولى كانت اللغة شوكية كما هي في ديوان «الشوكة البنفسجية». شوكية لكنها أيضاً ذات قوة ناعمة، لذلك الشوكة بنفسجية شفافة كالشفرة. وكانت شرسة مقتحمة. في تناولنا لواحدة من القصائد ففيها هذا التدفق الشبيه ب»كجلمود صخر حطه السيل من علِ»، للنثر الجائع، للبلبل في المطر الوحشي، وللطفل المذبوح على عتبات النهر، لموسيقى الأفلاك، وللفوضى الكونية، أنزف من رئتي الشعر، وأرفعه كالجرح الشاخب، في نافورة هذا العصر. هذه الكلمات تتدافع كأنها تتناطح. الاستيلاء على العالم بهذه اللغة من حيث قوة الإيقاع فيها، وقوة علاقات الحروف ببعضها، والأصوات التي تتوالد من أنسابها. هي مسألة اسلوبية عندي ولكن تغيرت من مرحلة لأخرى. المرحلة الثانية التي بدأت مع الانخطاف الغيبي لشعري، والمعنى العرفاني الذي بدأ يسيطر بين هلالين الصوفي ابتداء من قصائد «أناديك يا ملكي ويا حبيبي» التي أقول فيها «كان يلزمني كي أفسر هذا العذاب قليل من الشعر /لكنني لم أكن شاعراً/ ما الذي كان يفعله الشعراء قبلي لكي يصلوا/ إنها حالتي/ أرى لا أقول/ أرى لا أقول. إذاً هذا الصدام بين أن أرى وأن أقول، بين الرؤيا والرؤية والعبارة. إذاً العلاقة بين أن أرى وأن أعبر. هذا الصراع صرت أميل فيه إلى ما أسميه بلاغة اللاقول. الصمت. تتجاوز القصيدة عتبات الكلمات باتجاه إيحاءات ليس لها حدود. هذه هي المرحلة الثانية. هذا موجود عندي أسلوبياً ومستمر، ومرّ بمرحلتين. يضاف لذلك تنوع الافتراضات بتنوع الموضوعات. مثلاً لو أخذت شاعراً كمحمود درويش فله تيمه واحدة الأرض والحبيبة وفلسطين. لي شخصياً مئات التيمات. من أقنعة التراث جميعها، من التماس مع الرموز الابداعية في العالم من رامبو إلى فان غوغ إلى سلفادور دالي إلى آخرين شرقاً وغرباً، كمثل حافظ الشيرازي حيث كتبت ديوان «شيرازيات» ، وآخرين. هذا التنوع في العوالم جزء منه الأرض الجنوبية والمسألة القومية العربية. من كتبوا عن شعري يعلمونني ما لا أعلم عن كتابتي.
*ما هو عدد دواوينك وعدد كتبك النثرية؟
* عدد الإصدارات الشعرية خمسة عشر ديواناً. وهناك الأعمال الشعرية المجموعة مرتين، في الأولى عن دار سعاد الصباح في القاهرة عام 1992، وثانية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2010، وهي بجزأين وتوجت بجائزة العويس. وهناك مختارات من الدواوين صدرت لي، الأولى صدرت في بيروت عن دار ناشرون مع دار الاختلاف في الجزائر وضمت 400 صفحة بعنوان «حدائق آسيا»عام 2011. وصدرت لي عام 2012 مختارات شعرية في القاهرة عن قصور الثقافة آفاق عربية بحدود 350 صفحة بمقدمة كتبها الشاعر الراحل حلمي سالم. كتبت أيضاً قصائد للصغار. وأول كتاب في النثر لي هو «رياح حجرية» عام 1982 نفد ولم تعد طباعته. وتلاه كتاب «الطواف» عام 1985 ونفدت نسخه. ثم صدر لي «حلقات العزلة» عن دار الجديد. وأيضاً كتاب «غرباء في مكانهم». ولي دراسة تاريخية اسلامية بعنوان «الإصلاح الهادئ»، وهي أطروحة ماجستير في التاريخ كنت قد كتبتها عن معنى الإصلاح في الاسلام من خلال عدد من المصلحين على رأسهم المصلح العاملي السيد محسن الأمين الحسيني العاملي الذي كان يعيش في دمشق.
