أثارت حادثة الاختطاف المزعوم ليونس قنديل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» للدراسات، كثيرا من النقاشات وردود الأفعال، سرعان ما تحولت إلى تراشق بالاتهامات بين تيار يوصف بالإسلامي أو «الظلامي»، ومن ينعتهم خصومهم ساخرين بـ«التنويريين».
هذا التراشق كشف عن نفسه صراحة بوصفه جانبا من صراع سياسي سلطوي بين أنظمة عربية تتولى تمويل ودعم مؤسسات ثقافية وتيارات فكرية معينة. فمؤمنون بلا حدود «التنويرية» ممولة إماراتيا بشكل معلن، وتعبّر عن المنظور الإماراتي في «مواجهة التطرف». خصوم المؤسسة يبدون أقرب لـ«الإسلام المعتدل» المدعوم قطريا، والمرتبط بالتنويعات الفكرية والسياسية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. هكذا تبدو حروب «التنوير» و«الاعتدال» العربية في أيامنا.
الملاحظ أن وصف «تنويري» في السياق العربي المعاصر أصبح له مدلول سلبي، ويستخدم في معظم الأحيان للسخرية والانتقاص من الخصوم. في إشارة إلى فئات من المثقفين المؤيدين للأنظمة الديكتاتورية أو الهيمنة الأجنبية، في مواجهة فئات واسعة من مواطنيهم. كما ارتبط بالاستعلاء الثقافي والقيمي على «المهمشين» وأسلوب حياتهم وتفكيرهم. من جهة أخرى يبدو الحديث باسم هؤلاء «المهمشين» وادعاء تمثيلهم شكلا لاستعلاء قيمي مضاد. وراء كل هذا هنالك جهات مانحة وممولون أسخياء، ومصالح معقدة ومتشابكة، يصعب تبسيطها، لمثقفين وكتّاب يتنافسون في ظروف صعبة على الفرص والامتيازات.لا يعنينا هنا بالطبع تأكيد أو نفي أي من الروايات المتداولة عن اختطاف قنديل، أو فبركته للحادثة، ولا نعتقد أن أيا من الأطرف المشتركة في المسألة يتمتع بالحد الأدنى من الشفافية، التي تجعلنا نأخذ روايته على محمل الجد. سؤالنا بكل بساطة هو: هل هنالك حقا صراع حول التنوير، أو بين تنويريين وظلاميين، في العالم العربي؟
قد تكون «محاربة الإرهاب» على الطريقة السورية والمصرية، و«التنوير»، و«الإسلام المعتدل»، حججا مفيدة في انتزاع القبول الغربي، ولكنها بالتأكيد ليست منطلقا لمشاريع تنويرية.
العروش المظلمة
أيا كان تعريفنا لـ«التنوير» فهنالك حقيقة حوله لا يمكن تجاوزها، وهي أنه ارتبط تاريخيا بفئات اجتماعية صاعدة، تبنته أيديولوجيا بوصفه مشروعا سياسيا واجتماعيا صالحا لبسط هيمنتها وتحقيق مصالحها ورؤاها للكون والحياة. البرجوازية ذات الطموح الثوري في أوروبا هي الفئة التي يُنسب إليها عادة حمل قيم التنوير، إلا أن هذه الرواية التقليدية تغفل الدور الكبير الذي لعبته الطبقة العاملة في النضال لأجل هذه القيم، وانتزاعها بوصفها مكاسب اجتماعية، وأيضا الأهمية البالغة لما يسمى «الإصلاح من الأعلى»، أي الدور الذي لعبته عدد من الملكيات الأوروبية في تبني المبادئ الأساسية للتنوير، لتحديث جهاز الدولة وتقويتها أمام خصومها الداخليين والخارجيين، وقطع الطريق أمام الثورات الشعبية. الإصلاح البروسي هو النموذج الأهم عن ذلك، وسنجد نظائر تاريخية له في روسيا وملكية هابسبورغ في أوروبا الوسطى، وحتى في الدولة العثمانية والعالم العربي.
من العبث بالطبع تشبيه أنظمة الحكم العربية المعاصرة بالارستقراطية الإنكليزية، أو حتى بمشروع محمد علي في مصر. نتحدث هنا عن ملكيات وإمارات عشائرية، أو أنظمة عسكرية وبوليسية رثة، في دول متخلفة، لا تملك قاعدة اجتماعية أو إنتاجية لمشاريع نهضوية، والقليل الذي راكمته خلال العقود الماضية آخذٌ في الانحلال والتفسخ، بما في ذلك مفهوم «الدولة» نفسه. هنالك مشروع واحد لهذه العروش يمكن الحديث عنه بثقة، وهو البقاء في السلطة، مع تأمين بعض المصالح لأفراد متنفذين في الحكم. من أين تأتي تلك المشاريع «التنويرية» إذن، ولماذا؟
قد يكمن الجواب في المفهوم الخاص لـ«الشرعية» في هذه الدول، فهذا النوع من الأنظمة لا يقيم حكمه على شرعية شعبية ديمقراطية، أو حتى على شرعية دينية، بل يعتمد على «القبول» الداخلي لوجوده، وهو قبول يستند إلى توازنات داخلية، وإلى انتزاع الولاء بالترغيب والترهيب. وإلى جانب القبول الداخلي لا بد من تأمين قبول خارجي على أساس تحقيق بعض المهام التي تبدو ضرورية لـ«الغرب»، وعلى رأسها في أيامنا «محاربة التطرف». «التنوير» و«الإسلام المعتدل» إذن هما حامل أيديولوجي أساسي لشرعية هذه العروش على الصعيد الخارجي، يمكّنها من طرح نفسها بوصفها شريكا لا غنى عنه، وبديلا مقبولا لما هو أسوأ، أي الفوضى والإرهاب وموجات الهجرة واللجوء الضخمة إلى الخارج.
قد تكون «محاربة الإرهاب» على الطريقة السورية والمصرية، و«التنوير»، و«الإسلام المعتدل»، حججا مفيدة في انتزاع القبول الغربي، ولكنها بالتأكيد ليست منطلقا لمشاريع تنويرية. هل يمكننا أن نجد حاملا عربيا آخر للتنوير؟
ديموغرافيا الثورة
برز مفهوم «الشباب» بوصفه مقولة سياسية مع الربيع العربي، حين ظهر عدد من التحليلات التي تربط موجات التغيير بالحقائق الديموغرافية: نمو سكاني كبير في مجتمعات شابة، مع ازدياد نسبي في معدلات التعليم والعمالة المؤهلة. هذا النمو ضمن أنماط حكم غير مرنة سيؤدي حتما لاصطدام الديموغرافيا مع الأنظمة السياسية والاقتصادية، كما أن ازدياد نسب الشباب في أي مجتمع يمكن أن يرفع حدة الصراعات الاجتماعية. بشكل من الأشكال تم اعتبار الربيع العربي تنويرا من نوع خاص، أي نمطا من التحديث والعصرنة الشاملة، يمكن أن تحققه الفئات الشابة لمجتمعاتها.
وعلى الرغم من الصدمة التي أثارها الربيع العربي، والازدهار الثقافي والفكري المحدود الذي انتجته، إلا أن مفهوم «الشباب» لم يُثبت فائدة كبيرة في التحليل الاجتماعي، وظهرت محدوديته وعدم دقته، فخطوط الانقسام الاجتماعي بدت عابرة للأجيال والفئات العمرية، وكان لكل طرف، مهما بلغت تقليديته وقمعيته، «شبابه» المتحمسون، ما يجعل الحديث عن «صراع أجيال» أمرا غير مقنع.
الحقائق الديموغرافية عامل مهم بالتأكيد في أي بنية اجتماعية، ولكن الاقتصار على دراسة الشرائح العمرية والجنسية يبدو قاصرا حتى من منظور ديموغرافي بحت. ليس المهم فقط سن السكان، بل نمط نشاطهم الإنتاجي والاقتصادي، معدلات دخلهم وإنفاقهم، أشكال تمدينهم وأساليب حياتهم. بدا مفهوم «الشباب» إبان الربيع العربي أشبه بهوية أكثر من كونه مقولة اجتماعية وديموغرافية. ومثل كل المصادرات الفكرية القائمة على فكرة الهوية، ركز هذا المفهوم على مبدأ «الاعتراف» بالفئة التي يصفها، وليس على تحديد «وضعها الاجتماعي» ضمن بنية ما. «شباب الثورة» حسب هذا المنظور يريد «الاعتراف» بمكانته ورؤاه الجديدة، وكأنه ذات التاريخ الجديدة التي تريد تحقيق نفسها. سرعان ما ظهر خطا هذه النظرة أمام تعقيدات الواقع، وبرزت حقائق أخرى عن أوضاع الشباب، وانقسامهم بين معسكرات مختلفة، تحددها عوامل أخرى شديدة التعقيد، مثل الطبقة وأسلوب الإنتاج والأيديولوجيا والبنية السياسية، ما أثبت أن مشاريع كبرى كالتحديث والعصرنة أكثر تعقيدا مما تبدو، ولا تقتصر فقط على «عزيمة الشباب».
كثيرٌ من المجتمعات العربية تعاني من انهيار شامل على كل الصعد، ويبدو أن التحدي الأساسي الذي تواجهه هو عدم الانحدار نحو الفوضى الشاملة، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن.
عن أي تنوير نتحدث؟
عندما نعجز عن إيجاد فئة اجتماعية حاملة للتنوير، سواء كان تنويرا من فوق أو من تحت، سيغدو الحديث عن صراع بين تنويريين وظلاميين في الإطار العربي لا معنى له، ولا يتمتع حتى بقيمة نظرية، فالأفكار يمكن ادعاؤها وفبركتها لتصبح غطاء لأمور ومصالح أخرى، فتغدو دوالا لا مدلولات لها، يمكن استبدالها والتخلي عنها ببساطة مع بروز منافع وممولين جدد، وهذا حال كثير من المثقفين المتنقلين بين المنابر. كما أن الجهات المتصارعة في السياق العربي لا تبدي اختلافا كبيرا عن بعضها بعضا، فكثير من الأنظمة، التي بشرت بشعارات «مكافحة التطرف» و«تجديد الخطاب الديني»، تقوم بممارسات لا تقل رجعية عن خصومها «الظلاميين». كالنظام المصري مثلا، الذي قام بإجراءات لم يجرؤ حتى الإخوان المسلمون على القيام بها إبان فترة حكمهم القصيرة، سواء فيما يتعلق بالشرعية الدستورية والحريات الديمقراطية، أو أوضاع النساء والمثليين، أو قضايا «ازداء الأديان» و«الرموز الوطنية». نحن أمام طرفين محافظين ورجعيين إلى أقصى حد، يسعيان، بدون نجاح كبير، إلى ترميم أكثر البنى والأوضاع تخلفا.
كثيرٌ من المجتمعات العربية تعاني من انهيار شامل على كل الصعد، ويبدو أن التحدي الأساسي الذي تواجهه هو عدم الانحدار نحو الفوضى الشاملة، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن. وإلى أن ترمم هذه المجتمعات ذاتها، وتجد صيغا جديدة، أيا تكن، لإدارة شؤونها وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار والتعايش، فسيبقى الحديث عن «التنوير» و«الظلامية» وصراعاتهما أمرا فائضا عن الحاجة.
كتب عدد من المفكرين العرب، مثل ياسين الحافظ وعبد الله العروي، عن «الاستعصاء البنيوي» الذي تواجهه المجتمعات العربية، والذي يجمدها في حالة «الفوات التاريخي»، ويمنع تقدمها. وعن ما تمارسه من «سياسات قرية في عالم مدن». اليوم يبدو الحديث عن «التقدم» ترفا لا يُطال، فالاستعصاء أصبح بؤسا بلا حدود، يمنع استمرار الحياة نفسها. ربما كان الانطلاق من هذا الواقع، والتركيز على مفاهيم «الاستمرار» و«البقاء»، هو الحل الأنسب للتفكير في هذه المجتمعات، ومحاولة إيجاد الحلول لها.
٭ كاتب سوري