تكتسب الدورة الأربعون لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي أهمية خاصة هذا العام لعدة أسباب، يأتي في مقدمتها تولي المنتج محمد حفظي، رئاسة المهرجان بعد سنوات من التخبط والمعاناة جراء التقلبات الإدارية ومخاوف الإفلاس التي أحاطت بالمهرجان الأكبر في دوراته الماضية وهددت بتوقفه عدة مرات، لا سيما خلال فترات التوتر إبان ثورة 25 يناير التي تعطلت بسببها دورتان متتاليتان، وكاد المهرجان أن يفقد مكانته الدولية لولا جهود المثقفين والسينمائيين الذين سعوا لتذليل بعض مشكلاته الرئيسية وحافظوا على استقراره النسبي ليبقى موجوداً ومستمراً بالتعاون مع وزارة الثقافة، حيث وفرت ما أمكنها توفيره من دعم مالي ولوجستي.
وقد عبر المهرجان السينمائي الرسمي أزمته بسلام حتى وصل عمره إلى الأربعين، لتأتي مرحلة الاطمئنان الكامل في ظل متغيرات جذرية حدثت مؤخراً نتجت عنها إعادة ترتيب الأوراق وتغير السياسة العامة للإدارة واللجنة العليا المنوط بها رسم الخطوط العريضة لآليات التنفيذ ومتابعة الأداء في كافة الجوانب، الفنية والإعلامية والبروتوكولية والسياسية أيضاً، الأمر الذي دعم الثقة بين المهرجان والجمهور والحركة النقدية التي لمست وضوح الرؤية منذ اللحظة الأولى لتولي حفظي المسؤولية كرئيس جديد ومقرر أساسي للفعاليات، حيث كان من دلالات ذلك الاستجابة للمطلب العام برفض تكريم المخرج الفرنسي كلود ليلوش، المؤيد والداعم لإسرائيل في تأكيد بالغ على الثابت الوطني الذي تأسس عليه المهرجان السينمائي الدولي الكبير منذ انطلاقه وحتى الآن بعدم التطبيع الثقافي مع هذا الكيان المعتدي.
كما أن وجود منتج كبير في حجم محمد حفظي، على قمة الهرم الإداري يمثل ضمانة حقيقية في عملية الاستقرار المالي من جهة والمستوى الفني الراقي من جهة أخرى، وهو ما كان مُفتقدا إلى حد كبير طوال الفترة القريبة الماضية وتمت الإشارة إلية مراراً وتكراراً كنقطة ضعف حقيقية ظل المهرجان يعاني منها وسط محاولات محدودة للإنقاذ من أهل العقد والربط دون جدوى.
وتأتي الدورة الأربعون لتترجم نوايا صادقة لجعل مهرجان القاهرة دولياً وعالمياً بشكل موضوعي بعيداً عن الفكرة الدعائية التي تُستخدم عادة في التغطية على مواطن الخلل والعجز، وربما اختيار فيلم “الكتاب الأخضر” ليكون مفتتحاً للدورة الجديدة، يشكل دليلاً لإثبات حُسن النوايا والرغبة في نقل المهرجان نقلة حضارية تُناسب تاريخه ومكانته المعتبرة كحدث سينمائي ثقافي كبير يحتل مرتبة متقدمة بين المهرجانات العالمية الكبرى وفق مقاييس الاتحاد الدولي للمنتجين المعني بتقييم المهرجانات واعتمادها ومنحها الصفة الدولية.
ومن دواعي الاختيار الموفق أيضاً لفيلم “الكتاب الأخضر” بالذات للعرض في حفل الافتتاح، أنه يناقش قضية العنصرية التي عانى منها المجتمع الأمريكي في فترة الستينيات من القرن العشرين في ظل التفرقة غير الإنسانية بين السود والبيض، وما ترتب عليها من انقسامات عرقية وأزمات حادة في جميع أوجه الحياة. ويمثل الفيلم معالجة موضوعية للقضية عبر تناول إنساني سلس ورؤية واسعة للمخرج الكبير بيتر فاريلي، الذي يستعد لدخول غمار المنافسة على جائزة الأوسكار في الدورة المقبلة بعد الأصداء الإيجابية التي أحدثها فيلمه المهم أو الأكثر أهمية في هذا الصدد للقضية السياسية الإنسانية التي أرقت المجتمع الأمريكي لسنوات طويلة وما زالت تؤرقه على الرغم من تراجع حدتها في الفترة الراهنة.
ويعد “الكتاب الأخضر” واحداً من أفلام التميز الكبرى لدى البطلين الرئيسيين، فيجو مورتيلسين، وماهر شالا، فهو بمثابة تنوع حيوي فارق في أداء فيجو الشهير بالكوميديا البناءة، وأيضاً يعد تطوراً في مسيرة شالا الفنية والسينمائية الجاذبة والجماهيرية.
ومما يزيد من أهمية فيلم الافتتاح أنه يحمل نبرة سياسية إنسانية تتناغم مع الإيقاع العام للدورة الأربعين التي تحتفي بالقضايا المصيرية المهمة والأطروحات المتضمنة في الأفلام المشاركة من بعض الدول العربية التي تعيش أزمات وجود حقيقية بفعل التحديات المفروضة عليها مثل فلسطين والعراق وسوريا، وكلها نماذج لسينما ناضجة تشتبك مع الواقع الراهن بالمناطق الملتهبة وتحقق الرسالة المعنية لدور الفن والإبداع الاستثنائي الذي يُعول عليه كثيراً في المهرجانات التي تحمل ثقافات الدول والشعوب إلى مناطق أبعد من الحيز الجغرافي الإقليمي.