القاهرة ــ “القدس العربي”: وعدت التكنولوجيا الإنسان بالكثير، وما من مقولات العالم الواحد والقرية الصغيرة وما شابه سوى أوهام تتأكد كلما مرّ الوقت. وليس أدل على ذلك من مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أدّت في النهاية إلى عزلة إنسانية أكثر قسوة، حتى أن البعض أصبح لا يستطيع التواصل الحقيقي، فقط يعيش ضمن عالم مفترض الوجود، ظناً منه أنه يحيا بالفعل، يتفاعل ويتحاور ويُنتج حياة خيالية بالكامل، حتى الشخوص التي تتبادل معه الأدوار، بطولة أحياناً وكومبارس في الغالب، تتحايل بدورها، وقد تخفّى أصحابها خلف صور وأسماء وهمية، وهكذا يصبح الأمر ينتمي إلى عالم وهمي في الأساس، يحركه ساحر خفي يعرف خبايا شخوصه أكثر منهم، ساحر يدعى “فيسبوك”. حول هذه الفكرة دارت أحداث العرض المسرحي “تسجيل دخول” الذي أقيم على مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية. العرض أداء أحمد السلكاوي، وأوسكار نجدي، وشادي الدالي، وعمرو جمال، ومحمد الشافعي، ومنة حمدي، وندى نادر، وهبة الكومى. ديكور مي كمال، أزياء مروة عودة، موسيقى محمد صلاح، مادة فيلمية أحمد روبي، إضاءة محمد عبد المحسن وكتابة إسماعيل إبراهيم وفادي سمير وفكرة وإخراج هاني عفيفي.
التخفّي والاستباحة
المفارقة الأساسية التي يقوم عليها العمل المسرحي وفقاً لموضوعه، هو حالة التخفّي المقصود، بمعنى أن كل مَن يدخل إلى هذا العالم يريد أن يظهر ويبدو للآخرين كما يحلو له، وكما يتخيل نفسه، وكأنه يتزيّن تماماً، ويُسقط جميع نواقصه، أي يظهر على الصورة التي يتمنى أن يكونها، وبالتالي فهو مستمر بلا رحمة في نزف تفاصيل الخداع هذه. ومن ناحية أخرى ومن خلال وجهة النظر هذه يريد أن ــ بما أنه وحيد ــ أن يتشارك والجميع كل تفاصيل حياته ــ أكثرها تافه واعتيادي ــ لكن الشخص رجلا كان أو امرأة يريد أن يتفاعل مع مجموعة، هي في دورها لا تصدقه، بما أن كل فرد منها يعرف تماماً أنه يكذب ويلفق عالمه. لكن ما موقف الساحر/فيسبوك هنا؟ هو الذي يعرف التفاصيل بكاملها، وما يداريه الأصدقاء، فهو يعرف كل شيء، السن والهوايات، مروراً بالطعام والملابس والانتماء الرياضي، وصولاً إلى العلاقات الإنسانية في بداياتها ونهايتها، مراقِب كبير، والشخص يتوهم بأنه هو المتحكم في كل شيء.
علاقات مفقودة
ورغم سمات الصداقة بين الشخوص، والذين يبدون ككتلة واحدة، بحيث يعرف كل منهما الآخر ــ من خلال صفحات فيسبوك ــ إلا أنه كلما تم الاتفاق على ميعاد حقيقي يلتقون فيه، فلا يحدث أبداً، والكل لديه موقف من أحدهم، يرفضه ويتعلل بوجوده في لقاء حقيقي. نماذج مختلفة من الشباب والفتيات، من نصيرة المرأة، إلى مرشدة الفتيات في كيفية الإيقاع بالرجل المناسب، والتي تنتوي ارتداء الحجاب وفق الموضة، وأمام جمهورها أيضاً، إلى متوتر علاقات الحب، ولا يعرف أيهما يختار، كذلك صاحب العلاقات المثلية، وهكذا. لكنهم في الأخير لا يستطيعون مفارقة أجهزة تلفوناتهم، ومتابعة الآخرين والثرثرة لا أكثر ولا أقل.
العرض المسرحي
الممثلون على خشبة المسرح، وكأنهم في منازلهم وحجراتهم الخاصة، يتحركون وكأنهم منعزلون تماماً وبمفردهم، وبينما يأتي شخص يرتدي ملابس تقليدية لساحر سيرك أو ما شابه. الممثلون لا يهتمون بشيء، والساحر يتطلع وينظر إلى المتفرجين، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. هنا يتحول الجمهور إلى مجموعة أو كتلة مبهمة لا تمييز بينها، وكأنه هو الذي يطالعهم، هم في صالة مطفأة الأنوار/قطيع غائم ومختفي الملامح، نسخ مكرورة، وقد أصبحوا محل اختباره. هنا يتوحد الجمهور كموضوع مع ممثلي العرض، الذي بدأ بالفعل من خلال دقائق الصمت هذه، وكأنها حالة من إصرار الرجل/الساحر، ليدخل الجميع في التجربة.
ولتعميق الحالة يتحاور الساحر مع أحد رواد الصالة ــ ممثل متواطئ ــ ليخبره بأنهما معرفة قديمة جداً، ولا يطلب منه سوى الثرثرة وقول ما يريد، فهو الوحيد القادر على الاستماع إليه دونما ملل، وكأنه صورة معدّلة أبسط وأرق ــ ظاهرياً ــ من صورة (الأخ الأكبر). هذه الصورة التي تظهر غضبها، عند مخالفة إحدى فتيات العرض لشروط الاتفاق، وتهديدها بطردها من هذا العالم، الذي لا يسمح بالتجاوزات الأخلاقية، أو الدينية والسياسية بالطبع.
ورغم حالة الانبهار بما يفعله الساحر، وهو في الحقيقة لا يفعل شيئاً، سوى التجوال بينهم، وسرقة بعض ملابسهم، شال أو غطاء رأس أو شعر مُستعار، حتى يخلق صورة يرتجيها من تمثال يوضع بينهم ولا يرونه فوق خشبة المسرح. حالة السرقة هذه تمتد إلى سرقة أعمارهم، وقد تم التعبير عنها بساعة كبيرة تتوسط عمق المسرح، وتدور عقاربها في سرعة كبيرة، لتبدو مبرراً لتوالي السنوات وأحداثها.
حتى الأحداث الجسام، بداية من ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وحتى هيصة الانتخابات الملفقة، يتم تواردها في صخب سريع، ومن خلال عامل “الدليفري” حيث يتواصلون ــ كل بمفردهم ــ معه من خلال التليفون، وهو الذي لن يصل قط. فقط هو مَن يخبرهم بما يحدث في الخارج، أما هم ففي عزلة تامة. يتشابه الأمر هنا ورفاق عوامة نجيب محفوظ في “ثرثرة فوق النيل” مع الفارق بالطبع في تناول الأزمة أو المأساة.
الكوميديا السوداء
ورغم حالة الوحدة والضياع التي يُعانيها هذا الجيل الذي سحقته التكنولوجيا، وجعلته أكثر تنميطاً واستعباداً عما مضى، إلا أن أسلوب السخرية، والمواقف الكوميدية، التي طال البعض منها الجمهور المتواصل جداً والمنعزل في الوقت نفسه، كان أسلوباً مناسباً للخروج من أزمة النواح على الذوات الضائعة. إضافة إلى خلق مساحة من الإرتجال، أتاحت للممثلين التحاور بشكل يقترب أكثر من حوارت وأداء مدمني العالم الافتراضي، ومناقشة كل الموضوعات التي تنال اهتمام هؤلاء، مما أثار الكثير من الضحك والتأسي في الوقت نفسه.
وفي النهاية لا يجد هؤلاء الافتراضيون، وقد تمت سرقة حيواتهم، سوى أن يجلس الساحر بجوار تمثاله، المصنوع من تفاهاتهم، مجرد تمثال صامت لا يثرثر، فاليوم كما يقول الساحر في النهاية هو يوم الصمت، فلا شيء حقيقيا، ولا يوجد شيء على الإطلاق. مجرد (إله) يتسلى لا أكثر ولا أقل.