مقاومة غزة تتحكم في مديات النار وتربك منظومة إسرائيل العسكرية

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة-“القدس العربي”: أظهرت موجة التصعيد العسكري الأخيرة على قطاع غزة، والتي شملت حادثين الأول صد المقاومة لعملية نوعية لقوات من النخبة الإسرائيلية، وقتل ضابط كبير كان يقود الوحدة، والثانية دخول المقاومة في عملية رد عسكري عنيفة، انتقاما لاستشهاد سبعة من ناشطيها خلال تلك المعركة، بفاصل زمني بين الحادثين أقل من 24 ساعة، مدى تحكم قوى المقاومة بميدان المعركة، وكذلك قسوة وعنف الرد الإسرائيلي والذي طال بشكل أساسي المدنيين في مسعى للضغط كما جرت العادة على المقاومة.

في الحادث الأول الذي فجر موجة التصعيد ليل الأحد الماضي، والذي تمثل في اعتراض قوة من المقاومة الفلسطينية، سيارة كانت تقل قوات إسرائيلية معروفة بوصف “نخبة النخبة” من القوات الخاصة، خلال تنقلها بعربة في منطقة تقع إلى الشرق من مدينة خانيونس جنوب القطاع، أظهر يقظة المقاومة، التي أفشلت مهمة تلك القوة بعدما دخلت بعمق ثلاثة كيلو مترات داخل حدود القطاع، ضمن “مهمة سرية” لم تكشف إسرائيل عن طبيعتها، ولا حتى عن طبيعة عمل الضابط الكبير الذي قتل خلال العملية لخطورتها.

إفشال مهمة أمنية

 

في ذلك الحادث أخفق أفراد الوحدة الإسرائيلية الخاصة في تجاوز قوة من نشطاء حركة حماس، فاستعانوا للإفلات من كمين أشبه بما يعرف عسكريا بـ “فك الكماشة” بطائرات حربية دخلت أجواء المنطقة على عجل، وقصفت بعدة صواريخ نشطاء المقاومة، لتسهيل مهمة وصول القوة التي أثخنتها الجراح، إلى منطقة السياج الحدودي، حتى أن جيش الاحتلال، اضطر لإنزال مروحية عسكرية لإجلاء القوة والمصابين والقتلى، داخل حدود القطاع، مستخدما غطاء ناريا كثيفا، وهو ما أثبت قدرة المقاومة على الاشتباك مع قوة خاصة مدربة بشكل كبير على مهمات العمل خارج حدود إسرائيل، وأن تكبدها خسائر، وأن تكون على مقربة من أسر أفرادها.

وفي الحادثة الثانية، والتي تمثلت في رد المقاومة على استشهاد سبعة من ناشطيها الذين سقطوا في القصف الإسرائيلي، لإجلاء القوة الخاصة، فقد تأكد هذه المرة أن المقاومة هي من حددت الوقت والمكان الخاص بالرد، وأبقت إسرائيل وسكانها القاطنين في مناطق “غلاف غزة” ينتظرون على مدار 24 ساعة كلمة المقاومة.

فمساء الاثنين، وبشكل لم يسبق له مثيل، أطلقت المقاومة الفلسطينية بشكل مشترك، من خلال “غرفة العمليات” رشقات صاروخية قدرت أولها بأكثر من 100 قذيفة، صوب بلدات إسرائيلية واقعة في مناطق الغلاف، لتجعلها جميعا “تحت النار” وأجبرت سكانها على الاحتماء بالملاجئ، فيما اضطر آخرون للهرب إلى مناطق الوسط والشمال، خشية وقوع الأسوأ.

وقبل البدء في الهجوم الأوسع منذ الحرب الأخيرة على غزة، حملت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة في غزة، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن “العدوان الغادر وما يترتب عليه” في تعقيبها على إفشال عملية الوحدة الخاصة الإسرائيلية شرق مدينة غزة.

وتلا ذلك أن أعلنت غرفة العمليات المشتركة للفصائل، قصف مواقع إسرائيلية وبلدات الغلاف بعشرات الصواريخ، مستخدمة في هجومها الأول صواريخ محلية الصنع قصيرة المدى، وقد أرفقت هجومها باستهداف حافلة إسرائيلية كانت تقل عشرات الجنود الذين زج بهم جيش الاحتلال لحدود غزة، ترقبا لاتساع دائرة الاشتباك، وتحسبا لوقوع حرب رابعة، بصاروخ من نوع “كورنيت” ولم تكتف بذلك، بل قامت بعرض لقطات مصورة للعملية، أظهرت للمرة الأولى، دقة عالية ووضوحا كاملا في الصور الملتقطة من داخل إسرائيل، كما أظهرت تكتيك المقاومة، بإرسال رسائل عدة من وراء الاستهداف لقادة جيش الاحتلال، في مقدمتها أن الدخول إلى عمق غزة، سيعرض جنودهم لخطر الموت أو الأسر، خاصة وأن ناشطي المقاومة، اختاروا نزول الجنود من الحافلة، قبل استهدافها.

رسالة الكورنيت

 

كما حمل صاروخ “الكورنيت” أيضا رسالة تؤكد قدرة المقاومة على إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي متى أرادت من خلال امتلاكها القدرات العسكرية رغم محدوديتها، ما يجعلها قادرة على لجم العدوان، وهو أمر أيضا التقطه كبار المحللين الإسرائيليين وأشاروا إلى ذلك الأمر صراحة، وأكدوا أن الرسالة التي بعثتها المقاومة الفلسطينية وصلت، وأحرجت المستويين العسكري والسياسي، وهو ما دفع الجيش فور انتهاء المعركة في الجنوب، لتشكيل لجنة تحقيق في تلك الحادثة.

وقد سجلت جولة التصعيد الأخيرة كذلك، تحكم المقاومة للمرة الأولى بمديات الصواريخ ومساحات النار، فبعد أن قصفت في المرحلة الأولى مناطق الغلاف، زادت من مدى الصواريخ قصيرة المدى، لأخرى متوسطة المدى، ووسعت دائرة الاستهداف، بإطلاق رشقات صاروخية على بلدات ومدن إسرائيلية بينها عسقلان، التي تبعد أكثر من 20 كيلو مترا عن حدود غزة، وقد أجبرت تلك الصواريخ التي أصابت الكثير من الأهداف بدقة، وأوقعت إصابات بينها خطرة في صفوف الإسرائيليين على نزوج عشرات العائلات لمناطق أكثر أمنا، بعد أن مكث الباقون في الملاجئ أو على مقربة منها، طوال 24 ساعة.

وقد أعلن في خضم الجولة الناطق باسم الجناح المسلح لحماس أبو عبيدة، أن المقاومة في حالة تشاور جدي لتوسيع دائرة النار، وقال ان عسقلان كانت البداية، وأن نحو مليون إسرائيلي سيكونون في انتظار الدخول في دائرة صواريخ المقاومة، إذا ما تمادت إسرائيل في العدوان على غزة، خاصة بعدما لجأت قوات الاحتلال كما المرات السابقة، لاستهداف بنايات مدنية وقصفها وتدميرها بالكامل، وتشريد سكانها.

وتلا ذلك أن حددت المقاومة مدينتي أسدود وبئر السبع التي تبعد 40 كيلو مترا عن حدود القطاع، لتكون في مرمى الصواريخ، التي حملت انذارات بضرب العمق والوصول إلى تل أبيب لو اقتضت الضرورة، وجاء ذلك بعد لجوء إسرائيل لتنفيذ عمليات قصف متعمدة طالت العديد من المباني المدنية والمنازل، لتشرد بذلك 80 عائلة جديدة، وتلحق الدمار بـ50 وحدة سكنية بتعريضها لأضرار جزئية بالغة، و750 أخرى ألحقت بها أضرار جزئية طفيفة، علاوة على قصفها العنيف للمقرات العسكرية للمقاومة.

وفي خضم المعركة أظهرت الصور الملتقطة من إسرائيل لعمليات سقوط الصواريخ التي أطلقتها المقاومة، كيف كانت تصيب كثيرا من الأهداف بشكل مباشر، وكيف فشلت منظومة “القبة الحديدية” المخصصة لاعتراض صواريخ المقاومة، في تنفيذ مهامها، بسبب تكتيك عسكري لجأت إليه المقاومة وطبقته ميدانيا على الأرض، وهو ما دفع المحللين الإسرائيليين المختصين في الشأن العسكري، للحديث عنه في الساعات الأولى من التصعيد، وهو تكتيك قائم على إطلاق عشرات الصواريخ على الهدف ذاته، وهو ما أربك “منظومة القبة الحديدية” التي تحتوي كل بطارية منها على عشرين صاروخا، لم تكن قادرة على اعتراض الكم الهائل من صواريخ غزة، وهو أمر أشارت إليه بوضوح صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية في تحليلها لإخفاقات القبة، فيما ذهبت تقارير أخرى للقول بوضوح أن المقاومة في غزة فرضت “معادلات جديدة” وهي التي قالت الكلمة الأخيرة، وأن ذلك جعل حكومة تل أبيب، عاجزة عن توفير الأمن لسكان الجنوب.

الصواريخ تتفوق على القبة

 

وبدا ذلك واضحا من اعتراف الناطق العسكري الإسرائيلي، بتمكن “القبة الحديدية” من اعتراض 100 صاروخ أطلقت من غزة، كانت ضمن 460 صاروخا استخدمتها المقاومة في الجولة الأخيرة، ما يعني أن هناك 360 صاروخا أفلتت من تلك المنظومة، في حين قال أن قواته شنت خلال الجولة 160 غارة على غزة.

ولم تكشف المقاومة الفلسطينية المتمثلة بغرفة العمليات المشتركة، عن كافة أنواع الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى التي استخدمتها في الجولة الأخيرة، والتي صنعت محليا، لكن دقة تصويبها وآثار سقوطها، تشير إلى وجود تطور كبير في طبيعة تلك الصواريخ، عما كان عليه الوضع سابقا، وهو فتح باب التكهن عن قوة وأداء الصواريخ ذات المدى البعيد التي لم تستخدم في الجولة الأخيرة، والتي تستطيع أن تضرب تل أبيب ومحيطها ومناطق أبعد من ذلك.

واكتفى الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي سرايا القدس، بالإعلان عن إدخاله صاروخاً جديداً للخدمة العسكرية خلال جولة التصعيد الأخيرة، وأوضحت السرايا في بيان مقتضب، أن الصاروخ الجديد تم استخدامه خلال قصف مدينة عسقلان، وأنه ألحق أضراراً جسيمة في منازل المستوطنين، وأشارت إلى أن الصاروخ الجديد ذو قوة تدميرية كبيرة.

وفي نهاية عملية التصعيد التي توقفت بوساطة مصرية، بين الطرفين أعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل القصف، أشادت الفصائل الفلسطينية بالمقاومة، وبالوحدة التي تمثلت بميدان المواجهة مع الاحتلال عبر “غرفة العمليات المشتركة”.

والمعروف أن الجولة انتهت بسقوط سبعة شهداء في المرحلة الثانية، ومثلهم في المرحلة الأولى عند اعتراض القوة الإسرائيلية الخاصة، وإصابة أكثر من 30 آخرين، فيما تسببت في إصابة 85 إسرائيليا بينهم من أصيب بجراح خطرة، ومقتل ضابط كبير في الجولة الأولى.

يشار إلى أن نتائج المعركة كان لها أثر كبير على تحالف اليمين الإسرائيلي الحاكم، فلم تمض 24 ساعة على انتهاء الجولة، حتى قدم وزير الجيش أفيغدور ليبرمان استقالته من منصبه، وعزا ذلك لخلافه مع رئيس الحكومة حول التعامل عسكريا مع غزة، وهو ما اعتبرته الفصائل الفلسطينية “نصرا للمقاومة”.

وفي نهاية الجولة أيضا كشفت القناة الإسرائيلية الثانية في تقرير لها، أن ما أنفقته إسرائيل ماليا، خلال العمليات العسكرية التي استمرت نحو 40 ساعة بلغ نحو 33 مليون دولار، كانت تكلفة صواريخ “القبة الحديدية” وطلعات الطائرات الجوية، ونشاطات سلاح البحرية وتجنيد الاحتياط وحركة القوات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية