أماكن النزوح “إبرة في كومة قش”.. الغزيون يروون عذابات “عربات جدعون”

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة- “القدس العربي”:

بعد جهد كبير، تخلله رحلة شاقة من مدينة غزة إلى مواصي خان يونس جنوب القطاع، فشل محمد الأشقر، في إيجاد مكان يقيم فيه خيمة تؤوي أسرته، تحسبا لنزوح قريب بأوامر من جيش الاحتلال، الذي يقترب من منطقة سكنة غرب مدينة غزة، مع بدء العملية العسكرية الجديدة المسماة “عربات جدعون 2”، وكغيره يخشى أن تجبره قوة النار التي يستخدمها الاحتلال، على رحلة نزوح مريرة.

هذا الرجل في نهايات الخمسينيات الذي ترك أسرته صباحا، واتجه جنوبا ليقطع مسافة 30 كيلو متر، مرة يركب على ظهر دراجة نارية بثلاث عجلات مزدحمة بالركاب، وفي بعض مقاطع الطريق يسير على قدميه، تحت شمس صيف غزة الملتهب بالحرارة وعنف الغارات الإسرائيلية، ومرة يركب على عربة يجرها حمارا برفقة آخرين، تسير ببطء في طرق وعرة وغير معبدة، حتى وصل ما بعد الظهيرة إلى منطقة مواصي خان يونس، وفي حديثه لـ”القدس العربي”، بعد يومين من تلك الرحلة الشاقة، كانت الدهشة لا تزال على وجهه، علاوة عن آلام التعب التي لا تزال أقدامه المتورمة شاهدة عليها.

إبرة في كومة قش

ويقول محمد “ما وجدت ولا مكان فاضي، بحثت في كل الأماكن، ومشيت المواصي شرقا وغربا”، ويضيف “ما في منطقة ما فيها خيمة، ولو وجدت مكان فاضي بيكون أرض زراعية، أو أرض ما فيها أي نوع من الخدمات”، ويؤكد هذا الرجل أن مشهد الازدحام في منطقة المواصي، أكثر بكثير حاليا من الفترة السابقة التي كان ينزح فيها وأسرته هناك مع آلاف الأسر الغزية، في فترة ما قبل التهدئة الماضية في يناير المنصرم.

وبعد رحلة مضنية وشاقة، اضطر هذا الرجل للمبيت عند أحد أقاربه ينزح في تلك المنطقة، ومع بداية شروق شمس اليوم التالي لرحلته، عاد بخفي حنين إلى أسرته، فزادها هما فوق همها، بعد أن فشلت محاولتها في إيجاد سكنا جديدا بين الخيام، وقد شبه بحثه عن بضع مترات لوضع خيمته، بمن يبحث عن “إبرة في كومة قش” من صعوبة الأمر، وكغيره من أرباب أسر غزة، لا يعرف هذا الرجل وأسرته ماذا سيفعل حين يفرض عليه النزوح القسري من جديد، وقال “إذا ما في مكان في المواصي، يعني في مخطط ثاني”، وكان يشير إلى مخطط التهجير القسري خارج غزة.

وفي هذا الوقت يتواجد في مواصي خان يونس، وهي منطقة زراعية مقابلة لشاطئ المدينة، سكان كافة أحياء المدينة الشرقية والجنوبية والشمالية ومناطق الوسط، بعد ترحيلهم على دفعات منذ مارس الماضي، إضافة إلى سكان مدينة رفح بالكامل، وسكان آخرون من شمال القطاع، اضطروا للبقاء هناك، ولم يعودوا لمناطق سكنهم في فترة التهدئة الماضية، لبلوغهم أنباء عن تدمير إسرائيل منازلهم بشكل كامل شمال القطاع، وبصعوبة بالغة وجد هؤلاء مكانا لإقامتهم، حيث لم يعد هناك متسع لاستقبال هذه المنطقة أي نازحين جدد من مدينة غزة، التي يهدد الاحتلال بإخلائهم قريبا.

رعب النزوح

وحال هذا الرجل يشابه حال الكثير من سكان مدينة غزة، الذين يعيشون “رعب النزوح” كما وصفت هند أم عمر، وهي سيدة خمسينية ولها خمسة من الأبناء والبنات اثنان منهم متزوجون ولهم أسر وأطفال، فهذه السيدة التي تقيم منذ أبريل الماضي، بعد شن إسرائيل هجوما على المناطق الشرقية لمدينة غزة، في خيام نزوح أقامها زوجها وأولادها في المنطقة الغربية لمدينة غزة، تقول إنها كباقي الأسر النازحة وغير النازحة في تلك المنطقة يخشون من المجهول القادم، حتى أنها ذرفت الدموع حين سألتها “القدس العربي” عن وجهتها القادمة في ظل التهديدات الإسرائيلية بإعادة احتلال مدينة غزة، وقالت “الكل بيفكر ما يطلق من المنطقة، ونظل في أماكنا، لكن كل هذا الكلام بينمسح مع أصوات القصف والغارات الإسرائيلية التي بتستهدف مناطق الإخلاء”.

وعلى مدار ساعات اليوم تسمع هذه السيدة كباقي سكان مدينة غزة أصوات الغارات وعمليات نسف المنازل التي ينفذها جيش الاحتلال في حي الزيتون، حيث بدأ منه تنفيذ الهجوم البري الجديد على المدينة، وتخشى من صدور أوامر إخلاء قريبة لمنطقة سكنها، وعندها كغيرها لن تجد قرارا غير الرحيل، فجميع أفراد الأسرة كغيرهم من السكان، لا يحتملون التهديدات ولا صوت الغارات ولا حمم الصواريخ القاتلة.

وفي هذا الوقت ازداد الضغط أكثر على مناطق مدينة غزة الغربية، حيث يصلها يوميا أعداد جديدة من نازحي أحياء جنوب غزة، وتشير المعلومات المتوفرة من مصادر محلية، إلى رحيل قسري لأغلب سكان الزيتون، إضافة إلى مواطنين جدد اضطروا للنزوح بعد تكثيف جيش الاحتلال القصف على حي الصفطاوي شمال المدينة منذ يومين، وتضطر الأسر النازحة الجديدة للإقامة في خيام ومنازل الأقارب والأصدقاء الضيقة غرب غزة، أو في مراكز الإيواء المتكدسة، وهناك الكثير منهم اضطروا للإقامة في العراء، وعلى جوانب الشوارع، فيما وجد بعضهم بصعوبة قطعة أرض صغيرة، غلفها بقطع قماش على شكل خيمة.

وحذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان، من مواصلة الاحتلال عدوانه وتوسيع عملياته لإحكام السيطرة العسكرية الكاملة غير القانونية على مدينة غزة، ما ينذر بارتكاب “مذابح جماعية غير مسبوقة” بحق المدنيين، ويقضي تمامًا على ما تبقّى من جهود الاستجابة الإنسانية التي تعاني أصلًا من الانهيار والعجز.

وحتى قبل بدء العملية العسكرية الجديدة، ذكرت الأمم المتحدة أن أكثر من 780,000 ألف شخص نزحوا بعد عودة استئناف الحرب ضد غزة، فيما تدهورت حالة الملاجئ القائمة أو تُرِكت في ظل أوامر النزوح المتكررة، وهذا العدد سيتضاعف في حال نفذت أوامر إخلاء مدينة غزة.

وكان وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اعتمد الأسبوع الماضي خطة قائد الجيش لاحتلال مدينة غزة، تنفيذا لقرار الحكومة الأمنية “الكابينيت”، وأعلن الناطق باسم جيش الاحتلال بعد ذلك، إصدار أوامر لتجنيد 60 ألف جندي جديد للمشاركة في الهجوم على غزة الذي أطلق عليه اسم “عربات جدعون 2″، كما أعلن شروع الجيش بأولى مراحل العملية، بشن الهجوم على حي الزيتون، وطالب من سكان التوجه إلى المواصي.

بدء الهجوم البري

ووفقا لشهود العيان فإن الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، بدأت بالتوغل في عدة محاور في الحي، على وقع قصف جوي ومدفعي عنيف استهدف المنازل والمباني السكنية، حيث ينبئ ذلك بأن أمر إخلاء المدينة بالكامل بات قريبا جدا، وهو ما سيخلق كارثة إنسانية خطيرة حذرت منها الأمم المتحدة، والتي كانت قد أصدرت قبل يومين تقريرا يؤكد وجود مجاعة في مدينة غزة، واقتراب انتشارها في مناطق وسط وجنوب القطاع، حيث ستتضاعف مأساة المجاعة في مناطق النزوح في حال نفذت العملية العسكرية الجديدة، في ظل الحصار المشدد الذي تفرضه إسرائيل، وتحول بموجبه دون وصول مواد غذائية ومساعدات للسكان.

وبسبب المخاوف من الهجوم الجديد، عبرت الأمم عن شعورها بالقلق من توسع وشيك لأنشطة إسرائيل العسكرية في مدينة غزة، والذي سيؤدي إلى نزوح آلاف الأشخاص مرة أخرى، وشدد على وجوب حماية جميع المدنيين، سواء اختاروا البقاء أو النزوح، وكذلك شدد على وجوب تلبية الاحتياجات الأساسية لمن يقررون النزوح، كما قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن الوضع في قطاع غزة فاق الكارثة.

وترافقت مع تحذيرات فلسطينية من مخاطر كبيرة ستواكب هذه العملية العسكرية، ستطال المرضى على أسرة العلاج، والذين يصعب نقلهم إلى أماكن أخرى، إما بسبب حالاتهم الصحية، أو بسبب عدم وجود أماكن كافية لاستقبالهم في مشافي وسط وجنوب القطاع، حيث بلغت نسبة إشغال الأسرة في مستشفيات القطاع حتى الأسبوع الماضي 300%، وقد أكد مدير عام وزارة الصحة منير البرش، إن هذا الرقم غير المسبوق منذ بدء الحرب، “يعكس حجم الكارثة الصحية والإنسانية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية