يضع وثائقي “بي بي سي”، المسمى “ولي العهد تحت المجهر”، جريمة اغتيال خاشقجي في سياقها الصحيح، أي كواحدة من سلسلة جرائم ارتكبها ولي العهد السعودي. إنه يذهب إلى الرصاصة الأولى، عندما كان بن سلمان في السادسة عشرة من عمره ووضع رصاصة على طاولة أحد المنازعين في موضوع ملكية لأرض، وضعها مهدداً: “إما الانصياع لشروطنا، وإما هذه”.
يكشف الفيلم سلسلة من عمليات الاختطاف والاعتداء التي تعرّض لها معارضون سعوديون داخل السعودية أو في أوروبا، على نحو ما ورد في وثائقي سابق لـ “بي بي سي”، بالإضافة لشهادة جديدة عن وفاة لواء في الجيش السعودي أثناء احتجازه قبل عام، عندما جرى ضربه بهراوة على وجهه. كان ذلك هو اللواء القحطاني، الذي فسّر شهود الفيلم مقتله على أنه مقصود باعتبار الرجل صندوقاً أسود لمراحل مختلفة، تماماً مثلما اعتُبر جمال خاشجقي صندوقاً أسود، بحسب الفيلم، كان لا بد من التخلص منه.
وثائقي “بي بي سي” يحقق في ممارسات سابقة لولي العهد السعودي، ويسأل إن كان سينجو بعد كل موجة الغضب في العالم. ويخلص إلى الإشارة بأن من المستحيل أن لا يترك هذا الوضع المستجد أثراً على المملكة. كيف؟ لم يجب الفيلم، ولا أحد يعرف بالضبط، لكن عبارة ينقلها أحد الضيوف، يقول إنه سمعها منه قد تكفي لمعرفة أي مستقبل ينتظر البلاد: “الإعدام لغة يفهمها شعبي”.
ما تبقى من مخيم اليرموك
مهرجان خطابي تحييه “فتح” على أنقاض مخيم اليرموك في دمشق لمناسبة الذكرى ١٤ لرحيل أبو عمار وينقله تقرير لـ “تلفزيون فلسطين”، يزعم فيه السفير أنور عبدالهادي أن المهرجان “هدية من الشهيد ياسر عرفات”، فأبو عمار، بحسبه، “ما زال ملتزماً بقضايا شعبه”.
لم ينل أبو عمار من الأذى في أي مكان قدر ما نال من النظام السوري، كما كتب أمس أحد الزملاء. لسنوات طوال كانت “العرفاتي” هي التهمة الرائجة واللصيقة بالفلسطينيين في سوريا، كانت تودي بالناس لسنوات في أقبية النظام. ومع ذلك ستجد صور بشار الأسد إلى جانب صور أبو عمار في قلب المهرجان، على الرغم مما فعل نظام الأسد بتدميره للمخيم بعد حصار وقصف وتجويع، وتشريده لمئات آلاف الفلسطينيين من بيوتهم.
يأتي المهرجان كشهادة حسن سلوك للنظام من الفتحاويين وسلطة محمود عباس، وانحياز صريح لأحد أسباب جزء من الكارثة الفلسطينية المستمرة. يعرف هؤلاء أن هذا الانتعاش المهرجاني لم يكن ممكناً لولا حاجة النظام، في ظل عزلته، لأي حليف، فما بالك إن كان حليفاً من وزن “ممثلي” القضية الفلسطينية.
كاميرا “تلفزيون فلسطين” تنقل الحدث بابتهاج، لا أثر عندها لأي أسف على الدمار الذي لا بدّ عاينتْه في الطريق إلى النادي العربي، مكان المهرجان وسط المخيم. إنها تصور المهرجان نفسه، الصور والرايات والكوفيات والخطابات، بما يوحي أن المخيم حوله عامر بالناس. إنه تزوير ما بعده تزوير، جميعنا يعرف أن محيط المهرجان دمار رهيب. مكان بلا ناس هجّرهم النظام السوري في كل صوب. ولا يبدو أن لهذه الكاميرا جرأة الذهاب إلى هؤلاء لسؤالهم عن “أي عصابات إرهابية” شرّدتهم. هل سمع “تلفزيون فلسطين” عن مخيم دير بلوط في أقصى الشمال السوري، حيث يغرق جزء من مهجّري اليرموك بالوحل والجوع والموت؟! ها هذا هو ما تبقى من مخيم اليرموك.
سباق إلى الهاوية
اثنان من الفنانين بات من غير المجدي متابعة أي مقابلة تلفزيونية جديدة مع أي منهما، دريد لحام وزياد رحباني. في كل مرة يقول المرء لنفسه “وماذا بعد؟ أي كلام رديء يمكن أن يصدر عنهما بعد كل الذي قالوه في السنوات الماضية؟”. لكن للحق كان كل منهما قادراً دائماً على التفوق على نفسه باختراع مستوى جديد.
قال دريد لحام أخيراً لأمل عرفة في برنامج حواري لها -وهذا وحده يحتاج إلى صبر الجبال كي تتحمل مشاهدة دقائق مع أمل عرفة، ملؤها قلة الخبرة والإعداد السيء والحضور السَقيل (هكذا تلفظ بالدارجة الشامية)- متكئاً على مقطع من مسرحية سابقة “إذا الوطن حفيان أنا صرمايته”، ورغم محاولة أمل عرفة رفع المستوى قليلاً عبر وصف ضيفها وإعلاء شأنه إلى مستوى “شجرة”، أو “قاسيون”، إلا أن جمهور مواقع التواصل الاجتماعي وجد ضالته في ما وصف به دريد نفسه، خصوصاً أن كلام الأخير جاء بصدد اتهام معارضي النظام السوري بأنهم انشقوا “من أجل حفنة من الدولارات”، وبوصف دريد لنفسه بأنه “تين وزيتون” البلد.
لكن ماذا ثقافة الأحذية في بلادنا؟ هل استُنفد الكلام الطيب الذي يمكن أن يقال في الوطن، حتى يستعير هؤلاء شعاراتهم وصورهم البلاغية من عند الإسكافي؟ لكنها الأنظمة المتوحشة، التي دأبها تقديس حذاء العسكر، صنعت له تماثيل، ووضعه الشبيحة على رؤوسهم، والتقطوا صوراً معه أثناء التقبيل، بل، وكما حدث عند أنصار “حزب الله”، اخترعوا شعارات لتمجيد “كعب صبّاط السيد نصرالله”.
وإذا كانت هذه هي الثقافة الرائجة فمن لها غير دريد لحام، الموالي بلا حدود لنظام القتل، وميليشات الإرهاب والتوحش.
هل قلنا إنه يتفوق على نفسه في ابتكار مستوى جديد؟! إنه على وجه الدقة يسابق نفسه في الوصول إلى الهاوية.
كاتب فلسطيني سوري