عليا الزعبي ولؤي الحناوي يقتلان «هيلة منصور» أمام جمهور ليفربول

حجم الخط
0

ليفربول- «القدس العربي»: كان المشهد السردي مؤثراً مصحوباً بوصلات غنائية حزينة، وموسيقى تصويرية. تسرد عليا الزعبي فيه حكاية قتل «هيلة منصور» بطلة «سرمدة» للروائي السوري فادي عزام، على يد أشقائها وأقاربها بعد أن ثبت لديهم أنها ارتكبت جريمة تمس شرف الأسرة او الطائفة، وذلك بتمسكها بالعلاقة بشاب من خارج الأطر الثقافية التي وضعتها لها أسرتها. دخلت عليا في حالة من التقمص لدور الشخصية، وكانت تعبيرات وجهها، ولغة الجسد توحي بالمشهد الرهيب الذي تعرضت له هيلة منصور، وهي تقدم على الموت بنفس راضية مؤمنة، وروح شجاعة اختارت قدرها وتهيأت له.
ويصور السرد جزئيات وتفاصيل دقيقة ومرعبة في عملية القتل التي نفذتها مجموعة من الشبان ليطهروا شرف عائلتهم مما جرته عليهم هيلة منصور: الخنجر الذي ينغرس في الصدر، الجسد الذي يتراخى، الدم الذي ينسكب، عليا وهي تخاطب الله في محبة وطهر، والشبان وهم يحلقون لحاهم في إشارة إلى تطهرهم من الدنس الذي لحق بشرفهم بإرتكاب هذه الجريمة الجماعية، ضد فتاة اختارت طريقة حياتها، وطريقة موتها في الآن ذاته.
كان ذلك المشهد جزءاً من عرض قدمته فرقة «مؤسسة ديوان» وهو مزيج من الموسيقى والمسرح وفن الحكايات الشعبية، الممتزجة بكثير من الفانتازيا والإثارة في صالة العروض بمبنى «البلوكوت» في مدينة ليفربول البريطانية، بعدما قدمت الفرقة عروضا متميزة في عدد من صالات العرض البريطانية منها «فيكتوريا وألبرت ميوزيوم» و»آرت غاليري» وغيرها.
أعدت الممثلة السورية اللبنانية عليا الزعبي النص مسرحيا، بالإتكاء على رواية «سرمدة» التي تجمع بين الواقع والميتافيزيقا بشكل درامي متصاعد ومثير. وصاحب العرض موسيقى تصويرية وأغانٍ ووصلات من إعداد الفنان السوري لؤي الحناوي، وشارك في الأداء كل من الفنانة السورية خلود محافظة التي أدت الوصلات الغنائية، وعازف العود العراقي عتاب حداد. وقدمت الفنانة عليا العرض الحكائي لثلاث من شخصيات رواية «سرمدة» هي بثينة وفريدة وعزة أو هيلة. بثينة شخصية جعلها مقتل أخيها يوم عرسه-على يد فريدة حسبما تعتقد- تنحو منحى عدوانياً، أما فريدة فهي حسب تعبير لؤي الحناوي «ثورة بكل المقاييس، متحررة من كافة الضوابط الإجتماعية والدينية، بعد أن فقدت ثلاثة أزواج في فترة قصيرة» غير أنها رغم طاقة العبث التي تمتلكها تبدو في جوهرها خيرة حتى وهي تتحلل من الضوابط، وتظهر في عيون الناس بمظهر المستهترة العابثة.
أما عزة فهي في الأصل كانت هيلة التي قتلها إخوتها وأقاربها في جريمة شرف في سوريا، وحسب المعتقدات السائدة لدى بعض الطوائف فقد حلت روحها في جسد جديد، هو جسد عزة الفتاة الفرنسية السورية، التي وقعت في غرام شاب جزائري، والتي تحمل الدكتوراه في الفيزياء.
وفي كل مرة كانت عليا تعرض لقطاتها عن واحدة من الشخصيات الثلاث التي يمكن القول إن فريق «ديوان» أعاد إنتاجها للجمهور الغربي مستفيداً من جو الحرية المتاح في لندن، تدخل في حالة من التقمص الشديد لشخصيتها، ذلك التقمص الذي لا يبعد عن تقمص عزة لشخصية هيلة التي آل مصيرها إلى القتل.
سألت لؤي: ماذا أردتم من العرض؟
قال: «أردنا إلقاء الضوء على بعض المشاكل الإجتماعية التي كانت سائدة في المجتمعات العربية في الستينيات، وخاصة في سوريا كنموذج للمجتمع العربي الأكبر».
مثل ماذا؟
«المشكلات التي أنتجت الواقع الدموي الذي نعيشه اليوم في أكثر من بلد عربي». وأضافت «الواقع اليوم هو وليد مشكلات الستينيات التي استمرت وتفاقمت حد الإنفجار اليوم مثل الجهل والفقر والتعصب، وتحكم العادات والتقاليد في حياة الناس، والكبت وانعدام الحرية. حاولنا في العرض أن نركز على طاقة الخير الموجودة في الرواية، والتي توزعت على شخصياتها على اختلافها الجوهري وتناقضها العميق في الأفكار والنزعات والتوجهات».
وعن الهدف من الأعمال التي يقدمونها بها في لندن ، قال لؤي «نريد كسر الصورة النمطية للعرب في الغرب، وكذا كسر الصورة النمطية للغربي لدى العرب». ويضيف «هذه الشخصيات النمطية هي سبب سوء الفهم بين الجانبين والفن كفيل بإزالة هذه الصور الذهنية المشوهة عن الآخر».
قلت له: لماذا رواية سرمدة؟
قال: «فيها طاقة خير كثيرة أردنا أن نمنحها للمتلقي الغربي لمساعدته على تخطي الصورة التي ظل الإعلام الغربي للأسف يكرسها عن العرب».
وتقول عليا الزعبي «أردنا أن نعرض شخصية المرأة العربية للجمهور الغربي من زاوية مختلفة، صورة المرأة الجريئة المتحدية المتحكمة في جسدها ومصيرها، فحتى هيلة التي قتلت، ما قتلت إلا لأنها قررت ذلك».
وتضيف «قدمنا المرأة العربية بكل تناقضاتها، فريدة على سبيل المثال بكل ما فيها من طاقة للحب والكراهية والقوة والضعف». وقالت « بدلاً من الصورة النمطية للمرأة العربية التي تقدم على أنها أم الإرهابي أو اخته أو زوجته، قدمنا المرأة العربية في صورتها الإنسانية ـ تمر عليها كل حالات القوة والضعف والحب والكراهية».
وفي سؤال عما ميز عليا ولؤي عن فادي عزام، أو ما يميز العرض عن الرواية؟ تقول عليا: «مسرحنا الرواية، أخذنا مقاطع منها وأعدنا تركيبها بطريقة فنية مختلفة، لعبنا على خط السرد، وقدمنا وأخرنا المشاهد حسبما اقتضت حاجة العرض». وتزيد «مشهد أزداي الشاب الجزائري الذي أحبته عزة ورد في أول الرواية، غير أننا جعلناه في آخر العرض، وجعلنا قصة هيلة في قلب العرض المسرحي فيما تبدأ الرواية بقصتها، ثم قصة فريدة ثم تنتهي ببثينة»، واختتمت عليا حديثها عن العرض الفني الذي قدمته مع فرقة «ديوان»، وهي في حالة من التأثر للنجاح الذي تحقق والذي بدا على عيون الجمهور التي بللتها الدموع، وظل بعض أفراد منه يتحدثون مع عليا ولؤي وبقية أعضاء الفريق بعد العرض يناقشون بعض التفاصيل معهم. وقالت: «أردنا ان نجعل العرض دائرياً بدلاً من الخط المستقيم الذي سار عليه السرد، وأعدنا إنتاج الشخصيات بطريقة فيها من الحذف والتقديم والتأخير والإضافات ما جعلها شخصيات حية يشعر بها الجمهور ويكاد يخاطبها، وقدمنا فكرة التقمص- التي ظهرت فيها هيلة منصور في صورة عزة الفتاة الفرنسية من أصل سوري- بشكل جعل الجمهور البريطاني يقلب هذه الفكرة ويناقشها في نهاية العرض».
«ديوان» مؤسسة فنية تديرها عليا الزعبي ولؤي الحناوي. وعليا ممثلة معروفة بأوروبا، اشتركت في اعمال مسرحية عدة، وكانت من المرشحين لجائزة THE BRITISH ACADEMY AWAD ، تعمل في لندن في مجال المسرح وفن الحكايات الشعبية، إضافة لعملها في السينما والتلفزيون.
ولؤي الحناوي خريج المعهد العالي للموسيقى، في دمشق ومقيم في لندن، يعمل مؤلفاً موسيقياً وعازف ناي وإيقاع. وشارك في عروض مسرحية عدة، واشترك في وصلات موسيقية تصويرية، كما عزف مع فرق موسيقية عربية وعالمية واشترك مع فيروز وشاكيرة في حفلات غنائية.

محمد جميح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية