القامشلي – «القدس العربي»: في ظل الانفتاح النسبي والبعد عن أجواء التشدد التي شهدتها المناطق الكردية في سوريا بالمقارنة مع العديد من المناطق في هذا البلد الذي يشهد حرباً أهلية منذ 9 سنوات، وُجدت هناك أرضية للعديد من التحولات في جوانب كثيرة لا سيما في ما يتعلق بالنواحي الاجتماعية، وربما هنا كانت مسألة الزواج المدني أحدى أهم القضايا التي واجهتها الإدارة الذاتية الكردية في سوريا حينما سمحت بذلك.
يضاف إلى هذا، القرارات التي أصدرتها الإدارة الكردية بمنع تعدد الزوجات، وحالات سجن للعديد من الرجال الذين لم يلتزموا بهذا القرار، كذلك لا يزال هناك نشاط مجالس المرأة التي أسست في الكثير من الأحياء على مستوى المناطق الكردية، وتوزعت مهامها بين المجتمعية ومساندة المرأة، والمساهمة في إيجاد مدافعين عن النساء اللواتي يتعرضن للاعتداء أو الضرب من أزواجهن ومحاكمتهم.
التواجد النسبي الكبير للمنظمات المدنية في مناطق الإدارة الذاتية دفعها إلى الالتفات للعديد من النشاطات التي كانت غير معهودة في السابق، كمساعدة العديد من الفتيات في أداء دورات في مجال أعمال كانت محصورة على الذكور ومن ثم مساعدتهن في سوق العمل، ناهيك عن تغطية مجال عمل هذه المنظمات على العديد من النواحي الخدمية، الإغاثية، الشبابية، قضايا الطفل، اليتامى.
مسابقة اختيار ملكة جمال مدينة القامشلي، التي جرت في الـ17 من الشهر الجاري، وحازت على اهتمام واسع من قبل وسائل الإعلام المحلية والناشطين في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، كانت أحدى أبرز القضايا المحلية، لا سيما بعد أن تعرضت هذه المسابقة لنقد لاذع من قبل قيادي كبير في الإدارة الذاتية. حيث وجد القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي آلدار خليل أن هكذا مسابقة هي إهانة للمجتمع وعلى من نظموها الاعتذار قائلا: «من المعيب جداً أن نرى ظهور مظاهر لا تليق بنا كمجتمع، كثقافة، كثورة، في ظل ما قدمه شعبنا وعلى وجه الخصوص المرأة من إنجازات وتطور لدورها وما تم تحقيقه من خطوات مهمة في ميادين العمل كافة، ما ظهر مما يسمونه مسابقة لاختيار «ملكة جمال» في قامشلو إجراء يتنافى مع أخلاق شعبنا والظروف التي يعيشها في هذا التوقيت وهي مرحلة تستوجب التركيز فيها على التصعيد من وتيرة النضال الخاص بالمرأة».
الكثير من الأسباب جعل من اختيار ملكة جمال القامشلي حدثاً متداولاً بهذا الشكل الواسع لدى أبناء مناطق الإدارة الذاتية، بلا شك في مقدمة هذه الأسباب أنه حدث للمرة الأولى ولا بد أن يدلو كلهم بدلوه فيها. الآراء لم تقتصر على جانب واحد في هذه المسابقة، إنما تناولت نواحي عديدة.
آراء متضاربة حول الحدث
البعض انهال بتعليقاته على اللجنة المنظمة للمسابقة وأنها لم تكن تمتلك المقومات المناسبة التي تؤهلها لاختيار الملكة وهو ما كتبته ديرسم علي: «كل شي لحال واللجنة الي بتحكم لحال… هن شو عرفن بمفهوم الجمال… يا سبحان الله». حاول بعض المتتبعين للحدث الإشارة إلى أن الفتاة التي انتخبت كملكة جمال هي فقط من ضمن 9 مشاركات لهذه المسابقة وأنه من الطبيعي أن تفوز إحداهن بها وهو ما دونه بنكين محمد الذي انتقد في الوقت نفسه هكذا نشاط: «هي ملكة جمال المشاركات في المسابقة… وليست ملكة جمال القامشلي، ففي القامشلي جمال يأبى أن يكون عرضة للآراء والفرجة والقياس». ضمن سياق نقد المسابقة، اعتبر آخرون أن التبرعات التي جمعت لإحياء هذه المسابقة كان من الأجدر أن يتم صرفها على أبناء المخيمات والناس الذين يحتاجونها في هذا الشتاء البارد، وهو ما تطرقت إليه نجمة عثمان: «مو الغلط بالحفلة والجميلات، بس ناس عايشة بهالشتي بخيم وبيوت عالعضم بلا بواب وشبابيك وبهالفلا وماعندا خبز تطعمي ولادها جاية المنظمة تبع الحفلة تقول تبرعات».
الأوضاع الخدمية التي تشهدها مناطق الإدارة الذاتية كانت أيضاً حاضرة في إطار ردود الفعل على هذه المسابقة، حيث أن البعض رأى أن توافر الكهرباء هو أهم من أي مسابقة أو نشاط ترفيهي، حيث كتب محمد الجبوري معلقاً: «هاتولونا كهربااااا ورخصوا الأسعار وقبلانين بنسوانا ما بدنا ملكات جمال». النقد من الجانب الديني كان أيضاً حاضراً حيال هذه المسابقة، حيث رأى البعض أن هكذا مسابقات هي نتيجة طبيعية لحالة التغير التي تصيب المجتمع، وأنه من الأولى القيام بأنشطة توعوية أو دينية بدل هكذا نشاطات.
رضا الناس غاية لا تدرك
في مقابل ذلك كان هناك مدافعون عن هذه المسابقة ورأوا أنها نشاط مدني، ويأتي كأي مسابقة تحدث في أي مكان من العالم، وأن هناك حاجة ماسة لهكذا نشاطات، حيث من شأنها أن تخفف من الضغوطات التي يعانيها أبناء هذه المنطقة، ويمكن لهكذا أنشطة أن توفر لهم متنفساً.
ميرو محمد رأى أن هنالك البعض الذين لا يروق لهم شيء مهما كان وفي أي إطار: «شعب ما يعجبو عجب ولا صيام برجب». دجوار دجوار كان من المدافعين عن هذه المسابقة و رأى أن الهجوم العنيف عليها يدل على أنها خطوة في الاتجاه السليم: «إنهم يمشون في الطريق الصحيح لأنكم فقط تنتقدون الي بيشتغل صح. برافو عليكم لبوات قامشلو وإن شالله نحو الأحسن».
هيلين عثمان من اللجنة المنظمة لهذه المسابقة قالت في تصريح لها أثناء الحفلة إن التخطيط لهذه المسابقة انطلق من خلال مجموعة مغلقة على فيسبوك باسم «جميلات روجآفا» وهي التي أوجدت الأرضية لهذا النشاط، ويعتبر النشاط الرابع لهن، وسبق أن قمن بتقديم مساعدات إنسانية وأعمال خيرية وسلات غذائية.
الكثير من الانتقادات التي وجهت للمسابقة جاء بعد تصريح إحدى عضواتها وهي خبيرة تجميل (دلجين عيسى) بأن الجمال لم يكن وحدة مقياساً للملكة، إنما تم طرح أسئلة ثقافية أيضاً، وبناءً عليها تم هذا الاختيار للملكة، حيث تساءل الكثيرون عن علاقة الجمال بالثقافة. ولهذا فإنهم رأوا أن اللجنة وشروط اختيار الملكة يفتقد للمهنية.
الفائزة بمسابقة ملكة جمال القامشلي عدلة الحسن، قالت بعد تتويجها إنها قامت بترشيح نفسها بعد تشجيع صديقاتها لها، وإن هكذا نشاط في هذه الظروف له أهمية كبيرة، كونه يساهم في التخفيف من ضغوط الحرب.
اختيار ملكة جمال لمدينة للمرة الأولى على مستوى المناطق الكردية في سوريا ترك خلفه تساؤلات لدى الكثيرين لاسيما بعد الحيز الكبير الذي أخذته الحادثة على وسائل التواصل الاجتماعي من نقد وصل لكثير في الأحيان إلى حد السخرية، ودفاع كما لو أن هذه المسابقة جزء مهم من التغيير، يؤكد أن ثمة تغييراً يحدث ببطء في المجتمع وأن الأيام المقبلة ستشهد المزيد من النقاشات حيال قضايا جديدة ربما ستبدو في البداية غريبة ولكنها ستتحول فيما إلى بعد أمور عادية. كما لو أن منظمات هذه المسابقة هن وراء الصدمة الأولى وأن جيلاً قادماً سيولد صدمات جديدة على اعتبار أنهم جزء من هذا العالم الذي يتأثرون به.