أفريقيا وأوهام الآخر

حجم الخط
1

قال سا (SA) إله الموت لابنته وزوجها (التنكانا): نعم، هو أنا الذي عاقبتكم جراء إساءتكم لي ولن يتسنى لكما قط أن تفهما ما يقوله أولادكما. ولكني سأعطي البيض من أولادكم الفطنة والورقة والحبر كيما يدونوا أفكارهم بهما. وأعطي السود منهم المعزقة والفأس وذلك كيما يطعموا أنفسهم وينتجوا كل كا يحتاجونه بايديهم» من أساطير الخلق والموت الأفريقية من كونيKono Story
من خلال نشره هذه الأسطورة في تقسيمها نستطيع معرفة كنه نظرة الرجل الأبيض لهذه القارة العجيبة ،فهذا التقسيم يمهد لفكرة قبيحة شعارها استعباد أبدي، بداء بالإنسان، ونهاية بالأرض التي امتص خيراتها، ولايزال ذلك الواقع المظلم يخيم على تلك القارة الجميلة ولكن بدرجة أخف من القرنين التاسع عشر والقرن العشرين اللذين شهدا الاستكشافات، ومن ثم تبعه الاستعمار البغيض.
في هذه القراءة سأستعرض بعضا من انطباعات الكاتب والطبيب البريطاني «سيدني لا نجفورد هايند»، أو صاحب المذكرات المعنونة بـ «سقوط عرب الكونغو»، الذي ترجمه الدكتور أحمد العبيدلي ضمن المشروع العربي الكبير مشروع (كلمة)، وهو كتاب يصف المعارك التي دارت بين البلجيك والعرب حول حوض الكونغو، كما أنه يتضمن الكثير من الانطباعات حول الانسان الافريقي ،وما يتصف به الرجل الأسود في حوض الكونغو من الصفات التي تشرعن له ولدولته الاستيلاء على هذه البلاد، وامتلاك ثرواتها، واستعباد أهلها، وهو موضوع القراءة.
بالعودة إلى التاريخ قليلا فإن إعلان الملك البلجيكي ليوبولد الثاني في 1885 حوض الكونغو دولة حرة برئاسته وملكيته الشخصية؛ فإنه يشرعن لنفسه مكافحة كل معارض أراد الوقوف أمام أطماعه الاستعمارية، ومن الطبيعي لهذه الدولة الناشئة في الاستعمار أن تخلق كمثيلاتها الدول الاستعمارية المبررات التي تجيز لها نهب ثروات الأوطان، ومن بين تلك المبررات أن سكان حوض الكونغو كلهم من أكلة لحوم البشر، ولقد كرس الطبيب هايند هذه الحقيقة بما أتي من مهارة كتابية في كتابه (سقوط عرب الكونغو).
التوحش وأكل لحوم البشر :
يقول المؤلف «وحتى الآن تمكنت من اكتشاف أن كل القبائل في حوض الكونغو هي آكلة للحوم البشر» ص54
من هذا المنطلق أخذ على عاتقه أن يتحدث عن القبائل التي تمارس هذه الصفة القبيحة وكأن الأفارقة جميعهم في تلك المناطق التي سيقع عليها الاستعمار ليس لها من الطعام إلا لحوم البشر؛ ولا أظنه هنا من خلال هذه الدعاية يريد إخافة الأوروبيين من الدخول إلى تلك المنطقة بالتحديد بل هي بعض من مصوغات نهب تلك البلاد.
حين تحدث عن قبائل «البنجلا» قدم موجزا عن صفاتهم واردف عن سبب مشاكلهم ثم وضح ما يفعلونه بالأسرى الذين يقدمون على موائدهم «البنجلا أناس أذكياء ومفيدون جدا … يستخدمون بكثرة على المراكب البخارية … لكنهم آكلو لحم البشر، ويسببون المشاكل باستمرار لهذا السبب « ص45
ولقد أخبرني البنجلا بأنفسهم، حين كنا في رحلات صيد … قالوا إنهم وحين يكونون في مواطنهم يعدون لوليمة فإنهم يأتون بالسجين أو العبد الذي سيشكل الطبق الرئيس والذي يكسرون له ذراعيه وساقيه ثلاثة أيام قبلها ثم يوضع في مجرى أو بركة ماء ومغطسا إلى حد الذقن، وقد ربط رأسه إلى عصا لكي يمنع من الانتحار أو ربما النوم بالتالي الغرق. ويؤخذ في اليوم الثالث ليقتل، وحينها يكون اللحم طريا جدا».
وذات الصفة أوردها عن شعب «الباتيتيلا» وهم جنود جونجو لوتيته الذي خان العرب وانضم لجيوش الدولة الحرة فما كان منها إلا أن أعدمته ـ أي البلجيك- بتهمة الخيانة بعد أن وطد لها الأمر، أظهر هذا الشعب أنه لا يهتم لدين أو شعوذة أو موت أمام رغبته في أكل لحوم البشر.
«شعب الباتيتيلا هم أغلب جنود جونجو أكثر آكلي لحوم البشر تأصلا، وفي غير مرة وبعد قرار محكمة الميدان العسكرية بإعدام جاسوس أو فار من الخدمة، كانوا يقولون لنا في النظارة : «ولماذا تدفنونه ؟ لا فائدة من ذلك فعندما تذهبون، سنقوم بالطبع باستخراجه» ولا تأثير لتعليق التعاويذ على القبر بغرض منع الناس من لمسه خوفا من السحر». لم يكن يبدوا أن لهؤلاء الناس أي شكل من الديانات ولا خوف من الموت أو الأرواح الشريرة. وعبر بلاد الباتيتيلا نحو الشمال إلى مسافة خمسة أيام سيرا لا يرى الإنسان شيخا ولا أعرج ولا أعمى. فحتى الوالدان يأكلهما أبناؤهما لدى بروز أول بوادر وصول للشيخوخة لذلك يسهل فهم لماذا حين تؤخذ الظروف في الاعتبار يظهر الباتيتيلا كجنس رائع. فأكلة لحوم البشر هؤلاء وكقاعدة، لا يبردون أسنانهم الأمامية، ولا يشمون الوجوه». 69
علما أن هذه العادة القبيحة لم تكن لتنفرد بها قبائل وشعوب الكونغو فقد «وجد الأثريون عظاما بشرية في أوعية طهي عمرها نصف مليون عام في الصين, ومن أشهر القبائل التي اشتهرت بهذا النشاط قبيلة (أناسازي) في أمريكا الشمالية» غوغل «موسوعة يوكبيديا عن أكلة لحوم البشر»
حقيقة العبودية في أفريقيا:
عمد الكاتب إلى كشف حقيقة العبودية في أفريقيا، أو بالأخص في حوض الكونغو ،هذا بعد أن دحر العرب، وأصبحت الأرض طوع أمرهم، ولاتزال تلك التجارة رائجة بالرغم من كل القوانين التي وضعوها ،وكأنهم يبررون لأنفسهم ارتكاب تلك الجريمة التي طالما وسموا بها العرب «فبسرعة وبعد أن نشئت المحطة الاستوائية اكتشف المقيمون أن حركة متاجرة بالجملة في البشر كانت قائمة على أيدي الأصليين في المنطقة بين هذه المحطة وبحيرة مزومبا. وكان أكثر أولئك الاصليين جرأة هم القبائل التي تحيط بإيريبوا، الذين اعتادوا على أن يرتقوا نهر لولونجو في جماعات مسلحة كبيرة يهاجمون السكان الأصليين على ضفافه».55
وعليه فإن هذه العادة منتشرة ويجب استخدام طرق أخرى لتحرير هذه الجنس من البشر» وصلنا عند قرية بانيا موتومبا في الرابع والعشرين وهنا قمن بإعادة ترتيب القافلة. وإزاء طلبنا أن يرسل خمسون رجلا معنا للقيام كأدلاء أو كحمالين إضافيين أبدى بانيا مصاعب عدة، إلا أنه وافق في النهاية على أنه بمقدورنا الحصو على الرجال إذا دفعنا تكلفة ذلك. حينها اشترى القائد ثلاثة وستين رجلا لقاء قدحين من الخرز لكل واحد ثم هرب عدد من هؤلاء لاحقا إلا أن العديد منهم رقيوا وأصبحوا جنودا جيدين .. ويشكل توضيح الفوائد التي تجني من الحرية أحد أصعب الأمور التي يمكن شرحها لعبد أفريقي عادي.»63
من هنا ظهرت الحاجة إلى نظام جديد للحريات ابتكره القائد البلجيكي العظيم «أنشأ القائد نظاما جيدا للغاية شعرنا جميعا بفائدته. وهو أساسا تزويد كل رجل ابيض، وعلى حساب الدولة، بأكبر عدد من الخدم الصبيان يختارهم ويوظفهم بنفسه. وهم عادة ما يكونون أوغادا صغارا متوحشين، أو عبيدا محررين مؤخرا، أو أطفال حرب، أو هدايا يرسلون إلينا من الزعماء المحليين .وتمثلت مهمتهم في توفير الراحة الشخصية للبيض … وتتمثل إحدى الفوائد الكبرى بأولئك الصبيان، أنهم إن وقعوا في صعوبة ما في أثناء الاشتباك أو اضطروا للتراجع، فإنهم وبشكل ثابت سيتجمعون حول أقرب رجل أبيض؛ وفكرتهم الوحيدة للأمان هي في تواجدهم بقرب الأبيض ! 97
بل بلغ بالرجل الأسود درجة من المهانة أن يؤمن بأنه قد يتحول إلى حيوان أليف ودود لجلاده «وأصبحنا أنا ونيان جونجو صديقين منذ ذلك الوقت. وبعدها بشهور، وحين بدا أنه مجرد واحد من زعماء صغار يدينون لنا بمحض وجودهم، والذين ماكان يتوقع لهم أن يدفعوا لنا أية جزية بأية هيئة أو شكل كان إلا من خلال لوبونجو اعتاد نيان على أن يحضر لي بنفسه هدايا صغيرة؛ وأعتقد أنه كان يقوم بالغريزة نفسها التي تجعل من الكلب يتودد لشخص قد عاقبه.»81
هذه العبارة تختم كل ما أراد الطبيب هايند توصيله من رسالة للقارئ مفادها أو فحواها أن الدولة الحرة أتت لأمرين لا ثالث لهما أولهما :طرد العربي (صائد العبيد).
وثانيهما: تحرير هذا الزنجي الذي يصعب عليه فهم الحرية لما جبل عليه من التوحش والاستعباد.

*أكاديمي من عمان

د. محمد بن مسلم المهري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية