سرديات الطفولة والنظام الأمومي

وفقا لسرديات الطفولة؛ فإن الطفل كائن له مشاعره الخاصة أسوة بأي كيان إنساني آخر، بدءا من المرحلة التي كان فيها جنينا مرورا بسني الحضانة وما قبل الكلام والصبا وصولا إلى النضج الذكوري والأنثوي.

وعلى الرغم من الأهمية المتزايدة لمرحلة الطفولة وهو ما تؤكده الأدبيات السيكولوجية؛ إلا إن كثيرا من السرد العربي ما زال يتعامل مع الطفولة من منطلق التلقي والتقبل غير مول لوجهة نظر الطفل إزاء العالم الاهتمام المطلوب، والسبب الاعتقاد الخاطئ أن لا وجهة نظر لدى الطفل، كونه مجرد صفحة بيضاء لم تتوضح عنده بعد ملكة التعبير، ومن ثم يغدو عمل القاص منحصرا في غرس التعاليم النبيلة والتقاليد الرصينة والقيم الأصيلة في نفس الطفل، وذلك من خلال صنع قصص للأطفال هادفة تربوية وأخلاقية موجهة بقصدية التلقي الاستهلاكي الذي يتلاءم مع سني الطفولة المتقدمة أو المتأخرة.

وإذا عدنا إلى ما توصلت إليه الأبحاث السيكولوجية الراهنة لوجدنا أن الطفل بمثابة نتاج عضوي لحالة الأم النفسية، كما أنه صورة لجينالوجية الأبوين يحمل عنهما ايجابياتهما وسلبياتهما التي تؤثر في تجاربه وتوجه منظوره لذاته وللعالم. ومن هنا يصبح توظيف البراءة سمة ينطبع بسببها السرد بالرحمة محتفظا بالنقاء والنصاعة الداخلية التي قد ينتج عنها انفصال عن العالم الخارجي أو انغماس فيه وعلى وفق عمليات معقدة من التفاعلات العقلية والنفسية التي تنعكس في شكل تداعيات ذهنية. وهذا ما تعكسه سرديات الطفولة، راسمة للطفل صورة مستقلة لها حريتها التي تتضاد مع ما تريده المنظومة الأبوية التي تسعى إلى جعل الطفولة مهمشة موضوع أدبي، وهذا ما يجعل الطفولة تماما كالأنوثة محرومة من أن توصف بأنها قيمة إنسانية أو صيرورة آدمية لها خصائصها ووجهة نظرها وتجاربها التي يمكن أن يتمثلها السارد ويشتغل عليها.

هكذا يغدو الالتفات إلى سرديات الطفولة مهما من ناحية التمركز الذي به يصبح النظام الامومي الماترياريكي موازيا النظام الأبوي البطرياركي حيث الطفل والمرأة يمارسان الحكي بنفسيهما.

ولن ننسى أن شهرزاد هي أول من وطدت النظام الامومي من خلال ادخالها الأطفال والصبيان والفتيات في قصصها الضمنية كفواعل سردية بقصدية الإدراك الذي يصفه هوسرل بالقول: “وهذا يعني انك عندما تنظر إلى شيء ما، فانك ترمي باهتمامك عليه كما ترمي الحجارة، إما إذا حدقت فيه تحديقا سلبيا دون بذل هذا الجهد فانك تفشل في ملاحظته” فن الرواية، كولن ولسن/ ص 264.

وهذا الإدراك السردي لفاعلية الطفولة على المستوى النصي هو ما جسدته القاصة سافرة جميل حافظ، مانحة الطفل قوة، متعاملة معه ككائن إنساني واع لنفسه وللعالم، مستعملة تقانة تيار الوعي بشكل واضح، جاعلة السارد العليم بضمير الغائبة يلج عالم الطفولة، داخلا إلى ذهن الطفلة كاشفا عن دواخلها البريئة والشفافة التي قد يستعصي التعبير عنها في المعتاد من دون تيار الوعي.

ويتضح من التداعي الحر أن العالم الخارجي يشكل بالنسبة للطفل منطقة يشوبها الغموض، لذلك يتوجس منها متموضعا في عالمه البريء الداخلي، مفرطا في الحساسية تجاهه، متغلغلا في الذاتية حالما بمكان جميل يضاهي المكان اليوتوبي الذي كان يعيشه جنينا في رحم أمه.

وبهذا التطلع الاستعادي تنفر الطفولة من العالم الخارجي ممسكة بالحقيقة التي تظل ناصعة غير متدارية، بسيطة وشفافة لا باطلة ولا زائفة، حالمة بصمت وهي تؤنسن الأشياء لعلها تتمكن من إدراكها.

وهذا كله جسَّدته قصص “دمى وأطفال” بسارد عليم يتغلغل في عالم طفولي ناقلا بأمانة وصدق تداعياته الحالمة، وفي القصة الأولى التي بها عنونت المجموعة كلها، نجد الطفلة تتوجس مما حولها بوجهة نظر طفولية تزدري العالم الذي تراه مخيفا لذلك تولي ظهرها لموجوداته الرتيبة والمزيفة، فالشارع مخيف وكذلك البيوت والهواء والنوافذ والغيم والشمس والأشجار والخريف والغروب والمقبرة، وهذا ما يتسبب في تأزمها “أنها تحس بأنفاس غريبة تتردد في صدرها اليوم، وكأنها تتوقع أمرا سيحدث من زمان بعيد ثم لم يتحقق وتبقى تنتظر وقوعه في كل لحظة في النهار” ص3.

 وباستعمال المونولوج الداخلي يتغلغل السارد في أعماق الشخصية ويدخل في وعيها عارفا كنه أعماقها متكلما بدلا عنها كاشفا عن انبساطها وانقباضها، استقرارها وتداعي مشاعرها وكيف أنها تحاول مداراة ارتباكها من خلال الانفلات من قبضة الزمان لعلها تضمن لشعورها الطفولي الاستمرار.

ويعمل التوظيف للمشهد الصوري المتمثل بتأرجح الدمية المعلقة في الزجاج الخلفي للسيارة يمينا وشمالا على التداعي الذهني، فترى الساردة نفسها هي الدمية التي يتقاذفها الزمان مرة طفلة ومرة امرأة، فتحاول إيقاف هذا المشهد رافضة أن تكون دمية يحنطها الزمان حتى لا قرار لها محاولة أيضا التحرر من قيود المكان.

ومعلوم أن السيارة والباص معادلان موضوعيان للزمان وهو ينتقل بالمرء من مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى. ولا يكون في إحساس الشخصية بهما إلا مزيد من الشعور بالتحنط الذي معه يتزايد التأزم في داخلها، فتقرر عندها الهروب منهما كإعلان ضمني عن الرغبة في الانفلات من الزمن.

ولو أنها مكثت في الباص لاستسلمت للزمان ولغادرت الطفولة إلى الأبد تاركة الزمن يقيدها بروتين الحياة القاسي، لكنها آثرت النزول كي تظل في الحرية التي بها تضمن لطفولتها أن تظل دائمة.

ومما شجعها على قرارها ذاك هو ما رأته من وجوم وحزن في وجه الطفل وهو يجلس في المقعد الخلفي للسيارة ووجوه ركاب الباص وهم واقعون تحت ثقل الروتين اليومي وضغط الرتابة الحياتية “أعينهم غائرة في محاجرها، أجفانهم رامشة وكل ينظر إلى المجهول” ولذلك كان نزولها من الباص ايذانا بإيقاف الزمن بالنسبة لها لتظل متمتعة بالحرية والبراءة والصدق والاستقلال.

وقد عكس رميها بطاقة الباص في البركة الراكدة رغبتها المتدارية في الانفلات من القيود الزمانية والمكانية كي تظل الذات في طفولتها حرة حيث لا زمان يهددها ولا مكان يحاصرها مقيدا إياها بمسؤوليات الحياة ومقتضياتها.

وهذا التحصيل الدلالي الذي تضمنته القصة القصيرة “دمى وأطفال” سنجده يتكرر في ثيمات القصص الأخرى ومنها قصة “حصة الكلب” التي فيها تكمن رؤية طفولية بإزاء العالم المنظور إليه بعين صبي محروم من طيب الطعام، وتتداعى أفكاره عبر سارد عليم يستعمل المونولوجات الداخلية “وأحس الصبي كأن لهيبا يندلع من جوفه …فتنحنح في ركنه المنزوي”.

ويتكرر في هذه القصة الباص والناس وهم يركبون وينزلون وقد أثقل الروتين اليومي حياتهم، كما يتعاظم الإحساس الطفولي بالحرمان والألم والنقص والحسرة بإزاء ما يشاهده الطفل من ألوان الأطعمة وما يشمه من روائحها، وتكون النهاية مأساوية لأن الجوع سيدفع الطفل إلى مغادرة الخير الذي فطر عليه، إلى العراك من أجل قطعة خبز ستكون في النهاية من حصة كلب جائع كإشارة سيميائية إلى أن الطفولة لا تعرف الشر وإذا ما عرفته انتفت براءتها وغادرت منطقة الأمان إلى منطقة الاحتدام الذي لا يورث سوى الخسران.

ويتحول السارد العليم في قصص “بائع الدوندرمة والصغار، أولاد المساحى، وثمن الجنين، ولكي يعيش، وقبل الفجر، وما هو ماء” إلى سارد ذاتي بضمير الأنا ذكورا وإناثا مع الاستمرار في استعمال الحوارات الصامتة بطريقتي المولونولوج الداخلي والحوار الخارجي غير المباشر وهو ما ضمن للقصص تصعيدا دراميا تحقق بالتداعي الحر.

صفوة القول، إن المبالاة بالطفولة هي جزء من الإقرار بالتنوع الثقافي، كإستراتيجية ما بعد حداثية تسعى إلى التحرر من تقليدية النظر للطفل بوصفه تابعا إلى الإيمان بأهمية اندماجه فاعلا مع فئات المجتمع كافة منذ السنة الأولى من حياته، إفادة من إمكانياته مستقبلا وسعيا إلى التمثيل الفاعل للهوامش الثقافية ومنها الطفولة التي ما كانت المركزية الأبوية في مرحلتيها الكلاسيكة والحداثية لتكترث لها إلا بقدر محدود من الاهتمام، ولقد تجاوزت القاصة سافرة جميل حافظ مواضعات هذا النظام في زمن مبكر كانت فيه هذه المركزية الأبوية في أوج اعتدادها كونها لم تدخل بعد مرحلة ما بعد الحداثة وفي هذا انجاز يستحق التأشير وجدارة تستأهل الإشادة.

* كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية