للحاكم العربي مسؤولية عظمى في قتل فكرة الوطن ونواة المواطنة. منجزه الوحيد هو هذا التدمير المنظم لكل أمل في التغيير والخروج من دائرة التخلف الذي تحول أو كاد، إلى قدر لا يمكن تخطيه. في بدايات هذا القرن، تعمق هذا الانشغال مرفقا بأسئلة كثيرة واجهت العالم العربي أمام عاصفة التحولات القاسية، التي لا يملك الحاكم حيالها لا الإجابات المقنعة ولا الحلول الضرورية. ولا أعتقد أن العرب عاشوا هزات شبيهة منذ الثورات الوطنية وحروب الاستقلال التي أنجبت أبطالا كبارا، وفي الوقت نفسه تمخضت عن عصابات انتقلت بعد نصف قرن من الثورية إلى الخطابات الجوفاء التي تخفي بصعوبة النزعات الإقصائية والتوجهات الديكتاتورية.
هذه الثورات الوطنية خلقت وضعا خاصا نقل المجتمعات العربية المنتصرة على الاستعمار بكل غطرسة آلته الجهنمية، من حالة الفرح القصوى إلى حالة الخيبة التي كسرت بالتدريج الحلم الشعبي الكبير الذي ارتسم في الأفق. بدأت مباشرة، بشكل علني أو سري، الحرب الضروس بين إخوة الأمس، وبدل الاتفاق على نظام حكم يضمن التطور والعدالة الاجتماعية والنمو والاستقلال الحقيقي، فُتِحَ باب جهنم التصفيات الجسدية على مصراعيه، أو ما سمي بالجريمة السياسية بهدف محو كل من لا يتفق مع حاكم الساعة. اضطهد وقتل الحاكم العربي الوطني كل منافسيه ومعارضي سياسته، وظلّ يتصيّد خطاهم ويقتفي تحركاتهم ويتابع خطاباتهم حتى في منافيهم قبل أن يجهز عليهم، ولنا في التاريخ القريب نماذج حية. في ليبيا، في مصر، في الجزائر، في سوريا، العراق، في السودان، في اليمن، ويكاد لا يخلو بلد عربي واحد من هذه الممارسات الإجرامية مع المختلفين أو المعارضين. وتوقّف الحاكم العربي لحظتها أن يكون وطنيا، وبانيا للبلاد، وتحول ببساطة إلى مجرم من أجل الحكم واستمراره لا أكثر. من هنا يمكننا أن نفهم جيدا ما حدث لاحقا من انكسارات وصراعات خطيرة كثيرا ما هزت أركان الدولة الفتية، ونفهم جيدا الحقد الشعبي المبطن تاريخيا الذي عادة ما دفع بالكثير من التيارات السياسية إلى السقوط في العدمية، في ظل استحالة إيجاد الحلول. فقد ظهر بسرعة الوجه البشع للحاكم العربي الذي ظل زمنا متخفيا إما وراء خطاب العدالة أو القومية أو الاشتراكية أو غيرها، الذي تحول في ظرف أقل من نصف قرن، من الحاكم الوطني الغيور على تاريخه وأرضه، إلى الديكتاتور الذي لا يسمع إلا لنفسه. فقد رسخ حكمه نهائيا بالآلة القمعية ورفض أية شراكة ديمقراطية أو مزاحمة لسلطانه. وليثبت أقدامه ويرسخها، استعاد كل الفزّاعات الأجنبية الاستعمارية التي على الرغم من حقيقتها جزئيا، ألا أنها غير حقيقية، وفتح مدافن القبلية والإثنية والطائفية وانتهى حاكما صغيرا ممثلا، لا لوطن بالمعنى التاريخي، ولكن لفئة دينية وسياسية أو عرقية، ولم ينمِّ المفهوم الوطني أبدا ولم يوسعه، لينتهي في سرير العشائرية والقبلية والفئوية بعد أن فشل في تكوين الدولة الوطنية الجامعة والحامية للمواطن بغض النظر عن انتماءاته السياسية أو الدينية أو العرقية. هذا الإخفاق الكبير دفع بالحاكم العربي وبالشعب أيضا إلى العودة إلى النظم التقليدية التي لم تنتف، وبقيت متخفية في حاضر، وفي لا وعي الناس، من أبسط مواطن إلى أكبر حاكم. فالدولة الحامية أصبحت خطابا أكثر منها حقيقة موضوعية. في ظل هذا الفشل المريع، هرب المواطن العربي نحو قبيلته ليحمي نفسه من الاندثار. الحاكم نفسه لم يخرج عن هذه العقلية. صدام حسين عندما خسر كل شيء وكُسرت شوكته، وجد حمايته في مسقط رأسه وقبيلته في تكريت وليس في شعبه الذي كان يُفترض أن يلوذ به. وهو ما حدث أيضا للرئيس اليمني السابق علي عبد الله الصالح، الذي ذهب إلى أكثر من حماية القبيلة، فأقرّ قانون الحصانة من الملاحقة القانونية بموجب المبادرة الخليجية، في مخالفة صريحة للدستور. لهذا عندما اندلع الربيع العربي، بغض النظر عن الأسباب والمآلات، وجد الحاكم العربي نفسه إما خارج اللعبة السياسية نهائيا، في السجون التي بناها لمعارضيه، مثل الرئيسين: التونسي، والمصري، أو مقتولا، مثل الحالة الليبية. صغر الحاكم العربي في النهاية في ظل التغيرات العنيفة حتى أصبح الديكتاتور الشمولي باسم الوطن والدين، متسلطا قبليا صغيرا،أو فئويا، أو طائفيا اعتمادا على نفس الخطابات. صغر الوطن الواسع حتى أصبح بحجم قبيلة أو طائفة. بل مات نهائيا شيء اسمه الوطن المتعارف عليه تقليديا على الأقل. بينما في أوروبا، أعيد تشكيل الوطن والمواطنة من منطق الانتماء لرقعة أوسع هي أوروبا وإن ظل الخطاب الوطني المتطرف قائما. بينما في الوطن العربي عاد إلى لحظات التكون الأولى، بسبب الإخفاق في ترسيخ المواطنة لأنّ الديكتاتور جيّر كل شيء لحسابه، بما في ذلك الوطن. عندما سقط، سقط معه الوطن الذي صنعه على شاكلته، من عناصر الحكم المطلق والجريمة والفساد واستعباد الشعب.
واسيني الأعرج