■ لعلها الحرب الكبرى في التاريخ العربي. لم يشهد أي عصر عربي اشتباكاً عربياً – عربياً بهذا الاتساع وهذا الشمول، جغرافياً وبشرياً. حتى في حروب العباسيين والأمويين، وحروب الفاطميين والمماليك، وحروب العثمانيين، بل حتى داحس والغبراء قبلها. لا حرب مرت بمثل هذا الاتساع، فمساحة الاشتباك الساخن تمتد من العراق وحتى ليبيا. أما المناطق التي تشهد اشتباكات متفرقة فتشمل كل المنطقة العربية تقريباً.
هل هي ثورات، وهل هي ديمقراطية؟ بالتأكيد لا. فالثورة تعني الانتفاض على تشكيل اجتماعي- سياسي – اقتصادي- ثقافي معين والإتيان ببديل له. «الربيع العربي» جاء تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، شعار يحمل الكفر بنظام عربي تهاوى وسقط، ولكنه شعار فشل في تقديم البديل. وهنا المعضلة. النظام العربي الرسمي فشل في الانتقال من مرحلة الثورات الوطنية والاستقلال، إلى مرحلة البدء بالنمو، وعوضاً عن ذلك حول الدول العربية إلى كيانات يسودها الفساد والظلم والترهل والهزيمة والإحباط، وتسيطر عليها أقليات عائلية أو طائفية أو حزبية أو ما شابه، من دون أي أفق أو فرصة لولوج المستقبل. ولكن وكما تقول البدهية السياسية الاجتماعية: لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين. الديمقراطية ليست مجرد تغيير في الدستور وإجراء انتخابات نزيهة، فمن دون وجود كتل اجتماعية تدافع عن مصالحها بشكل جماعي فلا ضمان للديمقراطية، بشرط أن تتشكل هذه الكتل الاجتماعية على أساس مصالح طوعية اختيارية، لا على أساس انتماءات تأتي بالولادة، مثل العرق واللون والدين والمذهب والطائفة. وشكل هذه التكتلات هو النقابات، واللوبيات، والأحزاب، والجمعيات، والجماعات وما شابه. هذه كلها غير موجودة، وبالتالي فإن ما جرى في العالم العربي، بغض النظر عن الاختلاف حول تسميته بثورة أم لا، لا يؤدي إلى ديمقراطية بشكل مباشر. فهل يمكن أن يؤدي بشكل غير مباشر إلى ذلك، على اعتبار أنه أزاح الأنظمة التي كانت تعيق تطور التاريخ؟ بالتأكيد لا، فأي حراك شعبي تاريخي لا يتم تأطيره يتلاشى تدريجياً.
يأتي السؤال التالي ضمن سلسلة الأسئلة التي نحار فيها جميعاً: أي خيار أفضل، تحطيم البنى الفاسدة الموجودة لصالح المجهول والمخاطرة بالفوضى مقابل احتمال تشكل أنوية لمستقبل أفضل ولو بعد عقود، مع وجود خطر الانزلاق في صراعات ممتدة لفترات طويلة جداً تزهق فيها أرواح لا تحصى، أم القبول بالواقع الفاسد لحقن الدماء، مع احتمال أن يستمر انسداد الآفاق وتعود المشاكل لتتفجر من جديد بعد حين؟ لكل منا إجابته، وبناء عليها ينحاز إلى أحد معسكرين يتصارعان حالياً، من دون أن يتركا مجالاً لخيارات من نوع «الخيار الثالث»، إلا من باب تسجيل المواقف.
المعسكر الأول هو النظام العربي المتهالك بدوله الرثة الفاسدة، ولكن المحافظة على شكل الدول، وبحد أدنى من الاستقرار، ولكن بمقدار كبير من القمع والفقر والشعور بالإحباط الشعبي والتخلف وانسداد الآفاق. المعسكر الثاني هو القوى السلفية الجهادية بكل تشكيلاتها، من داعش والقاعدة وأنصار الشريعة وغيرها، التي تستهدف الدول كبنيان، ساعية لتفكيكها أو إضعافها، تمهيداً لما تراه دولة خلافة عابرة للحدود الحالية. ومهما قيل عن تأثير خارجي من قبل الحلفاء من غير العرب على المعسكرين، فإن الجوهر هو رغبة المعسكر الأول في الحفاظ على الذوات فيه، كيانات الدول كلاً على حدة، ورغبة المعسكر الثاني في تحطيم تلك الكيانات، أما التدخلات فهي تأتي من باب استغلال الفرص واستثمار الصراع.
انحاز للمعسكر الأول معظم اليساريين، ومعظم المعارضين التقليديين، على اعتبار أن المحافظة على كيان الدولة شرط أساسي لتكون المعارضة منتجة وإيجابية. في حين انحاز للمعسكر الثاني، السلفي الجهادي، معظم الليبراليين والإسلاميين الوسطيين، وبعض القوى العشائرية. وفي المناطق التي تشهد تنوعاً مذهبياً استطاعت القوى السلفية أن تحشد وراءها جماهير عريضة بإشعال الصراع المذهبي واستغلاله.
إنها الحرب العربية الكبرى؛ مخاض لا نعرف ما سينتج عنه، يقول الثوريون المتحمسون انه مخاض يقود إلى بنى جديدة، فيما يخشى المعارضون القدامى من أن المخاض يقود إلى حرب طويلة على الطراز الصومالي أو الأفغاني. في المنطقة الممتدة من العراق وحتى الجزائر لم يبق إلا الأردن ولبنان في الشرق. ولكن من المشكوك فيه أن يتمكنا من البقاء خارج الطوفان الذي يضرب حدودهما من كل النواحي. دول الخليج لا تبدو كذلك بمأمن مطلق، خصوصاً مع اشتعال اليمن في جنوبها. ولكن قد تكون المخاطر على الأردن ولبنان والخليج أقل حدة مما هو في سوريا والعراق.
أما بالنسبة لمصر فأمورها لم تحسم بعد، إذا عادت الأمور وتصاعدت في المنطقة – وهي مرشحة لذلك- فإن الجيش المصري سيواجه تحدياً حقيقياً في سيناء، وفي الصحراء الغربية على حدود ليبيا، وفي الصحراء الجنوبية الغربية على مثلث الحدود مع السودان وليبيا، وقد يضطر للتراجع إلى حوض النيل والدلتا، مع تحول المناطق الصحراوية إلى ساحات مفتوحة للقتال مع الجهاديين. ليبيا لن تهدأ قريباً، وهذا واضح. أما تونس فستبقى تراقب من موقعها على الطرف، فيما من المحتمل أن تواجه الجزائر أصعب الأزمات في تاريخها بعد الاستقلال، خصوصاً مع ازدياد قوة التيارات الجهادية في ليبيا من ناحية، وفي مالي من ناحية أخرى، ما يجعل الصحراء الجنوبية وحتى سلسلة جبال الوسط مرشحة لتكون منطقة استنزاف للجيش الجزائري. لن تكون المعارك في المدن الآهلة، بل للسيطرة على مساحات وأراض وثروات، فالقوى الجهادية غيرت بشكل استراتيجي من مفهوم حرب العصابات التقليدي لتنظيم القاعدة إلى ما يشبه عقيدة الميليشيا أو الجيوش، وتبني هدف السيطرة والتحكم بالأرض وحكم البشر عليها.
هي حرب على الدول تهدف إلى تفكيكها، وتحاول دول إقليمية وعالمية أن تستفيد من هذه الحرب، ولكنها في الأساس وبالمنطلق تعود إلى مشكلة هوية وتعبير وتكوين في هذه المنطقة الشاسعة. شعوب تعاني من الإحباط والفقر وغياب التنمية والشعور بالعجز والفشل وهزيمة مشاريعها الوطنية، تحكمها أنظمة فاسدة، فيما تداعب مشاعرها التغييرية تنظيمات دموية راديكالية.
إنها الحرب العربية الكبرى.
٭ كاتب اردني
علاء الفزاع