لا شك أن ليالي نهائيات كأس العالم لا تضاهيها أي اثارة في عالم كرة القدم، بل قد يود البعض أن يراها كل صيف بدل كل اربع سنوات، لكن هل حقاً يعد المونديال البرازيلي الحالي الأفضل على مر التاريخ؟
كنت لا أزال أتحسس طريقي في ملذات اللعبة خلال مونديال الارجنتين 1978، لكن عشقي للعبة بلغ أوجه بحلول مونديال 1982، ليظل لي أفضل متعة واثارة شهدتها نهائيات كأس العالم، لانه حوى كل العناصر المطلوبة ليترك أثراً طويلاً على مخيلة عشاق اللعبة، رغم انه قبل 32 عاماً لم نحظ بالانترنت التي الآن تسهل علينا متابعة كل صغيرة وكبيرة عن المنتخبات المشاركة ونجومها، ولذلك فان عنصر المفاجأة كان حاضراً بقوة حينها، خصوصاً بتحقيق نتائج غريبة وغير متوقعة، خصوصاً بترك المنتخبات المغمورة من افريقيا والكونكاف لمساتها وبصماتها.
لكن اليوم، وحتى مع توافر الانترنت ووسائل اعلام متخصصة لتغطية الأحداث الكروية، ما زال عنصر المفاجأة حاضراً بقوة، فالمنتخب الكوستاريكي أبهر الجميع وفاجأ ثلاثة أبطال سابقين للعالم ووصل الى دور الثمانية للمرة الاولى في تاريخه، وقلة منا يعرف أحداً من نجومه، وأيضاً فعلها المنتخب العربي الوحيد الجزائر والمنتخب الكولومبي بالوصول الى الدور الثاني للمرة الاولى أيضاً.
عنصر الابهار لم يتوقف على المنتخبات، فنجوم ولدوا في هذا المونديال، والجميع بات يعرف الكوستاريكي جويل كامبل، في حين اعتبر البعض ان الكولومبي خيميس رودريغز تفوق على نيمار وميسي وكريستيانو، وهو الذي كان مجهولاً عند الكثيرين قبل المونديال.
أسباب اعتبار هذا المونديال الاروع في التاريخ، ينبع أيضاً من التخوف المسبق للبطولة، فمع احتدام التظاهرات والاضرابات وعدم جهوزية بعض الاستادات والبنى التحتية، فان ما شاهدناه حتى الآن يعد رائعاً، بل ان الحضور الجمهوري لمباريات البطولة حطم الرقم القياسي بعد انتهاء الدور الثاني، حيث أعلن الفيفا ان العدد فاق مليونين و900 ألف متفرج، وهو ما زاد على صاحب الرقم القياسي المونديال الاميركي في 1994.
وأبرز عناصر المتعة، الأهداف، وهو ما رأيناه بغزارة في هذا المونديال، فدور المجموعات شهد 136 هدفاً، وهو أكثر مما شهدته أي نسخة من النسخات الأربع الاخيرة، وبنهاية الدور الثاني ارتفع الرقم الى 154 هدفاً، وبتسجيل 18 هدفاً أخرى بحلول النهاية، فانه سيحطم الرقم القياسي السابق المسجل في المونديال الفرنسي في 1998.
ومن جماليات المونديال الحالي، نوعية المدربين وشخصياتهم المثيرة، مثل سامباولي مدرب تشيلي وهيريرا مدرب المكسيك وخليوزيدتش مدرب الجزائر، وحتى سكولاري وفان غال كانت لهم لحظات على خط الملعب امتعتنا، مثلما أمتعتنا صدات الحراس التي رأينا بعضا من الأجمل في تاريخ اللعبة على الاطلاق، أبرزها للمكسيكي اوتشوا والامريكي هاورد والجزائري مبولحي، وأبرز الالماني نوير قدراته الدفاعية باللعب كقشاش، وأيضاً رأينا أهدافاً رائعة لكاهيل وخيميس، وأيضاً عنصر المفاجأة بخروج اسبانيا حامل اللقب مبكراً وتبعه الانكليز والطليان والبرتغاليون.
ومن الجميل رؤية التكنولوجيا تلعب دوراً للمرة الاولى، وأهمها خط المرمى التي حسمت هدفا لفرنسا، مثلما رأينا استخدام الحكام للرذاذ الزائل الذي يرذ رغوة تحدد مكان وقوف اللاعبين والكرة.
فعلاً سيبقى المونديال البرازيلي عالقاً في الاذهان، رغم بقاء اسبوع على نهايته، لكنه ترك أثره مبكراً ليقنعنا أنه فعلاً الأفضل في التاريخ.
خلدون الشيخ