*في حياتك معين رحب ومتناقض من التحصيل العلمي. تحمل إجازة في الحقوق ودرجة دكتوراة في التاريخ. لماذا لم تبحر أكاديمياً في الأدب؟
* في كتاباتي النثرية عندي إبحار دقيق جداً في مقالاتي النقدية أو الفكرية والأدبية. منها على سبيل المثال بحث ضخم جداً نشر في مجلة الآخر التي يشرف عليها الشاعر أدونيس بعنوان «نهاية القصيدة». ولي أبحاث كثيرة في مجلة العربي حول معنى الشعر والشعرية. دراستي الموسعة ليست أكاديمية، فالأكاديمية منهج أمتلكه من خلال منهج في قراءة التاريخ، ومنهج في الحقوق، ومنهج في الأدب. دراساتي المعمقة في هذا المدار، إنما كتابتي النثرية الأدبية ليست كتابة كلاسيكية. هذا المنهج بين يدي ولكني أستعمله حين أريد. المنهج بين يدي شبيه بالتراث العربي أو الشعر العربي الكلاسيكي، الذي أنطوي عليه وأستخدمه في تأليف القصيدة. فالمنهج جزء من كتابتي وليست كتابتي جزء من المنهج. بمعنى أن الكتابة النثرية التي أكتبها تتجاوز المنهج باتجاه النُكهة الخاصة للكتابة. هذه النُكهة ليست بنت المنهج، بل بنت الملكة الإبداعية، والقدرة الذاتية على الكتابة.
*هل خدمت دراساتك الأكاديمية ملكة الشعر لديك؟
* كل ما انطويت عليه من ثقافة، وهي واسعة شرقاً وغرباً، في التراث وفي الحداثة وما بعد الحداثة. في صدري مكتبات كلها من أجل أن تساعدني نقطة صغيرة من الشعر. هذا شبيه بما تجنيه النحلة من أزهار العالم من أجل تحويله إلى نقطة صغيرة من العسل. كيف؟ فهذا هو السؤال. السؤال هو القدرة على التحويل. أقول أن القصيدة أو الشعر يبدأ من حيث تنتهي الأشياء جميعها. تبدأ القصيدة من حيث ينتهي التاريخ، من حيث تنتهي الثقافة، من حيث ينتهي المجتمع. فالقصيدة هي الوجه الآخر للثقافة، هي المعطى الشعري للكينونة البشرية، بما تنطوي عليه من ثقافات ومهارات وأسفار ومغامرات وأحلام وكوابيس. هي حيوات متعددة يعيشها الكاتب كيف تتحول؟ فهذا هو سر الشعر. في الحقيقة تكاد تكون المسألة في الكيف. هذا التحول هو المهم للمعرفة والتجربة البشرية. الفكرة، الإحساس، الشعور واللاشعور وكل شيء في الوجود كيف يتحول إلى كلمات تسمى القصيدة؟ هذا هو السر الذي لا يمكن الوصول إلى الشعر من دون عبوره. ولكل شاعر جسر خاص به للعبور.
*هل لفيض الشعر لديك طقس أو حالة خاصة؟ وهل يتأثر بما هو عام أو خاص؟
* لأشرح لك ممهدات أو أحوال الكتابة. تبدأ عادة بشعور من الوحشة والغم في صدري لا أعرف سببها المباشر. هذه الوحشة تساورني وترافقني حتى في النوم. ثم لا تنفك عقدتها إلا بعد أن أنتهي من كتابة قصيدة.
*إذاً القصيدة هي الدواء؟
* القصيدة هي التي تحل عقدة الوحشة حلاً مؤقتاً. أثناء ما أسميه حال الوحشة أريد أن أشرح لك بأني أكون كما قال المعري عن ذاته، وأنا هنا أحوالي تشبه أحواله بأنه أنسي الولادة وحشي الطبع. أنا أقطع أواصري مع الإنس، مع الناس، مع أهلي، مع زوجتي مع أولادي، مع أصدقائي، مع العالم ومع العمل. إذاً أدخل في وحشة الحالة، وهي وحشة إنفراد. أصبح مغلقاً على دواخلي. ولا يموج في هذه الدواخل سوى رؤوس الكلمات تتناطح مع بعضها، والأفكار تتناطح، تتضافر، تتقاطر، تتقاتل، تتوالد، في نوع من الآلية التي لا أستطيع أن أضبطها. تكاد تكون هي التي تتحرك دون «كونترول» قوي مني. هي تتجاوزني لتكتب ذاتها أحياناً كثيرة، فلا أستطيع أن أقول لك كيف ولدت جملة ما كأن أقول «أنحني ألف عام لأصغي إليك». لا أستطيع القول لك إني قصدت هذه الكتابة، بالمعنى القصدي الإرادي الواعي. ما أسميه حال الوحشة قد تطول وقد تقصر، ولكنها مسيطرة باستمرار، وتقطعني عن العالم. وهناك مفارقات مرّت في حياتي بهذا المعنى، كأن يدخل صديق إلى منزلي وأنا موجود ولا أنتبه. وأذكر لك أني مرة كنت بصدد كتابة قصيدة «أربعة وجوه في مرآة مكسورة» وأخذت مني معاناة كثيرة، كنت في صالون المنزل ودخلت جارتنا مع ابنها الصغير وكان هناك تفاح على الطاولة، وصار الطفل يبكي يريد تفاحة، طلبت مني أن تأخذ له تفاحة فلم أجبها. فعاتبت زوجتي بما حصل. زوجتي بدورها عاتبتني فقلت لها بأني لا أذكر دخولها، ولا الصغير ولا التفاح. حقاً هذا ما حصل. أعيش هذا الغيبوبة التي يسميها العرب عادة بالوحي أو إلهام. شيء من هذا القبيل هي طقوس الكتابة عندي.
*معارك تنشب حول تصنيفات الشعر. حداثي، تفعيلة، حر. هل الشعر تقنيات أم مشاعر عفوية تتدفق؟
* كما قال الأصمعي الشعر نكد، وهو سبق هيغل وبودلير معاً في المعركة القوية حول الشعر. قال هيغل ان الشعر خادم أخلاقي في بلاط الفلسفة. حوله لمادة أرشيفية. مات الشعر. وصار الغرب يقيم القداديس الجنائزية على روحه. رد على هيغل أكبر شعراء العالم شارل بودلير حين كتب Spline De Paris أي سوداوية باريس، وكتب Fleurs De Mal أزهار الشر أو المرض ليقول لهيغل ان الشعر ليس خادما في بلاط الأخلاق، ولا في بلاط المثال، وأن الجميل ليس فقط الحسن. لذلك قصيدة الجثة Le Cadavre لبودلير رد على أن المتعة الفنية غير مرتبطة بالأخلاق. إذا الشعر قبل الأخلاق والفلسفة وبعدهما. قبل هيغل وبودلير قال الأصمعي «الشعر نكد ينمو مع الشر ويضعف مع الخير». ليس بالضرورة أن يغني الشاعر القيم العليا ومبادئ الأخلاق، هذا جزء وهناك الشر في العالم. قد يكون الشعر سر يبحث عن سر.
*كم يقترب الشعر في صياغته من التأليف الموسيقي؟
* كما قال بتهوفن الموسيقى هي تجسيد الشعر بالأنغام. أي الشعرية التي هي أرفع مستوى في العالم. هي الفن الأرقى في التاريخ، وهي أصل الفنون. تقترب الموسيقى من الشعر بتجسيد الشعرية من خلال الأنغام. يقترب الرسم من الشعرية بالألوان والخطوط، والمسرح بالحركة، والسينما بالعدة السينمائية. إذاً الشعر هو القاع والقمة لكل الفنون.
*هل ينساب الشعر بداهة بدون مخزون ثقافي عميق؟
* البداهة ضرورة والثقافة ضرورة أخرى. لا شاعر بدون ثقافة. هناك أزجال شعرية لا ترتقي إلى مستوى الشعر الخالد القوي، المسيطر، المهيمن والإستراتيجي.
*لماذا الشعر في حياتنا؟
* بافتراض بعيد عن الوجود تخيلي مدينة بلا غناء. أو مدينة بلا شعر أو رسم أو رقص. تخيلي كم ستكون مدينة حجرية جامدة، مخيفة كوحش. الحياة من دون شعر هي وجه وحش مخيف. لماذا؟ لأنه هكذا.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية