■ رافق انتشار المحطات الإخبارية الفضائية في العالم العربي منذ انطلاقتها منتصف تسعينيات القرن الماضي، دخول أشكال جديدة من العرض الصحافي، لم يسبق اللجوء إليها في نشرات الأخبار التقليدية للمحطات الحكومية. ومن أهم أشكال العرض الصحافي الجديدة هذه هي المقابلة الإخبارية؛ التي يجريها مقدم النشرة في الاستوديو أو عبر الأقمار الصناعية أو الهاتف مع سياسيين وخبراء أو مع مراسلي المحطة المنتشرين في أصقاع المعمورة حول موضوع آني تبث حية على الهواء.
للمقابلة الإخبارية الحية دور مؤثر على الإعلام الإخباري لم يأخذ حقه من الدراسة والبحث بعد، فقد أحدثت المقابلة الإخبارية أثراً واضحاً على بنية ومضمون ولغة الإعلام الإخباري التلفزيوني؛ فلم يعد المذيع قارئاً للأخبار فحسب، بل أصبح أيضاً من جامعي الأخبار وصانعيها، كما أصبح جزء من المعلومات الخبرية يُنتج على الهواء مباشرة، تحت سمع وبصر المشاهد، وليس قبل النشرة كما كان الحال عليه في الماضي. كما فتحت المقابلة الإخبارية المجال للغة العامية واللهجات المحلية، وسمحت بتفصيل المعلومات الخبرية أو تفسيرها أو تقييمها أو التعليق عليها، خلال نشرة الأخبار من قبل ضيوف النشرة، بعد أن كان أمر تقييم وتفسير المعلومات الخبرية والحكم عليها متروكاً للمشاهد، من دون تأثير من طرف ثانٍ. وبالتالي أصبحت المقابلة الإخبارية، إما تؤكد وتعزز المعلومات الخبرية (التي تعرض عادة في تقرير إخباري أو تقرير لأحد المراسلين قبل المقابلة) أو تشكك بها أو حتى تدحضها بالكلية.
بعد تحليل عدد كبير من المقابلات الإخبارية التي يجريها مذيعو القنوات الإخبارية العربية، تمكنت من تحديد حوالي سبع عشرة معضلة في المقابلة الإخبارية الحية (وهو الأسلوب المتبع في معظم المحطات الإخبارية) تؤثر سلباً على النشرة الإخبارية وتدعو إلى ضرورة التفكير بإجراء مقابلات إخبارية مسجلة إلى جانب المقابلات الحية لتجنب هذه المعضلات:
أولاً: إن انفتاح المقابلة الإخبارية الحية وقتياً يجعل من الصعب السيطرة على وقت النشرة. وهذا الأمر يدفع مقدم النشرة ومعدها إلى اتباع أساليب معينة لإبقاء وقت النشرة تحت السيطرة، فأحياناً يضطر مقدم النشرة إلى قطع كلام الضيف ليتمكن من طرح الأسئلة، أو يطالبه باختصار جوابه أو يقوم بمقاطعته أثناء حديثه قبل أن ينهي فكرته، وينهي معه المقابلة لضيق الوقت بصورة قد تكون فظة. كما أن تجاوز المقابلة الإخبارية الحية لوقتها المحدد افتراضياً، يؤثر على الترتيب الزمني للمواضيع الإخبارية الأخرى التي تليها، إذ عادة ما يضطر معد النشرة للتخلي عن بعض الأخبار التي سبق له أن خطط لبثها، لقصر الوقت المتاح له، أو يطلب من مقدم النشرة الإسراع في قراءة النصوص الإخبارية المتبقية، أو يقوم باختزال بعض الجمل فيها في غرفة التحكم في الأستوديو قبل أن تظهر أمام المقدم على جهاز القراءة، فيختزل بذلك بعض الوقت في حتى تنتهي النشرة في الوقت المطلوب. وهذه الإجراءات لا تخلو من سلبيات على العمل الإخباري، فالمقاطعة المستمرة للضيف أثناء المقابلة الإخبارية تسيء إلى الضيف وتغضبه أحياناً، كما أنها تزعج المشاهد الذي ربما يرغب بالاستماع إلى الضيف حتى ينهي فكرته. بالإضافة إلى أن محاولات مقدم النشرة ومعدها للسيطرة على الوقت تربك العمل في غرفة التحكم في الأستوديو وتوتر العاملين فيه، وهذه الإشكالات كلها يمكن تجنبها إن كانت المقابلة مسجلة.
ثانياً: في حالة وقوع خلل فني أثناء إجراء المقابلات الحية يسبب هذا الأمر اختلالاً في بناء النشرة ويضر بصدقية المحطة. فعادة ما تتبع نشرة الأخبار ترتيباً محدداً للمواضيع الإخبارية؛ كأن يجري مقدم النشرة المقابلة الإخبارية مع الضيف بعد بث تقرير إخباري مصور، ولكن عند حدوث خلل فني ما يمنع إجراء المقابلة حية على الهواء، يضطر المذيع إلى تقديم أو قراءة الخبر الذي يليه، وبعد الانتهاء منه (وقد يستغرق الأمر عدة دقائق) يعود مرة أخرى ليجري المقابلة مع الضيف عن الموضوع الإخباري السابق بعد التغلب على الخلل الفني، فيقطع بذلك الوحدة الموضوعية للخبر. وهذا أمر غالباً ما يؤثر على فهم المشاهد للخبر وتأثره به.
ثالثاً: في المقابلات الإخبارية الحية لا يعرف مقدم النشرة مسبقاً ما سيقوله الضيف، لهذا قد تحمل المقابلة الإخبارية مفاجآت لا تحمد عقباها، من قبيل إطلاق الضيف ألفاظاً نابية أو الاساءة لاحد ما، وحتى إن حاول مقدم النشرة كبح جماح الضيف والاعتذار للمشاهدين عن تصرفاته، يكون الوقت متأخراً لتدارك ذلك.
رابعاً: يعرف كل من يعمل في مجال إعداد المقابلات الإخبارية كلفتها المادية المرتفعة، التي تزداد عندما يصر معد النشرة على بثها حية على الهواء، إذ عادة ما يحجز منسق المقابلات الإخبارية خطاً مع الأقمار الصناعية ويطلب من الضيف الموجود عادة في بلد آخر الحضور إلى استوديو البث قبل النشرة. وعندما تكون المقابلة حية يضطر الضيف للجلوس في الأستوديو حتى يأتي دوره للحديث معه. وإن افترضنا أن دوره يأتي في منتصف النشرة التي مدتها ساعة، فإن عليه الانتظار نصف ساعة كاملة، وهذه النصف ساعة تكلف مبلغاً كبيراً من المال، قد يصل إلى بضعة آلاف من الدولارات أحياناً (التكلفة تختلف من بلد إلى آخر). وما على المشاهد إلا أن يلحظ عدد المقابلات الإخبارية التي تجرى خلال اليوم الواحد في محطة إخبارية، ليتصور مقدار التكلفة المرتفعة التي تحتاجها المقابلات الإخبارية الحية.
خامساً: غالباً ما تعمد المحطات الإخبارية إلى إجراء مقابلات حية مع أحد المسؤولين بعد الاستماع إلى تقرير مصور، فيقوم المسؤول بنفي بعض المعلومات الواردة في التقرير أو كلها أو يشكك في صحتها أو يقلب الحقائق وفق هواه. ردود مقدمي النشرات على كلام الضيف يختلف من محطة إلى أخرى ومن مذيع إلى آخر، فبعضهم يحاول الدفاع عن المعلومات الخبرية الواردة في التقرير، وبعضهم الآخر يأخذ كلام الضيف حقيقة مسلما بها، ضارباً المعلومات الخبرية الواردة في تقرير محطته عرض الحائط. ومن نتائج هذا الأمر أن المشاهد الذي اقتنع في البداية بالمعلومات الخبرية الواردة في التقرير، تصبح محل شك عنده بعد استماعه إلى كلام الضيف، أو تعلق حجج الضيف برأسه ويقتنع بها، فيقل بذلك تأثير وفاعلية العمل الميداني الإخباري لصالح الآراء الشخصية، إلا أن هذا الأمر يمكن تجنبه عند تسجيل المقابلة قبل البدء بالنشرة الإخبارية، فعندها سيركز الضيف على الإجابة على الأسئلة المطروحة عليه بدلاً من الانشغال بالتشكيك بالمعلومات الصحافية الموثقة بالصوت والصورة.
يتضح من كل ما سبق أن التفكير بتسجيل المقابلات الإخبارية قبل بثها مسألة ضرورية لتجاوز عيوب المقابلة الإخبارية الحية. وما على المحطات الإخبارية إلا التفكير في إيجاد آلية لتطبيق ذلك، وعندها ستلحظ الفرق.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز شاهين